راي رئيسي

رسالة لا يلتقطها الأغبياء..
استبيانات الزرقوني بين “فبركة” المشهد السياسي ومحاولة الّلعب على التناقضات الداخلية للنهضة

كشف البارومتر السياسي لسيغما كونساي، الذي نشرته جريدة المغرب في عددها الصادر الثلاثاء 21 أفريل 2020 أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد حظي بنسبة بـ 61 % من ثقة التونسيين، يليه وزير الصحة عبد اللطيف المكي بـ 51 % وخاصة إلياس الفخفاخ بـ 44 %.

ويُمثّل خزّان الثقة النسبية عند رئيس الحكومة الفخفاخ بـ 32 % مقارنة برئيس الجمهورية سعيّد بـ 24 % ووزير الصحة المكّي بـ 17 %.

وخسر سعيّد 6 نقاط في مؤشرات الثقة الكبيرة بينما ربح الفخفاخ 17 نقطة وحقّق المكّي رقما كبيرا بحصوله على 37 نقطة.

في المقابل لم يفوت الزرقوني فرصة تمرير رسائله الرئيسية ولبّ استبيانه ألا وهي وجود زعيم حركة النهضة ورئيس مجلس النواب راشد الغنوشي دائما في المرتبة الأخيرة في استطلاعات الرأي التي قامت بها شركته..

وإثر نشر البارومتر السياسي مباشرة انطلقت، كالعادة جوقة إعلامية تحلل وتفصّل الأرقام في تناغم غريب مع ما ذهب اليه الزرقوني، لتقول نيابة عنه ما لم يقله..

بين من يتحدث عن صعود نجم عبد اللطيف المكّي رمز الراديكالية يحلل ويناقش هذا الصعود وآفاقه، وبين من يتحدث عن أفول نجم الغنوشي مقابل المكّي ويستشرف مستقبل حركة النهضة تنظيميّا.. رغم أن البارومتر المفروض على الأقل ظاهريا، لا يتحدث عن الشأن الداخلي لحركة النهضة وترتيب قياداتها بل عن شخصيات مسؤولة في الدولة أو شخصيات تقمّصت مسؤوليات أو زعامات حزبية تاريخية.. وقد تعودنا في الحقيقة التداخل الذي بدا واضحا للعيان بين الخط التحريري لبعض القنوات والإذاعات الخاصة وبعض الصحف، وبين شركات سبر الآراء فتقريبا كل مؤسسة إعلامية أصبح لها مؤسسة سبر آراء تعتمد عليه وبالصدفة العجيبة أرقامها الإحصائيّة تكون دائما على مستوى تطلّعات هذه القناة.

المهم كعادته الزرقوني يقوم باستبياناته بخبث شديد يعرض معطى صحيح ليضفي شرعية على عشرة معطيات أخرى مزيفة ومغالطة للرأي العام ليوجهه حيثما يشاء..

يلمّع نجم عبو ليعطي شرعية على تقدّم عبير موسي في الترتيب فيستسيغها الرأي العام، ويعطي النهضة مركزا متقدّما ليضفي شرعية على صعود حركة تحيا تونس والحزب الدستوري الحرّ، ثم يكشف صعودا قياسيا لوزير الصحة عبد اللطيف مكي الذي يحظى في الفترة الأخيرة بمنسوب ثقة عالية من مختلف أطياف المجتمع لحسن إدارته للمعركة مع وباء كورونا وحسن بلائه، ليمرّر فكرة وجود قيس سعيد الذي يعلم الجميع أنه فقد جزء كبيرا من رصيده الانتخابي بعد أدائه السياسي الأخير، ثم يمرّر تقدّم عبير على الكثير من الشخصيات السياسية وبعدها ووجود راشد الغنوشي في أدنى السلم..

لسان حال الزرقوني وعقله المدبّر يقول عندما أقدم معطى معقول وصادق مثل التقدم القياسي للمكي سيصدقني الجميع في باقي المعطيات وسيسهل عليّا توجيه الرأي العام حتى من داخل حركة النهضة الذي رميت لهم طعم صعود القيادي النهضاوي عبد اللطيف المكي.. وهكذا يشتغل على أجندته القديمة المتجدّدة، تلميع الرموز التي يريد تلميعها وترذيل الأخرى وتقزيم صورة زعيم حركة النهضة التاريخي والاشتغال على التباين الداخلي للحزب.. وأكاد أجزم، بل أنا أجزم أن اللامقول في بارومتر الزرقوني السياسي أو جوهره وباطنه هو تمرير رسالة أن راشد الغنوشي شخصية سياسية غير مقبولة من طرف التونسيين وهي دائما في أسفل سلم استطلاعات الرأي، فقط البهار الذي أضافه هذه المرّة لتثبيت رسالته التوجيهية لدى الرأي العام هو تلميع صورة عبد اللطيف المكي النهضاوي ليضرب بها أكثر من عصفور..

ويشتغل الزرقوني الذي يعوّل دائما على استبلاه الرأي العام والتلاعب به، على أجندة واضحة وقديمة، وهي أنّ الشيخ أكثر شخصية أو من أكثر الشخصيات المكروهة أو التي ليس فيها ثقة، ثم إبراز طرفين من بين أكثر الأطراف التي تحوز على ثقة التوانسة، طرف من خارج النهضة لضرب النهضة طبعا، وطرف ثان من داخل النهضة لضرب الشيخ.

من خارج النهضة في سنة 2013 حتى 2017 قدم الباجي قايد السبسي رحمه الله، ثم في 2017 يوسف الشاهد، والآن في 2020 قيس سعيّد.

ومن داخل النهضة في 2012 حمادي الجبالي، ثم من 2013 إلى 2019 سمير ديلو وعبد الفتاح مورو، والآن في 2020 عبد اللطيف المكي.. هدف ذلك غير المعلن ضرب صورة راشد الغنوشي وكأنما ما جعلت هذه المؤسسة إلا لتشتغل على الحفاظ على الغنوشي في أسفل سلم الترتيب، وتشكيل رأي عام داخل النهضة وخارجها ضده.. رغم أنّ نتائج قائمة الغنوشي في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي تحصلت على أعلى عدد أصوات في جميع الدوائر الانتخابية، تسفه استبياناته تماما..

إذا استطلاعات الزرقوني كما هي دائما محاولة مكشوفة جدا للتلاعب بالأرقام والمعطيات لتمرير أجندة سياسية معلومة وثابتة، لصنع وتوجيه الرأي العام لم تتغير منذ 2011 عندما كانوا يقدّمون نجيب الشابي على أنه أكثر سياسي ذو شعبية. حتى الاستطلاعات القليلة التي أعطوا فيها النهضة تقدمّا كان الهدف منها تخويف منافسي النهضة للتجميع والحشد ضدّها..

ضرب رمزية الغنوشي إذا كانت مكشوفة جدّا في استطلاعات الزرقوني، الذي كان دائما مرآة لمن يختفي وراءه من لوبيات ومحاور داخلية وخارجية، محاور لم يعد خفيا خشيتها المتنامية من صعود نجم الغنوشي دوليا يوما بعد يوم، وبزوغ نجمه المرصّع بالنجاحات الثابتة، رغم الفصول العسيرة والصاخبة والمتوترة والهزات القاسية التي خاضها خلال السنوات الماضية، وتجاوزها بعقلانيته ووسطيته التي ظلّت هي المنتصرة، وسحبت الجميع من تلك المنزلقات المخيفة وأعادتهم دائما إلى الوسط.

الزرقوني لا يستطيع إلا أن يحافظ على ترتيب الغنوشي في أسفل البارومتر لأنه وعاء للذين يعانون متلازمة الإسلاموفوبيا ويقظّ مضجعهم أنّ شخصية تونسية ذات خلفية إسلامية جمعت بين الإعدام والمؤبد والتهجير والمعارضة والسلطة، وجمعت بين الفكر والنضال وحنكة السياسة، تصبح رمزا وطنيّا ورقما فارقا في تاريخ هذا البلد..

وعاء للذين يظلّون يخشون نجاح الغنوشي من خلال أدائه خلال السنتين الماضيتين في تغيير الصورة النمطية للحركات الإسلامية، وتبديد الكثير من توجّس المجتمع الدولي الغربي تجاه هذه الحركات.. يخيفهم نجاحه في التأصيل لفكرة الحريّة وفكرة التشاركية والطبيعة المدنية للدولة والديمقراطية.. يخيفهم الجهد الذي يقوم به منذ الثورة من أجل دمقرطة العالم العربي والعبور به إلى برّ الأمان.. يزعجهم أن اليوم بات الجميع في الداخل والخارج يقرّ أن راشد الغنوشي نجح في تنزيل ما أصّل له بطريقة جريئة في مؤلفاته من قيم إسلامية مهجورة صياغة معاصرة من قبيل قضايا الحرية والعدالة والديمقراطية والتداول على السلطة في الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي والتونسي، واعتبار النضال من أجل الإسلام نضالا من أجل الحرّية والعدالة والكرامة والتقدم، نجح في تنزيلهم واقعيا من خلال ممارسته طيلة التسع سنوات الماضية..

يسوؤهم كثيرا أنه سيحسب له رغما عنهم، أنه من رسّخ فكرة التشاركية وفكرة التضامن والوفاق الوطني في مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه تونس اليوم، وانطلق من إيمان عميق بأن التوافق يشكل القاعدة الأساسيّة لإنجاح وإتمام الانتقال ديمقراطي بعيدا عن الاستقطاب والانقسام وتقديم المشترك المتفق عليه فيما يخص الرؤى العقدية والأيديولوجية التي هي موضوع تباين واختلاف.

يزعجهم كثيرا أنه يظهر في كل مرّة نضجا عبقريا في الواقعية السياسية وفي التعايش مع الأخر، وأنه يمتلك شخصية متمرسة في معارك النفس الطويل، قد تساير الموجات من هنا وهناك لكنها لا تتخذ قرارات حاسمة إلا حين “تذهب السكرة وتحضر الفكرة”.

يستفزهم كثيرا أنّه رغم مساعيهم ومحاولاتهم الحثيثة لوسمه بخيانة الثورة لإضعافه وعزله ومن ثم الالتفاف عليه وعلى حزبه وعلى الثورة من بعد، فقد استطاع بذكاء وفطنة أن ينقذ حزبه من استئصال ثان كانت بوادره جلية قبيل انتخابات 2014، ثم منع المنظومة القديمة من الاستفراد بالحكم وبحزبه والتكتل ضد الثورة ومخرجاتها، ولوى عنق المنظومة القديمة ودفعها قسرا إلى الانخراط في منظومة الثورة والانتقال الديمقراطي الذي انخرطت فيه تونس بعد انتخابات 2011، وقطع الطريق تماما أمام عودة الاستبداد..

من أجل كل هذه الأسباب سنتفهم جيدا إصرار الزرقوني لجعل الغنوشي ثابتا في أسفل ترتيب استطلاعاته جميعها، ونتفهم تنازله بتلميع صورة المكي القيادي النهضاوي الذي لطالما اعتبروه راديكاليا ومن صقور الحركة، فلعل ما عجزوا عن تحقيقه من خارج الحركة ينجحون في تحقيقه من داخلها بضرب رأس برأس، يرضون أن يبتعلوا لقمة المكي أو أي قيادي نهضاوي آخر، ولو مرحليّا، مقابل إبعاد الغنوشي من المشهد العام، فربما الذي يعجز عن تحقيقه جندهم هم قد ينجح فيه جند من داخل الحزب، نستبلههم ونغويهم ونهمس في آذانهم سرّا باستباق مراحل خلافة الغنوشي ربما يكون رميهم أسدد من رمينا..

هذا الإصرار العجيب على التدافع بالأيدي والمناكب لضرب رمزية الرجل وطمس تاريخه أو تزييفه أو اختطاف جميع أرصدته، لعلّهم يوارون تكريمه دوليا، والإشادة بدوره في تأمين الانتقال الديمقراطي في تونس خلال الملتقيات والمؤتمرات الدولية التي يدعى إليها، والحفاوة التي يستقبله بها قادة دول ومسؤولون ساميون من مختلف دول العالم، هذا الإصرار يؤكّد بما لا يفسح أي مجال للشك أن رمزية هذا الرجل هي التي تخيفهم وأن حركة النهضة لن تُضرب إلا من خلا ضرب الغنوشي.. رسالة لا يمكن أن يلتقطها الأغبياء..

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق