راي رئيسي

رفض حقوقي ومواطني قطعي لتمرير قانون زجر الاعتداء على القوّات المسلحة..

(1)

ينظر مجلس نواب الشعب أيام 6 و7 و8 أكتوبر الجاري في مشروع القانون الأساسي المتعلّق بحماية قوّات الأمن الدّاخلي والديوانة الذي يمثّل الصيغة المعدّلة لمشروع قانون اصطلح على تسميته منذ سنوات بقانون “زجر الاعتداءات على القوات المسلحة”.

وكشفت سامية عبو أنه تمّ خلال نقاشات لجنة التشريع العام التي تترأسها حذف كل ما يتعلق بالقوات العسكرية لوضعها الخاص بالإضافة إلى التخلّي عن عدد من الفصول المنتهكة للحقوق والحرّيات مؤكّدة أن تعديلات أساسية قد تمّ إدخالها على المشروع لتقوم فلسفته على حماية الأمني دون انتهاك الحقوق والحرّيات الفرديّة والعامّة دون فسح المجال لأي تجاوز يمس من كرامة المواطن وحرمته الجسدية والحريات العامة.

وجدير بالتذكير أنه منذ إيداع هذا القانون المثير للجدل بمجلس نواب الشعب، شهد معارضة شديدة من قبل كل المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني مطالبة بسحبه فورا لما تضمّنه حسب رأيهم من خروقات ومخاطر على حقوق الإنسان فضلا عن مخالفة فصوله لدستور29 جانفي 2014، وتهديده للديمقراطية وما تحقق من مكاسب وحريات بعد الثورة. وعلى الرغم من هذا الرفض المجتمعي والمواطني لهذا القانون فقد تمسّكت به النقابات الأمنية مبرّرة ذلك بتواتر الاعتداءات على منظوريها وعائلاتهم منذ الثورة ومعتبرة أن القوانين الحالية غير كافية لحماية الأمنيين أثناء أدائهم لواجباتهم.

 

ولعله لا مناص لنا إن نحن رمنا التّحلّي بشيء من الموضوعية، وتفادي إصدار الأحكام الجزافية أو اعتماد المواقف الانطباعية أن نستقرئ مشروع هذا القانون من الداخل، ومن خلال علاقته بالقوانين الجاري بها العمل لاسيما دستور الثورة، ومن خلال انعكاساته على الحقوق والحريات ببلادنا.

ومن الضروري بادئ ذي بدء أن نؤكد أن لا أحد في هذا البلد، باستثناء المارقين على قوانينه وأعرافه وتاريخه وثورته ومكاسب دولة الاستقلال فيه يمكنه أن ينكر أن للمؤسستين الأمنية والعسكرية دورا مفصليا في المحافظة على سيادته، والذود عن حرمته وحدوده، وأرواح مواطنيه، وإعلاء سلطة القانون فيه، كما أنه لا أحد في هذا البلد يمكنه ان ينسى دماء زكية ارتوى بها أديمه، وأرواحا زكية بذلت في سبيله من قبل أبناء تينك المؤسستين.

لا أحد في هذا البلد، لم يعبر عن فخره واعتزازه بما تحقق من انتصارات ساحقة، وملاحم ماحقة، مكنت قواتنا الأمنية والعسكرية من ضرب البنية الأساسية للإرهاب، والقضاء على قياداته، وتفريق عصاباته، وإحباط مخططاته.

كما أنه لا أحد في هذا البلد لم يثمّن ما تحقق للمؤسستين الأمنية والعسكرية من مكاسب جادت بها الثورة، من تحسين لظروف العمل، ومضاعفة للأجور، وترقيات سريعة متتالية في السلم الوظيفي وترصيع للأكتاف بالنجوم وشعارات الجمهورية، وتعصير ملحوظ للمنظومة الدفاعية، وتطور مطّرد للميزانيات المرصودة للتجهيزات والأسلحة والمعدات والبناءات، ومن منظومة قانونية ما فتئت تؤسس تدريجيا لأمن جمهوري دوره الأساسي المحافظة على مؤسسات الدولة وقوانينها ومكاسب المجموعة الوطنية وتوفير الأمن للمواطنين.

 

(2)

ينقسم مشروع القانون إلى خمسة أبواب:

  1. الباب الأول: أحكام عامة

تضبط أهداف هذا القانون والتي تتمثل أساسا في حماية أعوان القوات المسلحة من الاعتداءات التي تهدد سلامتهم وحياتهم، وزجر الاعتداء على المقرات والمنشآت والتجهيزات الموضوعة تحت تصرفهم أو حمايتهم أو رقابتهم وإلى زجر الاعتداء على أسرار الأمن الوطني وتؤكّد على تولي الدولة حماية الأعوان من الاعتداءات والتهديدات التي يتعرضون لها أثناء مباشرتهم لوظيفتهم أو بمناسبتها بالإضافة إلى حماية محال سكناهم ووسائل تنقلهم من الاعتداءات إما بسبب أدائهم لمهامهم أو لمجرد صفتهم. وتنسحب هذه الحماية على أزواجهم وأصولهم وأبنائهم ومن هم في كفالتهم قانونا.

  1. الباب الثاني: الاعتداء على أسرار الأمن الوطني

ويعرّف أسرار الأمن الوطني على معنى هذا القانون بأنها جميع المعلومات والمعطيات والوثائق المتعلقة بالأمن الوطني مهما كانت الوسائل المعتمدة لاستعمالها ومسكها وحفظها وتداولها والتي يجب أن لا تكون معلومة إلا ممن له الصفة في استعمالها أو مسكها أو تداولها أو حفظها. وينص القانون على أن عقوبة الاعتداء على أسرار الأمن الوطني تكون بالسجن مدة عشرة أعوام وبخطية قدرها خمسون ألف دينار كل شخص (له الصفة  أو ليست له صفة) في استعمال أو مسك أو تداول أو حفظ سر من أسرار الأمن الوطني أو تعمد حسب الحال إما اختلاسه أو إتلافه أو إفشاءه أو تغييره بأي وجه كان ومهما كانت الوسيلة أو مكّن الغير عمدا أو عن تقصير من النفاذ إليه أو إتلافه أو الاستيلاء عليه أو اختلاسه أو نسخه بأي وجه كان ومهما كانت الوسيلة، وتضاعف العقوبة إذا ارتكبت الأفعال المنصوص عليها بمقابل.

كما ينص مشروع القانون على إجبارية الحصول على ترخيص مسبق من السلطة المختصة لكل استعمال لآلات التصوير والتصوير السينمائي والأجهزة الهاتفية وآلات التسجيل وأجهزة الاستقبال الإذاعي أو التلفزي داخل المنشآت الأمنية أو العسكرية في مواقع العمليات الأمنية أو بالعربات أو على متن الوحدات البحرية أو الجوية التابعة  للقوات المسلحة، كما يخضع لترخيص مسبق كل نشر أو إحالة للأفلام أو الصور أو التسجيلات المصورة أو الصوتية التي تتم داخل المنشآت الأمنية أو في مواقع العمليات الأمنية أو بالعربات أو على متن الوحدات البحرية أو الجوية التابعة لقوات الأمن الداخلي.

  1. الباب الثالث: الاعتداء على القوات المسلّحة والمقرّات والمنشآت والتّجهيزات الموضوعة في تصرّفها أو تحت حمايتها أو رقابتها.
  2. الباب الرابع: الاعتداء على القوات المسلّحة وذويهم ومقارّ سكناهم ووسائل تنقّلهم

وينصان على عقوبات بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسة وعشرون ألف دينار كل من هدّد بارتكاب جنايــة أو جنحــة في حق عون من أعـوان القوات المسلحة أثناء مباشرته لوظيفته أو بمناسبتها أو هدّد قرينه أو أحد أصــوله أو فروعـــه أو أحدا ممن هم في كفالته قانونا، وذلك بسبب أدائه لمهامه أو لمجرد صفته، وتُضاعف العقوبة إذا كــان القصـد من التهديد إجبـار عون القوات المسلحة على القيـام بفعل من علائق وظيفتـه أو مهمّتـه أو تركـه أو علـى أن يتجـاوز سلطتـه..

  1. الباب الخامس: أحكام مختلفة

وينص على أنه لا تترتب أية مسؤولية جزائية على عون القوات المسلحة الذي تسبب عند دفعه لأحد الاعتداءات التي تتكون منها الجرائـم المنصوص عليها آنفا في إصابة المعتدي أو في موته، إذا كان هذا الفعل ضروريا لبلوغ الهدف المشروع المطلوب تحقيقه حماية للأرواح أو الممتلكات وكانت الوسائل المستخدمة هي الوحيدة الكفيلة برد الاعتداء وكان الردّ متناسبا مع خطورته.

 

(3)

إن قانونا بهذه الأهمية، وبهذا الحجم من الزجر لحماية قوات مسلحة من شعب غير مسلح، كما تقدر منظمات حقوقية وجمعيات مدنية وصحفيين، يشتغل في تفاصيله على تقييد الحريات العامة، وتجريم حرية الصحافة، ويمنح القوات الحاملة للسلاح حصانة مقنّعة لتعزيز الإفلات من العقاب، وينزع لإعطائها  نفوذا وصلاحيات واسعة ويضعها  فوق النقد ولا يقرن طبيعة الجنحة أو الجناية المرتكبة في حقها بعقوبة مناسبة، وييسر لها استخدام القوة المفرطة بما فيها القتل العمد دون أن تكون محل تتبع أو عقاب أو قصاص قانوني، ويجعل عائلاتهم وذويهم مواطنين فوق القوانين الجاري العمل بها، هذا المشروع قد يكون خطيرا على المكاسب التي تحققت في الثورة ويؤسس لدكتاتورية بوليسية.

ومن بين هذه المنظمات التي عبرت عن رفضها القطعي ووقوفها ضد تمرير هذا القانون “هيومن رايتس ووتش” التي دعت مجلس نواب الشعب إلى الدفاع عن حقوق الإنسان من خلال رفض هذا القانون “المروّع” حسب وصفها معتبرة أنه إذا ما اعتمد مشروع القانون هذا، فسوف يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويبعث برسالة مفزعة إلى قوات الأمن مفادها أن لديها الضوء الأخضر لاستخدام القوة على النحو الذي تراه مناسباً دون خوف من التعرض للمحاسبة فيما اعتبرت الحقوقية بشرى بلحاج حميدة القانون سياسويا من صنع سياسيين ومسيّسين ولا علاقة له بتحسين ظروف عمل المعنيين به، ومن المؤكد أنه سيعكر العلاقة بين المواطن والأمن متسائلة عمن لهم مصلحة في ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق