ثقافةراي رئيسي

رواية “مضايا: صراع الذاكرة والجدار”..
لمراد العوني العبيدي..
تلبّس السّرد بالتأريخ

“مضايا: صراع الذاكرة والجدار” رواية سجنية لمراد العوني العبيدي نشرت في دار مياره سنة 2016 لتنظم إلى أدب السجون وهو المنتج الذي ظل محرّما خلال عهدين هما فترة تشكل الدكتاتورية في تونس بتعلّة تشكيل الدولة الوطنية. و”مضايا” هو عنوان مربك، معناه ضبابي لا يوصل إليه هذا الجمع المبني على غير صيغته رغم أنه يشير إلى الماضي الذي تأبى اللغة جمعه على أن مراد العبيدي استبطن قضيّته التي يتأبّطها في ذاكرته روحا تذكي فيه الأمل والفعل النابض برغم العراقيل المتكاثرة كقطع من الليل تسدّ السبل عن بلوغ المنتهى.

إن هذا المؤلف يستنجد بالدارج اليومي عتبة تقوم على وسم الرواية، وبها يقيس مراد العوني الماضي وعلى هيئتها الصرفية شقق له اسما يطاول المعنى، وقد انتصب العنوان ينافح عن الذاكرة برغم الجدر التي تحجب الرؤية والرؤيا، مفردا في صيغة الجمع، يحكي قصة الصمود ويستعيد التجربة المرة ويعلن عن بداية مرحلة الحكي برغم اصطراع الذاكرة والجدار، وقد بدا الكاتب منشغلا بالإفهام وتوجيه الدلالة إلى مشارف قصية حينما أردف العنوان بمركب عطفي يعمل عمل التفسير “صراع الذاكرة والجدار” ولكن الجدار جدر في الرواية لا تخص السجن بجداره العالي المتين بل تتعدّاه إلى جدر القرية المتهالكة بيوتاتها.

ويفصح الكاتب عن ذلك بقوله “هدية لمن عاشوا السجن وهدية لمعرفة الحقيقة”، ويقول واصفا هذه الجدران “شاهقة تلك الجدران، تحجب حتى الشمس، بالكاد تزور أجسادنا وتمرّ رويدا وتتمهل كأنها تزورنا وتمسح عنا بؤس البرودة وندى الجدران المشبعة بكل الآهات وبكل الرسائل المكتوبة والمقروءة، الجدار صامد، صامت”، ولكن هذا الصمت المحدق به يتحول إلى هذيان جداري محموم من خلال “الخربشات على سطوحه .. تحمل نصّا وبكاء” وهي في المحصلة مجاهدة الزمن عن طريق استحضار الماضي بلحظاته القصيّة وتفاصيله المرعبة أحيانا واللاهية في أحايين كثيرة، يقول: “الذاكرة تصارع الجدار، تفتضّ بكارته كل يوم، وتسبح الروح عند النوم، عند الموت فتحلّق خارجة في صمت، وهو صامت لا يتكلم.. لكنه يكون قرطاسك لتكتب وتحفر في الذاكرة، في النسيان، في الصمت ليفجر كل الكوامن فيك”.

لقد أخضع مراد العمدوني كتابه وفق هذه الذاكرة المتوقدة التي تبحث في تفاصيل التفاصيل: إلى التقسيم المفصّل ضمن مقاطع متكاثرة تضمن له التذكر، ومن ثمة تشقيق النصّ الذي تأخر عن التنزيل وقد رأى أن أشراط القصّ تضمنها الثورة، وكان أطول هذه النصوص “النصّ الكامل” وورد في ثمانية عشر صفحة وأقصرها “التيه” وورد في ثلاثة أسطر فقط ولعل الغالب على سيرورة السرد هو الحكي المعتمد على ذاكرة شحيحة بحكم طول المدة الفاصلة بين الواقع العيني والواقع النصي ولكن مراد العبيدي يتحايل على الذاكرة من خلال تأثيث نصوصه على التداعي وذلك إلى الصفحة الثلاثين، إذ الغالب على هذه النصوص السابقة للنص الكامل موئل الأسرار في القصة الجوهرية التي تقوم عليها “مضايا” كونها تشبه الخواطر المنبجسة من شعور آني عارم فياض كمثل فعل الاغتراب عن الواقع الذي خلفه السجن وإهدار المروءة والإحساس بالضيم والمرارة والخيبة، وفي أتون النص تجد ما يشبه المقال مثل ذلك نص “الإسلاميون بين الحنين لحضن الجماعة والانفتاح على الحركة التلمذية ” أو “مواجهات ماي 1991 ” كما طعّم مؤلفه بمشروع مسرحية وسمها ب”الحلم” وخصها بالدارجة ولكنها مسرحية من نوع خاص يغيب فيها الحوار ويحضر فيها السرد والوصف.

مضايا هو نص مشكل يتلفع بالأجناس الأدبية ولا يختص بواحدة منها ويخوض في مسائل من أتون الذاكرة منذ الطفولة المبكرة إلى بلوغ الحلم وشروده في امرأة أحبها برغم الضيم والقهر كان يحلم كبقية شباب القرية وهو يحاول أن يصف لحظات فارقة تقع بين الإعجاب والحبّ ومتعة الأمل في مفازة الخوف وتطاول ليل القهر، فتراه في نصه أحيانا يريد أن يوقف تدفق الألم والسوداوية المفرطة فينجذب إلى ركن قصيّ في الذاكرة يستطيب المكوث عنده وقديما قال ابن رشيق مفسرا انجذاب الشعراء إلى المرأة “والغزل لائط بالقلوب عالق بالنفوس” يجنح إليه القارئ من نكد اليوميّ كمثل الباحث عن الفرح في ليل الترح المستطيل، ولذلك تراه في الرواية كالعصفور المرفرف فرق الجدر، متنقلا بين زهور شتى يهمي بعاطفة تجيش في داخله كشلال وهو يحاول احتواءها كي لا تنفرط من عقالها وتجرفه بعيدا عن مشروعه الذي أقامه فكرة حالمة.

إن الحديث في مضايا وما شاكلها من الرواية السجنية، عن أدبية النص الذي يجعل من السجن موضوعا له لا اختلاف فيه بين الدارسين ولكن الاختلاف في الشكل الأدبي الذي احتوى هذا الموضوع والذي يكاد يجمع أصحابه من المبدعين في تونس الثورة، على كونه رواية من خلال الإعلان عن ذلك على الغلاف، ولكن هذه الروايات تختلف باختلاف الراوي وجميعها تشترك في كونها تروي سيرة ذاتية، على أن الحديث عن أدبية السيرة مازال طور الدرس لغياب تحديد للمقصود بها ولو بشكل حدسي يرصد موقعها في الخارطة الأجناسية المجاورة لها والمتداخلة معها تداخلا حدّ التماهي. من ذلك الرواية والسيرة الغيرية والمذكرات واليوميات بل والتأريخ الذي يجنح إليه العمدوني في مؤلفه مضايا… وهو ما يؤكده جورج ماي في كتابه السيرة الذاتية حين يرى أن رسم الحدود الصارمة التي تفصل بين السيرة الذاتية والمذكرات أو بين السيرة الذاتية والرواية خطّ فاصل بيّن وأن المسألة مسألة نسب ومن أهم مكونات السيرة أنها تنزع إلى الصدق ولكن دون أن نقصي إمكانية التكتم أو الرقابة أو حتى التخييل. ويرى بعض الدارسين من النقاد أن اتساع الفرق الزمني بين تجربة السجن والاعتقال السياسي وبين فترة كتابة الرواية وأحداثها، غالبًا ما تأخذ سنوات عديدة، وهو ما يفضي حسب هؤلاء إلى “نقص” في دقّة التحرّي، وتذكر الأحداث والوقائع، ونسبتها لأصحابها.

وبالنسبة لأصحاب هذا الرأي، فإن أدباء السجن غالبًا ما تكون روايتهم للأحداث التي عاشوها خلف أسوار السجن، وشهاداتهم التي خطوها بين دفتي رواياتهم وأعمالهم الأدبية، يعتورها بعض النقص في نقل الواقع كما هو، لأن تجربة السجن تظلّ تجربة ذاتية وغير موضوعية مثل كل تجربة إنسانية محضة، تخضع للعاطفة حبًا وكرهًا، وللتقدير إيجابًا وسلبًا. وبالتالي، ولكل الأسباب السابقة، يعدّ أدب السجن حاملا لحقيقة منتقاة وجزئية، خاضعة للعامل الذاتي والانطباعي، وحتى للصنعة الأدبية، ولاعتبارات المحيط والمجتمع، وربما لغواية السوق والمردود المادي، علاوة على أنها تستند إلى ذاكرة مشروخة، أنهكها التعذيب والمكوث سنوات في الظلّ خلف الجدران الباردة.

إن مضايا، تجسيد لهذا القلق في الكتابة، وقد ظلت منفتحة على ماض أفل واستقرّ في الذاكرة كمثل سجين جاثم بين الجدران ينتظر الانطلاقة إلى عالمه الرحب وقد كانت مضايا منبجسا لهذه الذاكرة المحبوسة ولم يشأ لها صاحبها غير المسايرة وتلقّط ما تجود به دونما ترتيب أو إخضاع لفعل القصّ أو انتقاء للحكي المنسرب من الذاكرة القصيّة إلى الذاكرة الحالمة، يستمد ريعه من مياسم العشق في زمن القحط، وتلبّس الذاكرة بالسجن الذي تدور عليه رحى القصّ فيجمع العمدوني ثفالتها جذلان طربا لينشئ صرحه بحجارة من الكلمات تبني جدارا يسيّجه التاريخ ويعيد رسم معالمه السرد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق