راي رئيسي

سنة سياسية جديدة..
 هل نعترف ونضع حدّا للانحدار؟!

مع العودة المدرسية من كل عام تأخذ الحياة العامة في بلادنا نسقها العادي. فالسنة الدراسية بزخمها الاجتماعي والعائلي وارتباطها بمجالات متعدّدة، تضبط إيقاع بقية الأنشطة ويمكن اتخاذ بدايتها ونهايتها محدّدات للسنة السياسية أيضا. إذ تأتي العودة المدرسية في 15 سبتمبر بعد أسبوعين من استئناف العمل الإداري بنظام الحصتين مطلع الشهر، بما يعنيه من نهاية العطلة الصيفية وأجواء “الراحة”، وقبل أسبوعين أيضا من بداية سنة برلمانية في غرة أكتوبر بما تحمله من مؤشرات عن الكتل النيابية والتوازنات السياسية والتحالفات وربما الأولويات. فكيف تتراءى لنا ملامح أوضاعنا في مطلع سنة سياسية جديدة؟ وهل تكون سنة مختلفة عن سابقاتها في ذكرى الاحتفال بالعشرية الأولى لثورة الحرية والكرامة؟

استأثر موعد العودة المدرسية بجدال واسع في مختلف المنابر والأوساط خلال الأيام الأخيرة، بعد عطلة استثنائية طويلة، وفي ظلّ مخاطر كوفيد-19 في موجته الثانية. وإذ تمسّكت وزارة التربية بالموعد العادي لانطلاق السنة الدراسية، فإنها أقرّت بعض الإجراءات الاستثنائية بالاتفاق مع النقابات لحماية التلاميذ والمربّين، وتأمين تحصيل علمي لا يمسّ من مستوى التكوين ومستقبل الأجيال القادمة. ولم يعد لمطلب تأجيل العودة من فائدة، بعد أن استقرّ الرأي في اللجنة العلمية لمواجهة كوفيد-19، أنّ التعايش مع الفيروس بات مرجّحا، وأنّ فترة المخاطر ستطول. فالخيار في مختلف دول العالم يتّجه إلى استبعاد إجراءات الحجر الصحي العام والشامل على غرار ما حصل خلال الموجة الأولى، بعد أن تبيّنت النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكارثية للإجراءات الاحتياطية المقرّرة، والتي لن يقوى العالم على تحمّل تداعياتها إن استمرت وتضاعفت.

بل يبدو أكثر من ذلك أن الأمور في بلادنا تتجه إلى التخلّي عن أخذ العيّنات لأعداد كبيرة من المواطنين وإخضاعها للتحليل، في حالة تسجيل إصابات بمواقع تجمعات كبيرة للعمال أو التلاميذ أو الطلبة أو غيرهم. فذلك مكلف وفوق الطاقة ومعرقل لسير العلاج. وأنّ المصابين لا يدخل منهم إلى المستشفيات للعلاج، إلاّ الحالات التي ثبت تعكّر أوضاع أصحابها. وهذا التوجّه الجديد في مواجهة الوباء، مع تسجيل نسق أكبر في الإصابات الأفقية في مختلف الولايات، خلافا للموجة الأولى، يزيد في المخاطر ويستدعي مجهودات أكبر من الدولة، وحاجة أشدّ إلى التضامن المجتمعي والاستقرار السياسي. ويضاعف من الضغط على الأحزاب والفاعلين السياسيين والمجتمعيين لتحمّل مسؤولياتهم في تقدير الظرف الاستثنائي وتقديم الأهم عن المهم ونبذ المناكفات وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات وتقديم المصالح الوطنية عن المنافع الحزبية والشخصية والفئوية.

فالمناكفات السياسية المستمرة لعشر سنوات بعد الثورة لم تغطي في أيّة مرحلة عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وتغيير الحكومات الذي بات يمسّ من الاستقرار السياسي لم يحلّ المشاكل. إذ لم تنجح سياسات الحكومات الكثيرة المتعاقبة في المحافظة على توازنات المالية العمومية، ولا في خلق الثروة، ولا في وضع حدّ للنزيف الاقتصادي. واستمرت المؤشرات الاقتصادية عموما في التراجع. فبعد الموجة الأولى من كوفيد 19 نزلت نسبة النمو تحت الصفر إلى أرقام مفزعة (سلبي 26 في الثلاثية الثانية لسنة 2020 مقارنة بسنة 2019) وفاق الدين العمومي الثمانين بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ العجز التجاري مستوى قياسيا، وارتفع معدّل البطالة إلى 21 بالمئة، ولم تتحسّن أوضاع الجهات والفئات المهمّشة، وغلت الأسعار وضعفت القدرة الشرائية، وتوقف إنتاج الفسفاط وأغلقت منشآت نفطية ومصانع كبرى، وتوسّعت الاحتجاجات الاجتماعية وقطع الطرقات، وصارت الدولة عاجزة أمام خرق القانون وتهديد المصلحة العامة. وفي ظلّ كل هذه المؤشرات السلبية، أصبحت موارد الميزانية من الأداءات لا تغطي الرواتب واستحقاقات الديْن العمومي. وصار الخبراء يحذّرون من إعلان حالة إفلاس حقيقية.

ومن جهة أخرى تبدو نتائج الحرب المعلنة على الفساد من مختلف الحكومات عديمة الجدوى وبلا مصداقية. فلا نتائج مقنعة للإجراءات المعلنة في حقّ بعض المتّهمين في التورّط فيه ولا في الملفات المحالة على أنظار القضاء المعلنة من جهات عديدة. بل إنّ المؤشرات وأحاديث المجالس تشي بمزيد استشراء الفساد في مؤسسات الدولة الحيوية وفي استعمال الملفات فقط للمساومات السياسية وخدمة أجندات هذا الطرف أو ذاك. ولا تقدّم يُذكر في وضع حدّ للتسيّب في الإدارات والمؤسسات وتراجع العمل والإنتاجية، ولا أمل في وضع حدّ لنزيف الشركات العمومية وترشيد حوكمتها، بعد أن صارت عبء ثقيلا على ميزانية الدولة بدل المساهمة في تقوية موارها. ويقف الجميع متفرجين على انهيار المدرسة العمومية التي تظلّ ملاذ عموم التونسيين ومصعدهم الاجتماعي الأول لتحسين أوضاعهم. وترتفع نسبة الجريمة لتتحوّل إلى إرهاب مجتمعي بالأسلحة البيضاء، يفوق خطره أحيانا الإرهاب الأيديولوجي والسياسي بالأسلحة النارية، الذي لم تتوقّف تهديداته. والأدهى من كل ما سبق والأمرّ منه، أن لا حضور لهذه القضايا الحارقة وغيرها ممّا لا يتسع المجال لذكرها، في خطاب المتصارعين عن الحكم في مختلف مستوياته.

ومن اللاّفت حقّا أنّه بعد أكثر من ستّ سنوات من إقرار الدستور لم يستكمل مجلس نواب الشعب وضع القانون المنظّم للهيئات الدستورية ولم ينتخب أعضاءها ولم تتأسس هذه الهيئات التي عدّت من أهم مكاسب دستور الثورة. فباستثناء “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات” التي تعمل في ظروف صعبة، فإنّ “هيئة الاتصال السمعي والبصري” و”هيئة حقوق الإنسان” و”هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد” مازال أعضاؤها معيّنين وتعمل بصورة وقتية. أمّا “هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة” فلا وجود لها أصلا بعد. وكذلك المحكمة الدستورية التي نص الدستور على إرسائها في أجل أقصاه سنة بعد الانتخابات. علاوة عن العجز عن مراجعة القانون الانتخابي والمراسيم المنظمة للإعلام والأحزاب والجمعيات التي تبيّن تخلّفها عن مقتضيات المرحلة ما بعد الـتأسيسية، وآثارها السلبية في المشهد السياسي.

وفي ظلّ هذه اللوحة السوداء في مطلع السنة السياسية الجديدة، نجزم دون تردّد، بأنّ الصراع حول مختلف العناوين سيظلّ مستمرّا خلالها بنفس التجاذبات والآليات، وأنّ الاستقرار سيظل مهدّدا بهزّات لا تتوقف، ما لم ننفذ إلى معالجة الأزمة السياسية، قبل فوات الأوان، وما لم يكن للوطن ومشاكل الناس ومطالبهم الحظ الأوفر في الصراع عن الحكم.

فالمكاسب “التكتيكية” لأيّ طرف لا تغني عن مآزق المسائل “الاستراتيجية” ولا تحسمها. وأنّ الحلّ ليس في المكابرة وصراع الصلاحيات بين مراكز السلطة في قرطاج وباردو والقصبة، والمناكفة الحزبية الطفولية والخطابات الشعبوية، بل في الاعتراف الجماعي بالمأزق وبالأخطاء، والجنوح للصلح والحوار الهادئ، قصد وضع حدّ للانحدار الذي ليس له قاع، والتوصّل إلى تسوية شجاعة، تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية وغيرها في سلّة واحدة. وما ذلك بعزيز إذا توفّرت الإرادة السياسية وتقدّم العقل عن العاطفة وتغلبت المصلحة الوطنية وصدقت النية في سنة سياسية جديدة وفي ذكرى العشرية الأولى لثورة الحرية والكرامة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق