راي رئيسي

سكيزوفرينيا النخبة..
عندما يتحوّل حرّاس مدنيّة الدولة إلى دعاة لعسكرتها..

خرج علينا النائب عن الكتلة الديمقراطية والقيادي بحركة الشعب، هيكل المكي، ليقول لنا أن رئيس الدولة هو رئيس القوّات المسلّحة بكل أصنافها، وهو رئيس كل بندقية وكل طلقة في البلاد ورئيس كل من يحمل سلاح..

ثم خرجت علينا القيادية بالتيار الديمقراطي ونائبة الشعب سامية عبو لتدعو من جانبها إلى استعمال الجيش والقضاء ووضعهما تحت إمرة الرئيس، ودعت رئيس الجمهوريّة إلى إنزال الجيش للشوارع واعتقال من اعتبرتهم “الفاسدين” من عامّة المواطنين والسياسيّين.. ووضعهم تحت الإقامة الجبريّة بتعلّة إنقاذ البلاد عبر تطبيق قانون الطوارئ، بالعودة إلى الأمر المنظّم لحالة الطوارئ الصادر في 26 جانفي 1978.

وقد سبقتها تصريحات زوجها محمّد عبّو، مؤسّس الحزب وأمينه العام السابق، الذي نادى بنفس الإجراءات، بالاعتماد على حلّ عسكري مناقض للدستور وللقانون وللديمقراطيّة..

آل عبو أصبحوا منذ مدّة ينظّرون لكون الديمقراطيّة لم تعد هي الحلّ.. وأنّ عسكرة البلاد.. والإجراءات خارج الدستور والقانون والمؤسّسات والقضاء أصبحت هي الحلّ؟ يطلقون النار على الديمقراطيّة برمّتها.. وينظّرون لتدخّل الجيش عبر سلطة مزعومة للرئيس بحجة مشروعيّته وشعبيّته..

في الحقيقة نحن لم نستغرب يوما تصريحات ومواقف جماعة حركة الشعب لأنه ببساطة هناك حقيقة تاريخية ثابتة تتجّدد كل يوم، مفادها أن القومي هو بالضرورة انقلابي.. وفي عقيدته السياسية لا مكان لصناديق ولا لتداول على السلطة، وكرسي الحكم بالنسبة إليه يأخذ إن اقتضى الأمر بالدبابة فوق جثث الأبرياء..

ولكننا لا نستطيع أن لا نستغرب التصريحات والمواقف الصادمة لتيار آل عبّو، وإلى أين ارتدّوا من تناقض تام وخطير مع مبادئهم عن الثورة وعن الديمقراطية وعن التداول على السلطة وعن مدنية الدولة وعن إدانة الانقلابات العسكرية وحكم العسكر، التي تشدّقوا بها قبل الثورة وبعدها.. لا نستطيع أن لا نستغرب مواقفهم الجديدة التي تحولهم كل يوم إلى حزب تيار العسكرة اللا-ديمقراطي..

هل تغافل آل عبو عن أنّ رئيس الجمهوريّة انتخبه الشعب التونسي كرئيس مدني في نظام ديمقراطيّ لا ليفتتح عهدا لنظام عسكريّ، خارج الدستور والقانون والقضاء والعرف السياسي، ويستعمل فيه القوّات المسلّحة لتصفية خصومه، هل نسوا أم تناسوا أنّ الأمر المنظّم لحالة الطوارئ الصادر في 26 جانفي 1978 هو غير دستوري.. وأنّ رئيس الجمهوريّة في كلّ الحالات لا يمكنه اعتقال المواطنين ووضعهم تحت الإقامة الجبريّة.. وأنّه لا يملك صلاحيّات وزير الداخليّة والنيابة العموميّة في ذلك حتّى بقانون الطوارئ، وأن الأمر عدد 50 المنظّم لحالة الطوارئ والصادر بتاريخ 26 جانفي 1978.. أعطى صلاحيّات الإيقاف الاستثنائي والوضع تحت الإقامة الجبريّة حصريّا لوزير الداخليّة دون غيره.

وأساسا لا يوجد أي نظام في العالم يعطي للجيش حقّ اعتقال المواطنين المدنيّين، إلا في ذهن آل عبّو، فحتى الأنظمة العسكرية الدكتاتورية تكل مهمة تصفية معارضيها وخصومها المدنيين إلى السلط الأمنية والقضائية..

وهذا ما يجعلنا نتساءل ترى هل الانقلاب كان عندهم عقيدة سياسية هم أيضا يخرجونها حين الضرورة وكل ما كانوا يتشدقون به كان في إطار التقيّة؟ أم أن حقدهم على خصومهم السياسيين الذين فشلوا في هزمهم عبر الصناديق ويأسهم من إمكانية التفوّق عليهم عبر آلية الانتخاب، والهوس الذي استبدّ بهم لتصدّر مشهد الحكم، أعمى بصيرتهم وشلّ عقولهم فانبروا من دون وعي منهم في النفخ في صورة الرئيس المهووس وتشجيعه على عسكرة البلاد وعلى احتكار السلط حتّى خارج الدستور والقانون والعرف السياسي الديمقراطي ومدنية الدولة التي كانت أصل تجاري بالنسبة إليهم، يزايدون بها على خصومهم؟ أو ربما نواقض مدينة الدولة بالنسبة إليهم فقط الدين وما دون ذلك حلال بواح؟

ما الذي يجعل من الذين كانوا بالأمس يدينون بشدّة الانقلابات العسكرية وافتكاك السلطة من المدنيين، وينافحون ضدّ الانقلاب على إرادة الصناديق، يتناقضون مع مبادئهم الإيجابية وينقلبون مائة وثمانون درجة ويتحوّلون من مدافعين عن مدنية الدولة وعن المسار السياسي الديمقراطي إلى دعاة عسكرة الدولة واحتكار جميع السلط لدى شخص واحد، وتصفية الخصوم السياسييّن بقوّة العسكر والأمن وتدجين القضاء وتطويعه..

ما الذي جعل أطرافا جاءت من خلال آليات الدستور تنقلب عليه اليوم بشكل سافر، ما الذي جعل أطرافا وصلت إلى مواقع الدولة سواء في رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو البرلمان من خلال هذا الدستور، وأقسمت على احترام أحكامه الذي يقتضي احترام الصلاحيّات الممنوحة لكل سلطة، والالتزام باستقلالية السلط عن بعضها البعض، تتناقض مع ما جاء به الدستور جوهريا وتتنكر له؟

هل تستدعي الرغبة المهووسة في تصدّر مشهد الحكم الذي لم يسعفكم به الصندوق، أن تنقلبوا على مبادئكم وتتحوّلوا إلى منظرين لعسكرة الدولة وحكم العسكر؟

خلاصة القول، الدعوات التي جاءت على لسان “تيّار آل عبو” الصادمة ومن قبلها تصريحات ومواقف حركة الشعب وبعض المحسوبين على النخبة، ليست دعوات جديدة، وليست هذه المرّة الأولى التي نستمع إليها، فمنذ محطة 23 أكتوبر 2011 والبعض يحاول القفز على ما أفرزته الصناديق عبر دعوات ممثلة للانقلاب على الشرعية تارة بطلب ود المؤسسة الأمنية وتارة بطلب ود المؤسسة العسكرية ومحاولة استدراجهما للمعرك أو التجاذبات السياسية.. ولكن كل المحاولات باء بالفشل..

تبين لهم أن الجهاز الأمني في أركانه الكبرى قرّر القطيعة مع الماضي الأسود، وانخرط في مشروع الانتقال الديمقراطي.. ثم قالت لهم المؤسسة العسكرية أكثر من مرّة أنها لن تنخرط في المعارك العسكرية وأن عقيدته التي تؤمن بها تتناقض مع الانقلابات وأنّها تؤمن بمدنية السلطة..

والأكيد أنه كيفما كان حالنا اليوم، ومهما تخاصمنا، ومهما تباكى السياسيون، وارتفع منسوب حقدهم وكراهيتهم، ومهما تعثّر المسار، ونحن نتدرّب على المشي في طريق انتقال ديمقراطي محفوف بالمخاطر، ولكن نحن في طريقنا إلى القطيعة مع الاستبداد ووضع نهاية للانفراد بالرأي والإفلات من الحاكم الذي يشبه الإله ويفعل بنا ما يشاء حتّى إذا أراد أن يبنيَ جسوره على أجسادنا فعل ولا اعتراض على فعله.. وأنّ رئيس الجمهورية صار مُسيّجا بضوابط دستورية لا يخرج عليها.. وأنّ الدستور صار حكَما بيننا.. وأن زمن الانقلابات العسكرية ولى وانتهى بلا رجعة..

ربما الطريق طويلة وشاقّة ولكنّ التاريخ لن يعود بنا إلى الوراء.. نقاوم من أجل إحياء السياسة والقطع مع الاستبداد.. وذلك سبيلنا إلى تعرية الفساد وتحويل ثورتنا إلى ثروة يسهل بها عيش الناس في بلادنا.. ولادة السياسة على قاعدة الحرية والديمقراطية ستكون بلا شكّ سبيلنا الأوحد إلى غرس العدالة الاجتماعية وبلوغ الكرامة الوطنية… ولم تبقى أمامهم غير الصناديق، وأن يقبلوا بحكم الشعب..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق