راي رئيسي

رسالة إلى الرئيس.. لن نحارب الكورونا بجدل الصلاحيات

– فائزة الناصر –

بقطع النظر عن فحوى رسالة نائب رئيس مجلس النواب طارق الفتيتي التي نشرها على حسابه في الفيسبوك، وبقطع النظر عن أسبابها وتوقيتها ومآلاتها، أنا في الحقيقة على يقين أنّ بعض ما جاء فيها كان صادما لجزء كبير من الرأي العام التونسي.. صادما لأنه كشف أنّ في زمن “الكورونا” هذا الوباء الذي يجتاح العالم ويجتاحنا ويهدّد أمننا القومي وسلامتنا مازال البعض يطرح مشاكل وهمية ومغلوطة وجانبية، بل يطرح قضايا لا ترتقي إلى مستوى الجائحة التي نعيشها..

سلطة تنفيذية لا تنسق مع السلطة الأصليّة، ورأس السلطة ورمز الدولة ينازع باقي السلطات من أجل صلاحيته وما له، لا مبال بما تعيشه البلاد ولا ما يعيشه الشعب من هلع ورعب وارتباك..

وبقطع النظر عما جاء في رسالة نائب رئيس مجلس النواب، التي اضطر من خلالها للخروج عن تحفظه من لوم للسطلة التنفيذية ممثلة في رأسيها الرئاسة والحكومة، وبقطع النظر عن تذكيره لها أنها تخطئ كثيرا عندما تتجاهل السلطة الأصلية التي هي بالفعل سلطة تشريعية ورقابية، على حد قوله، وليس من اختصاصها ولا صلاحياتها اتخاذ إجراءات وتدابير لحماية أبناء الشعب، ولكن الشعب الذي انتخبها فوّضها للدفاع عن مصالحه ومشاغله وحمايته من آفات وكوارث مشابهة، وهذا المجلس هو من منح الثقة للحكومة لتكون مستأمنة على حياة وعيش وأمن مواطنينا، وهو القادر على سحب الثقة في أي وقت يراه صالحا من هذه السلطة التنفيذية إذا حادت عن مسارها الطبيعي ألا وهو خدمة الوطن والمواطن وحمايته من كل ما من شأنه أن يمس من حياته وأمنه.

الفتيتي صدم الرأي العام أيضا عندما أقرّ أن السلطتين التنفيذيتان تعملان دون تنسيق مع مجلس النواب، بل أحرج رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي ادّعى في خطابيه أنّه اتخذ قراراته بالتشاور مع رئيس مجلس النواب بينما الحقيقة غير ذلك.. صدمنا عندما تحدّث عن استعلاء الفخفاخ ورفضه حضور اجتماع رؤساء الكتل الذي دعا له رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي رغم إلحاح المجلس في دعوته.. وفضّل حينها أن يلتقي مع رئيس الجمهورية ليتلقى تعليماته ومباركته وكأنه وزير أول لدى سيادته..

يوم الاثنين الماضي 16 مارس ترأس رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي اجتماعا لرؤساء الكتل البرلمانية وأعلن في نقطة صحفية عن جملة من التوصيات موجهة للسلطة التنفيذية وكان من أهم هذه التوصيات التي تحدث عنها الغنوشي ضرورة المضي في الغلق الفوري للحدود الجوية والبحرية واعتبار الدولة أنها في حالة حرب ولا بد أن تسخّر فيها كل طاقاتها لمجابهة العدوّ.. وقبلها بقليل أعلن عن تبرّعه بأجره كاملا لمساندة جهود الدولة لمقاومة الوباء وكذا فعلت كتلة حركة النهضة ثم كتلة قلب تونس ثم نسج البعض على منوالهم.. ودعا الغنوشي كل أبناء تونس إلى التبرّع من أجل دعم جهود الدولة وتعزيز إمكاناتها..

فجاء الردّ من رئاسة الجمهورية مزلزلا، جوهره الزم حدودك واحترم صلاحياتك من أنتم يا برلمان ويا نواب الشعب ويا رئيس مجلس نواب الشعب حتى تفكروا وتقترحوا وتبادروا وتقدموا لنا توصيات.. رغم أنه في الليلة ذاتها خرج رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ليعبّر عن جملة من القرارات تقريبا هي نفسها التي أكّد عليها الغنوشي في كلمته دون أن يكون هناك تنسيق مسبق حسب شهادة نواب.. يعني المنطق والواقع والمعطيات على أرض الواقع تفرض هذه الإجراءات ولا خلاف حولها، ولكننا لا نأخذها بالتنسيق والحوار والتواصل بل نأخذها مكابرة..

المهم مسألة أنّ السيد القائد الأعلى للقوات المسلحة لا يعترف بالسلطة الأصلية ولا بضرورة وجودها أصلا، وهو لا يخفي ذلك، هذه مسألة نناقشها لاحقا، فلا الزمان زمانها ولا الإطار إطارها.. ولكن ألا يعترف السيد الرئيس أيضا بأننا نعيش جائحة عالمية وكارثة وطنية تحتاج منا جميعا أعلى درجات التأهب والتنسيق؟ ألا يعترف رئيس مجلس الأمن القومي أنّ الكارثة التي تعيشها بلادنا تقتضي أعلى قدر من التواصل والتشاور بين مختلف السلط، وتقتضي الكثير من الانفتاح على بعضنا البعض والانصات لكل مقترح وعدم الاستخفاف به؟ ألا يدرك رئيس التونسيين أن المرحلة ليست مرحلة أنا وأنتم بل هي مرحلة نحن بامتياز، وأنّنا اليوم نقف على حقيقة أنّ الحياة الجماعية هي أساس الحياة الفردية وليس العكس لتسقط كثير من نظرياتنا ومن أيديولوجياتنا التي انتصرت للأنانية بعضنا؟

ألا يعقل رئيسنا المفدّى أنّ حديث الصلاحيات وإظهار علوّ كعبه في الفصاحة وإجادة اللغة العربية القحة التي لا يفهمها السواد الأعظم منا، هي أمام الوضع الكارثي الذي نعيشه مجرّد ترف خطابي لا يعني التونسي الذي بات مهددا في سلامته وسلامة عائلته؟

ألا يعي رئيس البلاد أنّ ما يتوجّب عليه اليوم كسلطة تنفيذية هو التشاور والتنسيق مع الحكومة ومع البرلمان – السلطة الأصلية – من أجل البحث في الخطوات الضرورية في حالة استفحال أزمة الكورونا في بلدنا وارتفاع عدد المصابين؟ وكيف سيتفاعلون كي لا يخسروا الوقت؟ وماذا ستفعل الدولة لسلامة آلاف العائلات التي تعيش من مواطن الاكتظاظ؟ وماذا ستفعل لتزويد المواطنين بما يحتاجونه إذا التجأت إلى فرض حضر تجول كامل؟ فكلما طالت مدّة الوباء كلما تطلّب الأمر إجابات ملحّة لا يمكن تقديمها لا بالمكابرة ولا بالأنانية ولا بالفردانية ولا بتجاهل الشركاء واستبعادهم.. وأن المنافسة اليوم لا تقوم على من لديه صلاحيّات أكبر بل على من له فكرة أجدى وحلول قابلة للتطبيق ومن هو أقدر على خدمة المجموعة..

إذا على رئيسنا الموقّر وعلى رئيس حكومتنا بل على الجميع اليوم أن يدركوا جيّدا أن في فترات المحن والمصائب تختبر المبادئ والشعارات المرفوعة، وتوضع معاني الأخوة والتضامن على المحك فيظهر الصادقون من الكاذبين، ويتميز الأوفياء عن المتنكرين والانانيين والعاجزين عن الفعل، المتأخرين عن القيام بالواجب.

إن ما يمكن فعله كثير، بقي فقط بذل الجهد لإخراج ذلك الخير من القوة إلى الفعل، عبر فتح نقاش بين كل السلط المعنية ليشاركوا جميعا في تحمل المسؤولية، والمساهمة في إيجاد الحلول للتخفيف من المعاناة فالسلطة الواحدة التي تعزل نفسها مهما كانت إمكاناتها ومهما افترضنا اقتدارها ستبقى عاجزة.

إنّ مبدأ الثقة بين مختلف السلط وبين مختلف الفاعلين السياسيين سيعزز جوّ التعاون وتظافر الجهود لحل المشكلات مهما عظمت، ومواجهة التحدّيات معهما كبرت، بينما فقدانها سيوجد الارتباك والعجز والتردّد وغياب الفعل والفشل وانعدام المبادرة وزيادة تعقيد المشكلات والأزمات.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق