راي رئيسي

زيارة الرئيس قيس سعيد إلى فرنسا..
 زلات بالجملة تؤكد انعدام الخبرة وضعف الإطلاع..

(1)

مثّل مطلع الأسبوع الحالي أول اختبار حقيقي للرئيس قيس سعيد في مجال العلاقات الدولية وذلك خلال زيارة العمل التي أداها إلى فرنسا بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون وهو اختبار طال انتظاره ليقيس من خلاله التونسيون قدرات رئيسهم على لعب أدوار ديبلوماسية وبروتوكولية وتمثيل بلاده والحفاظ على سيادتها ومصالحها.

نقول أول اختبار لأن زيارته إلى الشقيقة الكبرى الجزائر مطلع شهر فيفري كانت قصيرة وشكلية رغم رمزيتها واندراجها ضمن تقليد دأب عليه رؤساء البلاد ورؤساء حكوماتها بعد الثورة، وهو تقليد محمود يعبر عن عمق روابط الأخوة والتاريخ والمصير المشترك للشعبين الشقيقين التونسي والجزائري.

ولعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن يتمثل في علاقة توقيت الزيارة بسير الأحداث وطنيا وإقليميا إذ شهدت بلادنا خلال الأيام الأخيرة جدلا كبيرا حول مشروع اللائحة التي تقدمت بها كتلة ائتلاف الكرامة والمتعلقة بمطالبة الدولة الفرنسيّة بالاعتذار للشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاستعمار المباشر وبعدها، وهي لائحة أسقطها مجلس النواب في 10 جوان الجاري، أما إقليميا فيمثل الصراع الليبي بين حكومة السراج وقوات المشير المتقاعد خليفة حفتر مناط اهتمام مشترك وحرب باردة حينا وساخنة حينا آخر بين عدة قوى دولية كلها تدعي وصلا بالقطر الليبي الشقيق.

أما السؤال الثاني فيتمثل في ما يمكن أن تكون عليه مردودية الزيارة على بلادنا من حيث جلب للاستثمارات أو الهبات أو دعم اقتصادنا الوطني الذي يمر بأحلك فتراته.

وتأتي أولى الردود على التساؤلين المطروحين من خلال هوية الوفد المرافق للرئيس والذي يضم أساسا وزيري الخارجية والمالية أما حرم الرئيس فلم تكن ضمن الوفد الرسمي وهو أمر يبعث على الريبة والاستغراب.

 

(2)

قد لا يكون من المناسب إعادة استحضار الجدل الذي رافق جلسة مجلس النواب حول لائحة مطالبة الدولة الفرنسيّة بالاعتذار للشعب التونسي عن جرائمها في حقبة الاستعمار المباشر وبعدها، لأنها وردت في توقيت غير ملائم ومضر بالمصالح العليا لبلادنا رغم أنها تعبر عن حق من حقوق شعبنا لا يمكن أن يسقط بالتقادم.

فكيف كان موقف الرئيس قيس سعيد من اللائحة ومن مطالبة الدولة الفرنسية بالاعتذار؟

تشير معطيات مؤكدة أن مكتب رئاسة مجلس النواب قد راسل قبل موعد الجلسة العامة المخصصة لمناقشة اللائحة رئيس الجمهورية باعتباره المسؤول الأول عن السياسة الخارجية بموجب دستور 2014، لكن الرئيس توارى وخير الصمت والهروب وعدم الرد وهو في حد ذاته موقف يتجنب فيه إحراجا كبيرا داخليا وخارجيا ولكنه في الآن ذاته يربك الصورة التي يرغب أن يرسخها لدى التونسيين بأنه البلاد يحكمها رئيس واحد منتخب.

وفي هذا المجال تؤكد قرائن كثيرة وكواليس مؤكدة أن الرئيس سعيد كان على تواصل مستمر مع الرئاسة الفرنسية وطمأنها من خلالها بأنه لن يساند اللائحة وبأن حركة النهضة هي من أوعزت لحليفها ائتلاف الكرامة بعرض لائحته في هذا التوقيت بالذات رغم أن النهضة هي التي أسقطت في النهاية اللائحة ولم تصوّت لها.

أفلا تكون الزيارة مكافأة للرئيس على موقفه من موضوع الاعتذار الذي تسبب في قلق لفرنسا؟

المؤكد أيضا أن موقف الرئيس سعيد الذي أخفاه عن التونسيين قد تبين أخيرا خلال زيارته إلى فرنسا إذ بدا وكأنه قادم لطلب الاعتذار حين قال للرئيس ماكرون: “إن مصير تونس وفرنسا مشترك ومن يريدون الرجوع إلى الوراء لن يفلحوا” وهو تصريح شهد استهجانا كبيرا لدى النخب السياسية التونسية التي اعتبر بعضها أنه مخز ومخجل فحق التونسيين في اعتذار فرنسي عن 75 سنة ظلماء يظل مطلبا مشروعا متى توفرت ظروفه ومناخاته ولا حق لأي مسؤول سياسي مهما علا شأنه أن يتفصّى منه وأن يلين في طلبه ويقدم هدية مجانية ساذجة لمستعمر ما يزال يعتبر بلادنا خاضعة لإرادته سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا.

 

(3)

استبقت صحيفة لوفيغارو الفرنسية زيارة الرئيس قيس سعيد بمقال تحدثت فيه عن “عدم خبرته في العلاقات الدولية والديبلوماسية” بحكم تركيزه المفرط على الأوضاع الداخلية وقلة سفره خارج أرض الوطن مضيفة أن سعيد سيحاول استغلال زيارته لفرنسا لتأكيد مؤهلاته كلاعب إقليمي رئيسي لاسيما في الأوضاع الليبية مؤكدة في الآن ذاته أن ضعف خبرة سعيد تجلت من خلال إقالته المفاجئة والمبهمة لسفير تونس بفرنسا والقنصل العام بباريس مما خلف حالة من الفراغ المضر بمصالح التونسيين المقيمين بفرنسا.

وقد صدقت لوفيغارو في توصيف خبرة الرئيس سعيد الديبلوماسية ولا يمكن أن نعاتبها لأنها قللت من شأن رئيسنا، لأنه لم يفعل سوى تأكيد ذلك الانطباع بكل اقتدار وحنكة فتصريحاته حول الشأن الليبي التي اعتبر فيها أن الشرعية الدولية في ليبيا مؤقتة ولن تدوم وأن تونس من أكثر الدول تضرّرا من الأوضاع الليبية أثارت غضبا وخلفت وردود أفعال جد ممتعضة ومستاءة لما للبلدين الشقيقين من روابط أخوة وحسن جوار وتاريخ ومصير مشتركين.

وفي علاقة بالدستور الليبي قال سعيد أن على الليبيين وضع دستور مؤقت على غرار الدستور الذي جرى وضعه في أفغانستان وهو ما يدل وفق محللين ليبيين أنه غير ملم بالأوضاع داخل بلادهم، خاصة وأنه لا يتحدث عن الوضع الليبي دون إدراج ملف القبائل التي يعتقد أنها قادرة على صوغ حياة سياسية ديمقراطية بينما يقتصر دور القبائل على الجانب الاجتماعي فحسب.

أفلا يعلم رئيسنا المفدى أيضا أن لليبيا دستورا جاهزا متوافقا حوله لا ينتظر سوى استفتاء الشعب حوله؟

لعل أفصح ردود الأفعال الليبية على تصريح الرئيس ذلك الذي صدر عن وزير التخطيط الليبي السابق عيسى التويجر الذي قال أن تصريحات سعيد تكشف عن جهل كبير بحقيقة الدولة الليبية وطبيعة الدور الذي تلعبه القبائل في الشأن السياسي وأن ما قاله سبب خيبة أمل وإحباطا كبيرين لدى الداخل الليبي باعتبار أن التصريح جاء على لسان رئيس دولة جارة وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع ومن خلال عملية ديمقراطية يفتخر بها الليبيون أنفسهم على حد تعبيره.

 

(4)

في علاقة بأوضاعنا الداخلية وخاصة في جانبها السياسي ظل الرئيس قيس سعيد صامتا منغلقا، بل أنه لم يكلف نفسه بالردّ على مبادرات عديدة من بينها مبادرة رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر التي طالبه فيها بأن يلعب دوره الجامع وأن يدعو جميع الفرقاء السياسيين إلى طاولة حوار يتم من خلالها نزع فتيل الاحتقان الذي يوشك أن يشعل الحرائق وأن يغرق البلاد في دوامة عنف خطير.

فجأة وفي عاصمة الأنوار حل عقال لسان الرئيس وتحدّث بطلاقة عن اعتراضه على توسيع الائتلاف الحكومي لأنه قد يؤدي وفق وجهة نظره إلى استقالات وتفكيك الحكومة، كما نفى أن تكون له أية نية في تكوين حزب سياسي لإيمانه باندثار الأحزاب السياسية بعد عقدين في أقصى الحالات.

رحلة باريس هي اختبار أول مخيب للآمال حجبت زلات الرئيس فيه كل مجلوبات الزيارة، وأكدت ضعف خبرته الديبلوماسية وضعف اطلاعه على حقيقة الأوضاع الإقليمية، وعن حرص شديد لإظهار ود مبالغ فيه لفرنسا بدا جليا منذ العناق الأول الذي بادر به الرئيس سعيد مستضيفه ماكرون.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق