الافتتاحية

رغم تباين المواقف حول إجراءات رئيس الجمهوريّة الاستثنائيّة..
إجماع على حماية المسار الديمقراطي والحفاظ على الحقوق والحريّات..

رغم التباين النسبي في ردود الفعل المحلية والدولية على الاجراءات الاستثنائية التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيد يوم 25 جويلية الماضي، فإن اجماعا يكاد يكون مطلقا بين مختلف هذه الردود على ضرورة حماية المسار الديمقراطي والحفاظ على دولة القانون والمؤسسات وحماية الحريات والحقوق والعودة السريعة إلى عمل المؤسسات المنتخبة وفق خارطة طريق تكون واضحة ومحددة الأهداف والآجال..

وشددت أغلب المواقف الصادرة عن المنظمات والأحزاب والجمعيات الوطنية على أن الاجراءات الاستثنائية التي تم الاعلان عنها، فيها تعسف على الفصل 80 من الدستور في جملة من النقاط أهمها حل الحكومة وايقاف البرلمان عن العمل ورفع الحصانة عن النواب.. والملاحظ أن أغلب هذه القراءات ومنها قراءات لعدد هام من خبراء القانون الدستوري هي قراءات تستند إلى النص الوارد في الدستور..

بينما عبرت أقلية من الأحزاب والمنظمات عن دعمها لهذه الاجراءات وقراءتها تبدو سياسية أكثر منها قانونية أو دستورية، مثل ضرورة حماية البلاد من الانهيار والحفاظ على الدولة ومسؤولية الرئيس باعتباره المؤتمن على أمن وسلامة الوطن والسير العادي لدواليب الدولة..

ورغم ذلك هناك إجماع حتى ممن ساندوا قرارات السيد الرئيس على ضرورة حماية المسار الديمقراطي ودولة الحقوق والحريات وعدم المساس بحرية التعبير.. وهو ما يؤكد أن الغالبية الساحقة من مكونات المجتمع المدني متخوفة من أن يمضي الرئيس أو يتوسع في استعمال الصلاحيات بشكل يتجاوز ما تحتاجه الأوضاع في البلاد وما تتطلبه إعادة الأمور إلى نصابها ..

وهذه المخاوف عبرت عنها جهات داخلية وكثير من المنظمات والقوى الدولية بما في ذلك الامم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية وغيرها.. الأمر الذي دعا وزير الخارجية التونسية السيد عثمان الجارندي إلى القيام بسلسلة من الاتصالات مع عدد من الجهات والقوى الدولية والاقليمية ليؤكد على أن القيادة التونسية لن تعمد إلى المس بالحقوق والحريات الأساسية ولا بالنظام الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة..

والسيد الرئيس نفسه، خرج هو أيضا ليؤكد أن الاجراءات محدودة في الزمن وأن مداها لن يتجاوز 30 يوما، فيما تحدثت بعض الجهات عن امكانية التقليص في هذه المدة إلى أقل من الشهر.. وهو ما يترك الأمل قائما في السيد الرئيس وفي امكانية اتخاذه اجراءات من شأنها الحد من مخاوف الفاعلين والناشطين السياسيين والاعلامين في تونس وخارجها، وفي طمأنة الرأي العام الوطني والعالمي على أن ما اتخذه من اجراءات لن تتجاوز كما قال رئيس اتحاد الفلاحة السيد عبد المجيد الزار “الصدمة التي تعيد الأمور إلى نصابها”.

أملنا أن يتخذ السيد الرئيس من الاجراءات ما من شأنه تجنيب بلادنا الهزات ويحمي شعبنا ويحفظ مؤسساتها ويحمي في نفس الوقت المسار الديمقراطي وجملة الحقوق والحريات في البلاد.. فالشعب التونسي وإن اختلف فهو موحد على أكثر من صعيد، ولن ينجر إلى ردود الفعل المتوترة أو العنيفة لا قدر الله، وتاريخنا في هذه البلاد ليس تاريخ حروب أهلية ولا صدام ولا اقتتال، وسيعرف هذا الشعب كيف يتجاوز هذه الظروف الصعبة بأخف الاضرار مثلما وقع أكثر من مرة في تاريخنا.

للأسف أن جهات دولية تسخّر أجهزتها الاعلامية وتخترق مواقع التواصل الاجتماعي في بلادنا، لتحريض التونسيين بعضهم على بعض، في محاولة للدفع بهم إلى الاحتراب الاهلي لا قدر الله، أو ادخال تونس في دوامة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة..

بعض هذه البلدان تريد أن تصرف أنظار الرأي العام في بلادها عن المشاكل والمخاطر –الوجودية – التي تعيشها، فتطلق العنان لوسائل إعلامها، لبث الحقد والكراهية بين أبناء شعبنا.. وإلهاء الرأي العام في بلدانها عما يتهدد وجودها حقيقة.

.. لعبة الضغوط التي تمارسها بعض القوى الاقليمية من أجل الدفع ببلادنا إلى الفوضى.. لن تكون مقبولة من قبل محيطنا المغاربي ولا من قبل القوى الدولية.. فالمنطقة كما قالت الناطقة باسم الاتحاد الاوروبي تعرف كمّا كبيرا من المشاكل ولا ينقصها عدم استقرار جديد في تونس.

لذلك ستدفع هذه الدول في اعتقادي نحو ضمان أن لا تتحول تونس إلى دولة فاشلة تعمها الفوضى وعدم الاستقرار، وستعمل هذه الدول ومنها دول الاتحاد الاوروبي الشريك الاقتصادي الرئيسي لبلادنا على مساعدتنا على تجاوز هذه الأزمة ومنعها من الوقوع فيما وقعت فيه دول أخرى في المنطقة.

ولعل التأكيد الكبير من قبل هذه الدول على ضرورة الحفاظ على الديمقراطية وحقوق الانسان وضمان الحريات دليل على ذلك خاصة وأن هذه الدول استثمرت ولا زالت تستثمر في تجربتنا ولن تقبل بأن تنحدر آخر دول الربيع العربي إلى المجهول.. لذلك تدفع هذه الدول وفي مقدمتها الاتحاد الاوروبي إلى البحث عن مخارج من الأزمة الاخيرة التي دخلتها بلادنا عبر الحوار بين مختلف مكونات الطبقة السياسية لإيجاد الحلول المناسبة لما تعيشه البلاد من اشكاليات..

والحوار هو الحل والمخرج الوحيد لنا من هذه الأزمة، رغم أن البعض يقول أن زمن الحوار ولى وانتهى، فلا أرى لنا بديلا عن الحوار.. إلا المزيد من الصراعات والتجاذبات التي لن تتحملها البلاد..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق