راي رئيسي

سيناريوهات ما بعد حكومة قيس ووزراء نادية..

دون العودة إلى الخلف، نحن الآن أمام حكومة الرئيس الثانية بطعم مغاير لحكومة الرئيس الأولى، فلا الفخفاخ هو المشيشي ولا المكّي ومعروف وعبّو ومرزوق والشواشي هم وزراء نادية عكاشة، إذا وصلنا إلى حكومة الرئيس بوزراء الرئيس أو بالأحرى بوزراء مديرة ديوان الرئيس، نحن الآن أمام عمليّة التفافيّة ناجحة نفّذها الرئيس، استحوذ من خلالها على القصبة! ثمّ وبعد أن سقط حصن القصبة وتمّ ضمّه لأملاك الرئيس بقوّة الأمر الواقع، لم يعد يقف أمام مشروع اللجان الشعبيّة والخطّة التمهيديّة الكبرى المتمثّلة في دسترة النظام الرئاسي، لم يعد يقف أمام هذا المشروع غير المؤسّسة التشريعيّة، في سدّة البرلمان يتواجد راشد الغنّوشي وفي قلب البرلمان يوجد حزب حركة النّهضة بــ  54 من المقاعد متبوعا بحزب قلب تونس بــ 27 من المقاعد.

تدريجيّا بدأت الصّورة تفصح عن نفسها، لنصل مرّة أخرى إلى نهضة تسعى إلى مراقبة ومعالجة الوافد الجديد المريب، حدث ذلك سنة 2014/2015 حين قبلت النّهضة بمناصب محتشمة داخل حكومة النداء من أجل قطع الطريق على انتقال جبهة الإنقاذ برمّتها من ساحة باردو إلى سدّة الحكم، وهي الجبهة التي استنسخت جبهة مصر تلك التي أسقطت ثورة 25 يناير وأوقفت الانتقال الديمقراطي ثمّ طردها السيسي وعسكر البلاد على انقاض إجرامها وغبائها وخيانتها.

حينها كانت النّهضة هناك لتقدّم التنازلات على حسابها ولحساب تأمين الانتقال عبر طمأنة النداء المتكوّن من الكثير من رموز التجمّع، من خلال التأكيد بأنّه يستطيع الفوز بالحسنيين، الحكم والديمقراطيّة، لذلك لا حاجة له بالانقلابات أو بالتحالف مع قوى الدم المؤدلجة. دخلت النّهضة في توافق دون شراكة وقبلت بدعم سلطة رؤسائها الثلاثة من حزب النداء تماما كما غالبيّة الوزراء، وسايرت الحركة حكومة النداء إلى أن قرّر السبسي الابن عزل الشاهد وجلب رئيس وزراء من صفّه، فعل ذلك حين كان يخوض معارك طاحنة مع أجنحة النداء المختلفة، عندها رفضت النّهضة وقرّرت الإبقاء على الشاهد، غضب السبسي الأب من النهضة لكن سرعان ما عادت العلاقة إلى طبيعتها واستسلم الرئيس للدستور.

قبل ذلك كانت مؤامرات 2013، حينها عالجت النّهضة الأزمة بالمرونة والصبر وتخلّت عن المناصب المشروعة لصالح تثبيت المشترك، لمّا وافقت على الانسحاب من القصبة والتخلّي عن حقّها في تأثيث الحكومة مقابل التوقيع على دستور البلاد، وفعلا لم يخرج العريض من الحكم إلّا بعد أن وقّع مع بن جعفر والمرزوقي على الدستور.

ذلك الانسحاب الذي جاء ثمنه الدستور، هو ذاك الانسحاب الذي جاء ثمنه تأمين الانتقال ومنع تجمِيع قوى الكراهية وقوى التجمّع في أواني الدولة. أي نعم ونتيجة لتلك المرونة خسرت النّهضة بعض قواعدها لصالح تيّارات صاعدة تتهمها بالمصالحة مع المنظومة القديمة وبالتوافق مع السبسي وحزبه الندائي التجمّعي، لكنّها ربحت بقاء قطار الانتقال الديمقراطي على السكّة، ثمّ ولاحقا تمكّنت النّهضة من العودة إلى الصدارة وانتزعت محطّة البلديّة “2018” كما انتزعت تشريعيّات 2019.

فهل تواصل النّهضة في نهج المرونة والحسابات المشدودة بالصبر وتأجيل الربح وتقديم العام على الخاصّ ومن ثمّ توافق على حكومة المشيشي مقابل تثبيت المحكمة الدستوريّة التي وحدها قادرة على إيقاف النزيف الدستوري الحادّ الذي تعتمده قرطاج وتوسّع به صلاحيّات منهوبة مصادمة للدستور، وأيضا مقابل إقرار العتبة التي يجب أن ترتقي من نسبة 3 % إلى نسبة 5 % مع مراجعة نظام أغلب البقايا، والسعي إلى برلمان غير مشتّت يمكّن الكتل الكبرى من إدارة حوارات مثمرة دون هذا العناء الذي نشهده اليوم.

أم أنّ النّهضة ستحشد ضدّ حكومة المشيشي من أجل الذهاب إلى انتخابات مبكّرة فيها الكثير من المغامرات، وذلك في غياب غربال العتبة، لكن وحتى مع هذا الخيار ستجد النّهضة نفسها أمام مشهد قد يكون أفضل من المشهد الحالي، يخوّل لها تشكيل حكومة مع شركاء غير متشاكسين ومن ثمّ الذهاب مباشرة إلى انتخاب أعضاء المحكمة الدستوريّة، خاصّة وأنّ الحركة استرجعت الكثير من أرصدتها المجمّدة والمتردّدة والعازفة، مع طفرة يشهدها ائتلاف الكرامة الذي تقدّمه المؤشرات ليحتل الفراغ الذي تركه تقهقر التيّار وحركة الشعب، هذا إلى جانب معركة حامية الوطيس ستدور بين قلب تونس والحزب الحرّ على انتزاع المراكز المتقدمة.

كلّ الاحتمالات واردة، وكل الخيارات تصبّ في رصيد الثورة، فالتقدّم يقرّبها من النجاح والتعثّر يكسبها التجربة، وعليه لا خوف من المناكفات وحتى الصراعات الحزبيّة، تلك معارك تعوّدت عليها الديمقراطيّات حتى تلك العريقة، إنّما الخوف كلّ الخوف والحذر كلّ الحذر من العقل الانقلابي الذي لا يختلف مع المشهد في تصريف الشأن وإنّما يختلف معه في الشأن نفسه! في كنهه! المشكل في ذلك الذي يرغب في إعادة تعريف الديمقراطيّة والحياة الحزبيّة والتحزّب والأحزاب والتداول السلمي على السلطة.. ليس الخطر في الفكرة السياسيّة المخالفة وإنّما في الفكرة السياسيّة الناسفة.. لا نخشى على التجربة من الاختلافات السياسيّة وإنما نخشى عليها من النزوات السياسيّة الحادّة والمجنّحة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق