راي رئيسي

رسالة مفتوحة من نائب شعب .. لحساب التاريخ أيضا!

عشيّة انطلاق الدورة البرلمانية العادية الثالثة للفترة النيابية 2019 / 2024 التي تبتدئ خلال شهر أكتوبر بمقتضى الفصل 57 من الدستور، بعد العطلة السنوية لنوّاب الشعب التي ابتدأت نهاية شهر جويلية طبق نفس الفصل، واعتبارا للحالة الاستثنائية التي فرضها رئيس الجمهورية بمقتضى تأويل تعسّفي للفصل 80 من الدستور، في غياب المحكمة الدستورية ذات الاختصاص الحصري، وفي ظلّ المصير المجهول للبرلمان الذي لم يُحسم بعد، ومن موقع تحمّل المسؤولية ووفاء بقَسَم النائب على الالتزام بأحكام الدستور، ولحساب الذاكرة والتاريخ ومعذرة إلى ربي، أتوجّه بهذه الرسالة المفتوحة لمن يهمّهم الأمر دون تحديد، لأعرب عما يلي:

1 ـ أفضت الانتخابات التشريعية موفّى سنة 2019 إلى تشكيل مشهد برلماني بالغ الانقسام والتشظّي، لم يتأخر كثير من المتابعين عن التكهن باستحالة استكمال عهدته الخماسية. ومنذ جلسته الافتتاحية الصاخبة ليوم 13 نوفمبر 2019 التي رفضت خلالها النائبة عبير موسي وكتلتها الفاشية أداء اليمين وراء رئيس الجلسة الأكبر سنا راشد الغنوشي، كانت الرسائل واضحة في ترذيل البرلمان والنيل من رئيسه المنتخب لاحقا.

وكانت المسرحيات المعلومة وغير المسبوقة في الاعتصامات بقاعة الجلسات العامة واحتلال منصة الرئاسة واستعمال مكبّرات الصوت للتشويش والسيطرة على كاميرات التصوير للتلفزة الوطنية، مرورا بالمداخلات المنفلتة والهابطة لعدد واسع من النواب، ضدّ رئاسة المجلس ورئاسة الجمهورية والحكومة والمسؤولين والشخصيات العامة وضدّ بعضهم أحيانا، وصولا إلى النقل المباشر لاجتماعات مكتب المجلس عبر الفايس بوك والاستدراج إلى العنف اللفظي والمادي تحت قبة البرلمان، ووضع عبير موسي لخوذة على رأسها ولبس واق ضدّ الرصاص أثناء الجلسات الأخيرة، في مشهد استعراضي مُقرف. حصل كل ذلك للأسف على حساب المهام الأصلية للنواب في التشريع والرقابة والتمثيل الجهوي، التي استمرت رغم الصعوبات. وتمّ تمرير عدد من مشاريع القوانين الهامة فضلا عن جلسات الحوار مع الحكومة ونشاط لجان المجلس المختلفة والتي فاقت في عمومها معدل عمل البرلمان بين 2014 و2019.

2 ـ لا أتردّد شخصيا عن الاعتذار للشعب التونسي عن المشهد البرلماني في أغلب ردهات الجلسات العامة خلال الدورتين الأخيرتين، وعن الرسائل السلبية التي كانت تصل من عدد من النواب إلى الداخل والخارج، والتي حرصتُ قدر الإمكان على النأي بنفسي عنها والتحذير المتكرّر من عواقبها. ولذلك أتفهّم مطالبة البعض بحلّ البرلمان الذي ضعفت شرعيته بما انطبع سلبيا حول أعضائه ودوره وأدائه، حقا وباطلا، وواقعا وافتراء.

لكن أظلّ مع الإقرار برداءة الأداء، مدافعا عن البرلمان عنوانا للديمقراطية وتعبيرا عن الإرادة الشعبية للأغلبية. فلا يسقط برلمان ديمقراطيا إلا بانتخاب برلمان جديد يحلّ مكانه. ولا يستقيم حكم ديمقراطي دون سلطة تشريعية ورقابية مستقلة. ومهما بلغ الغضب والاستياء من أداء النواب يظل العقاب في الآليات الديمقراطية من داخلها عبر إعادة الانتخابات ومعاقبة المترشحين من جديد أو مكافأتهم. وتضع جميع الدساتير آليات للانتخابات السابقة لأوانها لمعالجة الأزمات السياسية، وإن كانت الفرص ضعيفة ومعقّدة في دستور تونس 2014 في هذا المجال.

وبكل تواضع وموضوعية، تشهد مداخلاتي الشخصية الموثّقة بالجلسات العامة وبلجنتي المالية والتنمية الجهوية اللتين تشرفت بعضويتهما خلال الدورتين وأنشطتي الجهوية بمختلف معتمديات دائرة باجة التي ترشحت عنها، أنّني لم أتأخر ولم أتلعثم في التعبير عن مشاغل الناس والدفاع عن مصالحهم بعيدا عن أية نزعة حزبوية أو فئوية أو عائلية أو شبهات مخالفة القانون أو بيع الذمة أو غيرها. وأتحدّى من يزعم غير ذلك وأضع نفسي على ذمة القضاء في أية شبهة تتعلق بأدائي لمسؤوليتي نائبا عن الشعب.

3 ـ عملنا خلال الدورتين السابقتين مع ثلاثة رؤساء حكومات هم الشاهد والفخفاخ ومشيشي وأسقطنا حكومة الجملي المقترحة. ويكفي ذلك شاهدا على عدم الاستقرار الحكومي.  وزد على ذلك أنه بعد ثلاثة أشهر من “حكومة الرئيس” برئاسة الفخفاخ واجهت بلادنا، على غرار سائر دول العالم، مخاطر جائحة كوفيد 19 وعرفنا أوضاعا استثنائية على جميع الأصعدة وتغيّرت الأولويات والأمزجة وطرق العمل. واستمر الوضع مع حكومة مشيشي  ضاغطا والأزمة المركّبة والمتراكمة والمتشابكة آخذة في التردّي حتى وصلنا إلى دائرة مغلقة سياسيا ودستوريا.

فكانت محاولة رئيس الجمهورية كسر الحلقة وفتح أفق للبلاد عبر الفصل 80 من الدستور، الذي التمس فيه الرئيس حلاّ وربّما وجد تزكية من جهات داخلية وخارجية وتقاطعت فيه أجندات لإنهاء مرحلة ما بعد 2011 المتعثٍرة والمنذرة بأخطار جمّة بعد حصاد عشرية مثير للسخط الشعبي. لكن الرئيس ذهب بعيدا في التأويل المتعسّف والخرق الفاضح والجسيم للدستور، بل اتخذ من الفصل 80 دستورا خاصا وسمح للاستثناء أن يصير قاعدة وتدخل في مجالات لا صلة لها بالتدابير الاستثنائية المجعولة إلى “تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أسرع الآجال” حسب النص، الذي أردف “ويعتبر مجلس النواب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس لجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة ضد الحكومة”. ولا يخطئ مراقب موضوعي مهما كان اختصاصه خرق الرئيس للدستور في هذا الشأن. ومن باب أولى أن يتصدى النواب المؤدّون لليمين الدستورية لهذا الخرق وأن يدافعوا عن مؤسستهم التشريعية ودورهم الرقابي حتى لا يتم انحراف بالسلطة من أي جهة.

4 ـ بعد حوالي شهرين من الإجراءات الاستثنائية، لم نتقدّم خلالها في حلّ الأزمة وغرقت البلاد أكثر في الضبابية والفراغ، جاء خطاب رئيس الجمهورية الأخير بسيدي بوزيد مساء 20 سبتمبر 2021، ليزيد الوضع تعقيدا وغموضا. ففي الوقت الذي انتظر الداخل والخارج وضوحا في رؤية الرئيس لاستئناف المسار الديمقراطي المعطّل منذ 25 يوليو، جاء الخطاب متشنّجا وعنيفا في استهداف المخالفين للرئيس سعيد وتوسيع دائرتهم، والاستمرار في غلق أبواب الحوار أمام الجميع، واتجاه الرئيس أكثر فأكثر نحو الحكم الفردي المطلق والاستئثار بتغيير المشهد السياسي دون أية تشاركية.

فإثر تلويح مستشار الرئيس بإمكانية تعليقه دستور 2014 نهائيا وما لاقاه من ردود أفعال رافضة بشدّة من أغلب الفاعلين، جاء تصحيح الرئيس سعيد أو تطمينه بأنه لا يتجه لإلغاء الدستور بل تعديله، وهذا خلع لباب مفتوح، لأن ذلك حق مشروع له يعطيه الدستور أولوية المبادرة فيه،  بعد فترة قليلة من ذلك يعلن الرئيس سعيد نفسه من عاصمة الثورة سيدي بوزيد، أنه يتجه إلى استمرار الحالة الاستثنائية دون تحديد، ووضع قانون مؤقت للسلطات (دستور صغير) وعلى أساسه سيتم تشكيل حكومة جديدة وتعديل النظام الانتخابي وتنظيم استفتاء. بما فهم منه المختصون والمتابعون أنّ تلك مراوغة جديدة من رئيس الجمهورية لإلغاء دستور 2014 بجميع أبوابه في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والحكم المحلي. وأنّ الإبقاء على البابي الثاني في الحقوق والحريات ذرّ رماد في العيون. وأنّ المرجّح حلّ البرلمان بمقتضى الأحكام الانتقالية وفرض الرئيس قيس سعيد لرؤيته السياسية وبرنامجه منفردا وباعتماد قوة الدولة وأجهزتها. وهذا توجه خطير يستدعي مواقف وردود أفعال من بقية الفاعلين وفي مقدمتهم البرلمانيين.

5 ـ بعد تردّد رئيس الجمهورية في تحديد الخطر الداهم الذي ينصّ عليه الفصل 80 من الدستور، نستخلص من مؤديات خطابه الأخير بسيدي بوزيد، أنّ الخطر الداهم في نظره هي الدولة القائمة، التي يتّجه إلى تفكيكها بجميع مؤسساتها، وإعادة بنائها من جديد، وفق رؤية لم تتحدّد كل معالمها ولا يمتلك أنصار الرئيس سعيد وضوحا بشأنها، وربما لم يفصح عنها هو نفسه بما يكفي.

وبتعليق دستور 2014 مهما كانت نواقصه التي تستدعي التعديل، ينتقل الرئيس سعيد من الخلاف حول تأويل الدستور وخرقه وشبهة الانقلاب على المسار الديمقراطي، إلى الانقلاب السافر على الدستور وما يسببه من إضعاف لشرعيته المستمدة منه، وذلك يُدخل البلاد في وضع الطعن في شرعية الحكم وما يعقبه من تداعيات خطيرة عرفتها بلدان عديدة قبلنا وتبيّن فسادها. ولذلك أساسا أجدني شخصيا مدعوّا وسائر زملائي من نواب الشعب إلى التحرّك بسرعة وبما يلزم للمساهمة مع بقية الفاعلين في دفع المخاطر والبقاء في دائرة الشرعية الدستورية والبحث عن التفاهمات المرنة عبر الحوار الذي يظل طريقا وحيدا آمنا للخروج من الأزمة المعقّدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق