أهم الأحداثاخر الأخبارالافتتاحيةوطني

ريح السموم التي تهب شرقا..أعطاب المسار ومعركة الأولويات

إذا ما استثنينا محاولات توظيفها سياسيا لضرب المسار والانقلاب على التجربة، علينا أن نقر، أن مشاعر الغضب من الأوضاع الاجتماعية المتدهورة لأعداد وفئات وجهات كثيرة من التونسيين، ومن الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها أبناء الثورة، معقولة ومشروعة. وهي تجد مشروعيتها في العجز الرهيب لكل القوى التي تدعي الانتماء للثورة سواء كانت في الحكم أو المعارضة.

علينا أن نقر جميعا أن الثورة وبقدر نجاحها في المسار السياسي، ككتابة الدستور والنجاح في انجاز أكثر من انتخابات حرة ونزيهة، والتداول السلمي على السلطة بسلاسة وفي كنف احترام القانون والدستور، والحفاظ على المنسوب العالي من الحريات الاعلامية وحرية التعبير، إلا أنها للأسف فشلت في المسار الاجتماعي ولم تتمكن من تحقيق واحد من أهم أهداف الثورة وهو الكرامة.. كما فشلت في استكمال المؤسسات والهيئات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية.

وعلينا أن نقرّأيضا، بأن مسيرة التسع سنوات الماضية شهدت أخطاء وهنات كبيرة ارتكبتها القوى المحسوبة على الثورة، التي انشغلت بتصفية الحسابات السياسية والصراعات الايديولوجية، فمزقت تلك الوحدة الوطنية المبهرة التي تحققت بمفاعيل الثورة، وقدمت مصالحها الحزبية الضيقة على تحقيق الأهداف التي من أجلها قامت الثورة.

صحيح، أن هذا الكلام، يجب أن لا ينسحب على كل السياسيين وكل الأحزاب، على الأقل بنفس الدرجة، ويجب تنسيبه عند الحديث عن الأحزاب التي تنازلت وضحت من أجل الحفاظ على التجربة وتواصل الانتقال الديمقراطي، ولكن هذا الأمر لا يعني كثيرا عموم المواطنين، فهم يضعون السياسيين في سلة واحدة، وما يعنيهم أكثر للأسف الشديد هو ما ينعكس مباشرة على أوضاعهم الاجتماعية وقدرتهم الشرائية.. بغض النظر عن تفاصيل المشهد السياسي.

 

1

ولكن، هذه الحقائق، التي ترقى إلى البديهيات السياسية، يجب أن لا تخفي عنا حقائق أخرى أكثر خطورة، وتداعياتها قد تكون أكبر على بلادنا وتجربتنا ..

علينا أن نعي أن ما يحاك ضد بلادنا من مخططات، خطيرة للغاية، فالمطلوب ليس رأس رئيس البرلمان راشد الغنوشي ولا رأس الثورة، فقط، المطلوب إلحاق تونس بالحريق الذي يضرب المنطقة، وادخالها في دوائر “الفوضى الهدامة” الممتدة من سوريا واليمن إلى ليبيا مرورا بمصر، تمهيدا لتحويلنا إلى دولة فاشلة أو جمهورية من جمهوريات الموز، تتحكم فينا بعض دويلات وإمارات البترودولار عبر الريموت كنوترول.

هذا هو المخطط الحقيقي، وواجبنا أن نحترس، حتى لا تضيع بلادنا في غمار هوْجة مدبّرة، ترفع مطالب مشروعة، ولكنها تخفي مؤامرة كبرى، ليس اقلها إعادة الطغمة السياسية التي حكمت المنطقة لنحو 60 سنة، وهي التي لم تخلّف لنا إلا الفقر والجهل والتهميش، مثلما وقع في مصر التي باتت دولة خارج التاريخ تعيش أوضاعا أشبه بالعصور الوسطى على المستوى السياسي والاجتماعي وأخيرا الصحي..

 

2

اليوم في ظل هذه الهجمة على بلادنا وثورتنا وتجربتا الوليدة في الانتقال الديمقراطي، علينا أن نحسن تقدير الموقفوقراءة ما يجري من حولنا، وما يدبّر لنا.. ونحن هنا بين خيارين: تحسين شروط الوجود (العمل والقدرة الشرائية والتهميش لبعض المناطق والفئات واصلاح بعض الهنات في نظامنا السياسي) وبين الحفاظ على الوجود أصلا كدولة ومؤسسات ومجتمع موحد.

المطلوب اليوم إعادة ترتيب أولوياتنا كمجموعة وطنية معنية بأمن البلاد واستقرارها، في ظل هذا الاستهداف المعلن لبلادنا، والمخططات التي تستهدف في الظاهر حزبا معينا أو شخصية بذاتها، ولكنها في الحقيقة، تعمل على حرق الأخضر واليابس.. وتهدف إلى ضرب مقومات وجود الدولة ذاتها، وتحويل تونس إلى يمن آخر أو سوريا أخرى أو مصر أو ليبيا..

وذلك لا يتسنى في اعتقادنا إلا بالإجابة على جملة من الأسئلة الحارقة منها:

هل يجب أن نُحمّل الدستور والنظام السياسي المسؤولية على ما يبدو من “عدم استقرار منظومة الحكم” وما يقال عن تضارب المصالح؟

هل الأولوية اليوم لإعادة النظر في نظامنا السياسي، والانقلاب على المؤسسات الشرعية المنتخبة، ومحاولات الخروج على مقتضيات الدستور والقانون، أم أن الأولوية في هذه اللّحظة بالتحديد – وهي لحظة فارقة في تاريخ بلادنا وفي ظل ما تشهده المنطقة من تطورات أمنية وعسكرية خطيرة – هي الحفاظ على استقرار البلاد وأمنها..؟

هل نعالج أعطاب مرحلة الانتقال الديمقراطي بإصلاح أخطائها وهناتها، أم بالانقلاب على المسار ككل، وفتح الباب أمام المتربصين بنا وبتجربتنا كي يعيثوا فينا فسادا ويهلكوا الحرث والنسل؟

هل معالجة أعطاب الديمقراطية يكون بالانقلاب عليها، أم بإصلاحها؟

3

أعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة واضحة، والأمثلة من الجوار العربي والاقليمي أوضح، لذلك أعود للتأكيد على أننا ورغم ما نعيشه من أوضاع اجتماعية وسياسية صعبة إلاأن حلّها لا يكمن في فسح المجال للعابثين بأمن هذا الوطن.

وإصلاح أعطاب الديمقراطية لا يكون بالانتكاس إلى الاستبداد، بل بالمزيد من الديمقراطية والمعالجة الدائمة لما يظهر خلال الممارسة من نقائص في المسار.

وعلى الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة ان تقوم بمجهود أكبر في تأطير المواطنين، وجعلهم شركاء في معركة التنمية ومعركة حماية أمن واستقرار البلاد من العبث القادم من الشرق.

فالثورة ثورة كل التونسيين، ومسار الانتقال الديمقراطي مسارهم، وهم معنيون بحمايته قبل غيرهم.. وإذا اقتضت الأوضاع أن نعيد ترتيب أولياتنا وفق ما تقتضيه المصالح العليا للبلاد، وأن نقدم أمن واستقرار البلاد وقطع الطريق على مريدي الفتن ومشعلي الحرائق، على تحقيق بعض المطالب السياسية والاجتماعية، فعلينا أن نفعل وسنفعل.. بإذن الله.

الأولوية الآن هي لتفويت الفرصة على المتربصين بنا شرا، والحفاظ على انتقالنا الديمقراطي الغض، ودعم مؤسساتنا المنتخبة وعلى رأسها البرلمان، قطب الرحى في نظامنا السياسي، رغم الهنات الموجودة والتي لا ينكرها أحد، وهي هنات قابلة للإصلاح والمراجعة في إطار حوار وطني شامل وواسع، يشارك فيه الجميع، بهدوء ودون توتر وبلا عنجهيات، وبروح بناءة، وعلى قاعدة الاصلاح وخدمة المصالح العليا للبلاد، لا في إطار البحث عن فوهات لإطلاق المزيد من النيران في كل الاتجاهات وإشعال المزيد من الحرائق، والانقلاب على المسار والتجربة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق