راي رئيسي

رواية “الدكتاتور” لعبد الحفيظ خميري..
الذّاكرة المثقلة من اليوسفيّين إلى الإسلاميين..

لئن سجّلت ظاهرة سجن المثقّفين حضورها في أغلب الأقطار العربية فإنّ تحويلها إلى نصوص قصصيّة تفاوت من بلد إلى آخر. وتُعدّ تونس من البلدان التي يندر فيها الإنتاج الأدبي الّذي يؤرّخ لظاهرة السّجن في تاريخ الدولة الوطنية، رغم تواتر سلسلة القمع والمحاكمات السّياسيّة منذ الصراع الذي نشأ بين الزعيمين بورقيبة وابن يوسف وبلغ أوجه على قمم جبال آقري ووادي الجاني، وأودى بالعشرات من اليوسفيين، ومن لم يمت في الحرب مات في صباط الظلام.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الروايات التي تُسجّل هذه التّجربة. يقول كمال الشارني في مؤلفه أحباب الله: “إن الثورة لم تستطع أن تزيل عن هؤلاء الذين مرّوا بتجربة السجن شبح الكلاب الرابضة أمام ناظره، تتوسّد الذاكرة وتنبح كلما استرقت إليها النظر، حتّى لكأنك أنت المدان بفعل كنت واقعا تحت كلاكله ليأتيك السؤال من بعيد: كيف يمكن أن تروي قصة لم يستطع الزمان ولا المكان تحمل أحداثها؟ لفظها الجميع. ولا أحد استطاع أن يخبر عنها لشدة العتمة. حتى الأخبار القليلة التي رواها العجزة اعتبرت شهادات زور وتُـفل في وجه رواتها.. أعسر بها من لحظة تلك التي تحملتَ فيها هذه المهمة الخطرة. ستلفظك، ستبيعك للسباع، ستحرقك مثلما احترقت أوراقها. لا أحد يُسمح له أن يصف العتمة، لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة ولا الحق أن يخبر أو يحاول ذلك. هي لحظة للمخاطرة الوقحة، السيئة العاقبة. سترى، ستشهد، ستتجرع ذلك لحظة بلحظة. لكنك إن استطعت أن تدفع الآخرين للكلام فإنك ستبيع لحمك ودمك، ستحرق قلب أمك، ستدفع قبرك إلى الهاوية وستُـقتل ألف مرة ومرة. ورغم أنك ومن خلفك الماضي المتخلد بذمتك ستقول إنك استطعت، رغم الضيق والخوف، أن تحاول الإجابة، حتى وإن كانت خاطئة فإنك حاولت وانتهى”.

لقد أهرق حبر كثير من أجل بلورة هذا الصنّف من الأدب، نذكر من ذلك “طريق الظلام” لسمير ساسي و”حدائق الفجر” لعلي دب.

وتظلّ رواية “الدكتاتور” لعبد الحفيظ خميري من أهمّ هذه الأعمال السردية التي كشفت الغطاء عن جوانب مهمة حاول بورقيبة وأتباعه طمس معالمها وإبراز ما يرونه صالحا لكتابة تاريخهم المضمّخ بالمآسي والجراحات الغائرة في الروح قبل الجسد .

سرد عبد الحفيظ الخميري في الفصول الأربعة الأولى سيرة أبيه الزيتوني المثقف الذي انتصر للزعيم صالح بن يوسف والمضايقات التي فرضت عليه وعائلته من قبل النظامين البورقيبي والنوفمبري حتى أن إحدى التهم الموجهة إلى ابنه يوسف قاسم انتسابه إلى عائلة يوسفية عريقة. وبدأت رحلة العذاب الدائري الرتيب لكل أفراد العائلة لم يستثني صغيرا ولا كبيرا، وتؤكد الرواية الجانب المخفيّ من الحكاية التي حاول بورقيبة طمسها حينما أودعوا اليوسفيين في صباط الظلام بعد رحلة شاقة من الجنوب إلى الشمال لتبدأ رحلة العذاب الوحشية التي قصفت أرواح شباب آمن بالحرية لوطن ما زال يئنّ تحت وطأة أجناد الاستعمار التي بدأت منذ الفجر الأول للاستقلال المغشوش الذي عارضه اليوسفيّون بشدّة. ثم تعدد من بعد ذلك خصومات بورقيبة بداية من الستينات ضد اليساريين والقوميين لتبلغ أوجها في الثمانينات ضدّ الإسلاميين ثم بداية التسعينات المحطة الفارقة في الصراع بين ابن علي ومنتسبي الاتجاه الإسلامي أو حركة النهضة فيما بعد. وتمتدّ المحنة ثلاثا وعشرين سنة أُدخل فيها السجن اثنان وثلاثون ألفا من الإسلاميين قضى فيها عشرات الشباب وتشتت فيها أسر وتشرّد أبناء صغار، وتصوّر رواية عبد الحفيظ الخميري جزء من ذاكرة مركونة في أدراج قصيّة من الذاكرة يضع الحاكم الدكتاتور عليها كلابا للحراسة شديدة الشراسة، موغلة في الدمّ المهريق على عتبات التحرّر والانعتاق.

وفي هذا الخضمّ الرجراج وردت رواية “الدكتاتور” لعبد الحفيظ الخميري الذي حاول أن يجمع طورين من أطوار الدولة الوطنية: الطور البورقيببي وما شهده اليوسفيون من عنت وحيف والطور النوفمبري الذي شهد محرقة الإسلاميين من أتباع حركة النهضة. فتبدأ الرواية بعودة يوسف من الكلية مع صديقه المهدي إلى المنزل الواقع في قلعة العطش، ولما وصل فوجئ الشابّ يوسف بوفاة والده الزيتوني العروبي وقد سعى عبد الحفيظ الخميري، وهو المعادل الموضوعي لشخصية يوسف، إلى عرض مشاهد من الصراع بين التونسيين والمستعمر الفرنسي، وقد تسلل أسير عبد الجواد إلى الجزائر خلسة أثناء عملية الاعتقالات التي طالت المعارضين في تونس. وقد سعى الخميري إلى تغطية المشهد التراجيدي الذي حدث ضد الإسلاميين من أتباع حركة الزيتونة كما يسميها السارد بداية من الشهور الأولى لسنة 1991. وقد ألقي القبض على الأخ نصر الدين بتهمة حرق محل للدعارة وعلى أخته فاطمة بتهمة المشاركة في مظاهرة في العاصمة وتقطّعت أوصال العائلات المناضلة بسبب الإيقافات العشوائي المتكرّرة بغاية ردع المعارضة السياسية ومن ثمة حلّ الاتحاد العام التونسي للطلبة، معقل الإسلاميين في الجامعة وهو الأشدّ تحصينا ومنه تُضخّ الدماء الجديدة في الجسم الإسلامي الواقف كالطود يمنع الدكتاتور من ممارسة هواياته.

في هذه الأثناء يعود يوسف إلى قلعة العطش ويطرد من العمل في حين يحكم على نصر الدين بعشر سنوات سجنا. وقد سعى يوسف كغيره من المطرودين من شغلهم إلى أن يعيد ترميم حياته بفتح متجر يبيع المواد الغذائية، ولكنهم لم يمهلوه فاقتحموا عليه غرفة نومه وأشبعوه ضربا بعدما اعترف عليه صديقه المهدي مفتاح بأن يوسف شارك في محاولة الاستيلاء على الحكم وبذلك يحال على أجهزة أمن الدولة للتحقيق المروّع ثم يودع في محكمة عسكرية ويحكم بسنتين سجنا قضاهما في سجن العقرب. وبعدما أطلق سراحه أخضع كغيره للمراقبة الإدارية وهو ما لم يمنعه من زيارة أخيه نصر الدين في سجن الرياح بمدينة الكدية الحمراء. ثم تزوج من سلوى بشكل مفاجئ مما أغضب الحاكم بأمره ورأى في ذلك تصعيدا لا يُسكت عنه، وقد قررت السلطات غلق متجره الصغير وهو في أشد الحاجة إليه، فاضطر إلى الهروب من الوطن عبر ليبيا و صحراء النيجر ومنها إلى لندن.

إن رواية “الدكتاتور” لعبد الحفيظ الخميري، تعد من أهمّ الروايات التونسية التي نجحت في تخطي العثرات الأجناسية في مؤلفات أدب السجون ما بعد الثورة. وقد أفلحت في تصوير الواقع السياسي المتسم بالدكتاتورية في العهدين من بناء الدولة الوطنية نعني بذلك العهد البورقيبي ونظيره العهد النوفمبري اللذين خصّتهما جميع المؤلفات السجنية التي تمثل مادة دراستنا بالسوداوية في مجال الحقوق والحريات. وتشترك هذه الروايات في تصوير ملامح مأساة عاشها الإسلاميون في عهدي بورقيبة والجنرال الهارب إلى مثواه الأخير، ولأول مرة يسمع الناس أصوات هذه الفئة من الناس التي بدت جليّة وقد أبحّها السجن أزمنة متعاقبة. وقد ساهمت ظروف موضوعية في انتشار هذه المؤلفات مما جعلها تحتل الصفحات الأولى من الصحف المحلية وكانت قبلة للقراء بعد الثورة. كما أثبتت الثورة أن أدب السجون له قراؤه باعتباره ممثلا لتجربة معيشة صادقة عاشها الكاتب وحاول نقل تفاصيل الأمل والألم التي حددت حياته داخل أسوار السجن بل في ضيق الزنازين وظلام الأقبية ونتن ريحها وتطاول ليلها وامتداد همومها لترسم سجفا متعاقبة تعاقب الضيم ولزوم الهون وسوْرة الغبن التي تتجاوز حيطان القبو وأسوار السجن بباحاته المتعرجة، الضيّقة، السوداء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق