الافتتاحية

طبيعة الصراعات في تونس في الفترة الانتقالية

المتابع للشأن التونسي بعد 2011 إلى الآن يمكنه رصد عدد من المعطيات المرتبطة بصراعات يتداخل فيها السياسي بالإيديولوجي والحزبي وأحيانا حتى الجهوي والشخصي.

من حيث الأطراف المتداخلة، كان الصراع بعد الثورة على أشدّه بين التيّار العلماني بصفة عامة (يسار وقوميين ودساترة)، من جهة، والإسلاميين، من جهة ثانية.

وكان التموقع على الأرضية الثقافية المضادة، هو المحدّد الرئيسي للمشهد السياسي الذي حكم البلاد بعد الثورة.

حتى تجربة الترويكا، والتي كان منها أن تكون عنوانا عن تجاوز هذا الصراع على الأقل بين جزء من المكوّن العلماني التكتل والمؤتمر، وأبرز مكوّن إسلامي النهضة، فشلت، أو على الأقل لم تحقق النجاح الذي كان ينتظر منها خاصة بعد ظهور خلافات حادّة بين المرزوقي رئيس الجمهورية وحمادي الجبالي رئيس الحكومة، وانخراط المؤتمر حينها في لعبة الشدّ والجذب، وما سمي حينها بالدلع السياسي، خاصة بعد تهديد حزب الرئيس حينها وإثر أوّل مجلس وطني له بالانسحاب من الحكومة.. أمّا التكتّل فقد انخرط في أجندة اعتصام الرحيل خاصة بعد أن أغلق أبواب البرلمان وعلّق أشغال المجلس الوطني التأسيسي.

وبعض الأطراف التي كانت شريكا أساسيّا لحركة النهضة في حراك 18 أكتوبر، وعلى رأسها التيّار اليساري (حمة الهمامي خاصة) والشخصيات الوطنية على غرار الأستاذ أحمد نجيب الشابي، تحوّلت من الشراكة مع التيار الإسلامي، إلى اتخاذ مسافة سياسية منه والدخول في صراع معه، حتى من قبل أن تصدر نتائج أول انتخابات عاشتها البلاد بعد الثورة..

مدار الصراع كان سياسيّا على الحكم، وكان بالأساس موقف من فوز النهضة “الكاسح” نسبيا في تلك الانتخابات، ولكن الأبعاد “الإيديولوجية” لم تكن غائبة على هذا الصراع بل هي التي كانت المحرك الأساسي لمجمل المواقف (منظمات، أحزاب، جمعيات) من الحراك الذي كان دائرا في البلاد.. حتى وصل الأمر إلى رفض تعيين وزير لأنه شوهد يوما ما “داخل للجامع”.

هذا الصراع انعكس على الوضع العام في البلاد وأثر تأثيرا كبيرا على أداء الحكومات المتعاقبة، خاصة بعد أن تبين للجميع أن منظومة “ما قبل الثورة” لم تسقط بل هي التي ظلّت تتحكم في أغلب مفاصل الدولة الإدارية والاقتصادية والثقافية والأمنية.. ويزداد الأمر تعقيدا عندما نعلم أن هذه المنظومة بقيادة “التجمّع” كانت في تقاطع بل وتشبيك قوي مع جزء كبير من السياسيين يسارا وقوميين وغيرها، ومع المنظمة النقابية واتحاد الأعراف..

لينتهي الأمر سنوات 2012 و2013 باغتيال بلعيد والبراهمي، الأول (سياسي يساري) والثاني (سياسي قومي)، بما يعني دخول البلاد صراعا محموما بين العائلات السياسية الثلاث الإسلاميون، واليسار والقوميون.. ومن ورائهما الدساترة.

ويبدو أن المؤثرات الأيديولوجية العميقة غلبت على الحسابات السياسية وعلى منطق الشراكة الذي جمع مكوّنات 18 أكتوبر قبل الثورة. وانتهى الأمر ببعض شركاء الوطن إلى الكفر بكل مقولاتهم وشعاراتهم من ديمقراطية وحداثة وتقدمية، ولينتهوا مجرّد وقود وجنود في معركة يقودها أحد أبرز رموز المنظومة القديمة وهو سي الباجي رحمه الله..

لم تكن الدوافع لا مصلحة الوطنية، ولا مصالح الفئات والجهات المحرومة، ولا الانتقال الديمقراطي، كل ذلك ألقي وراء ظهورهم، ولم يبق بارزا من معالم المعركة إلا ضرورة أن تجتمع كل مكوّنات الساحة السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية.. في خندق واحد هو خندق العداء الأيديولوجي للمكوّن الأبرز للتيّار الإسلامي.

بعض الإسلاميين وعلى رأسهم الأستاذ راشد الغنوشي كانوا على وعي بخطورة هذا التخندق الأعمى لكل طرف على أرضيته الأيديولوجية.. وعدم وجود أرضية مشتركة يمكن أن نقف عليها جيمعا.. خطورته على التجربة وعلى البلاد لذلك حاول أن يجد قواسم مشتركة أولا في فترة الترويكا، ولكن وخاصة بعد انتخابات 2014 مع الباجي رحمه الله..

بينما كان خصوم النهضة لا يفكرون إلّا في شيء واحد، كيفية إخراجها من الحكم كمقدّمة ربما لإخراجها من “الوجود” أي إقصائها تماما عن المشهد.. وشعارهم لم يكن لا ديمقراطية ولا تنمية وإنما كان شعارهم “لا نجونا إن نجا”.

هكذا ضاعت رهانات المرحلة واستحقاقاتها في صراع عبثي طفولي استصحب وللأسف الشديد، معارك الجامعة في الثمانينات وحوّلها إلى قبّة البرلمان ورئاسة الحكومة وفي وقت ما إلى رئاسة الجمهورية أيضا.. وحول حلقات النقاش في الجامعة إلى المنابر الإعلامية، وادخل ذلك الصراع الذي كان محصورا في النخبة إلى البيوت والمنازل، حتى بات المجتمع أو يكاد منقسما على غرار النخب السياسية، وهي ظاهرة جديدة لم تعهدها بلادنا حتى زمن الاستبداد. فلم يكن المجتمع منقسما بشكل حاد إلى هذه الدرجة، ولم تكن التباينات داخل مجتمعنا تبلغ هذه الدرجة من التناقض الذي لم يعد يقبل بالآخر ولا بأي مساحة للحوار والالتقاء..

ثم جاءت لحظة 25 جويلية، ورغم أن الكثير من القوى القومية واليسارية، أعلنت رفضها بل عداءها للرئيس قيس سعيّد، ورغم أنّه لا يقف معها على نفس الأرضية الثقافية، إلّا أنّها وبمجرّد أن رأت فيه مشروعا لإمكانية معاداة أو ضرب النهضة، حتى أعلنت مساندتها له، ولو إلى حين استكمال المهمة..

في المقابل ورغم أن عددا من مكوّنات الساحة السياسية (يسارية وحتى قومية ونقابية من توجهات مختلفة) أعلنت رفضها لــ 25 جويلية، إلا أنّها لا زالت محكومة بالتردّد، ولا زال الموقف من التيّار الإسلامي ومن النهضة يحكم موقفها، ويمنعها من الانخراط بالقوّة المطلوبة في مواجهة الانحراف الخطير الذي بات يهدد البلاد والتجربة الديمقراطية.

للأسف جزء من النخبة ما زال محكوما بهذه الحسابات الضيقة، وما زال البعض يتردد في الالتحاق بمبادرة مواطنون ضد الانقلاب رغم أن قادتها كلهم من غير النهضة.. ورغم أن المرحلة تتطلب أكبر تجميع للقوى المناصرة للانتقال الديمقراطي، لوقف هذا المسار الخير الذي سلكته بلادنا منذ 25 جويلية..

ووصل الأمر حدّ الخشية من أن تكون النهضة هي المستفيد من أيّ منجز يحقّق ضد الانقلاب، وهو نفس المنطق ونفس العقل السياسي الذي أدّى بالبعض إلى التحالف مع المنظومة القديمة وإعادتها للواجهة، وهو نفس المنطق الذي قاد البعض لاعتبار أن الاستقرار ونجاح الانتقال الديمقراطي مكسب للنهضة.. وكذا أي تنمية أو استقرار أو تقدّم، وهو ما يفسّر كل السياسات والممارسات التي عطّلت البلاد والعباد طيلة عشرية الثورة.

في المقابل لا أعتقد أن الإسلاميين، فعلوا الكثير، لنزع هذه الهواجس من قلوب وعقول خصومهم، ولتخفيف حدّة الصراع الأيديولوجي معهم.. وما عدا تجربة الترويكا التي يؤخذ منها ويردّ عليها، وتجربة التوافق مع الباجي رحمه الله، فإن النهضة لم تحسن التواصل مع بقية المكونات السياسية في البلاد، بل كانت عناوين مثل صفر فاصل، وبعض الحماسة لدى أبناء النهضة، وعدم ضبط الخطاب خاصة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل زادت في نفور جزء هام ممن كانوا أصدقاء للحركة منها.

حرمت الحركة في أكثر من محطة من حقّها (وزير واحد في حكومة الباجي) ولكنّها في محطات أخرى، أرادت أن تأخذا كثر من نصيبها، فعندما تحصل الحركة على 25 في المائة فقط من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخير، وتريد أن يكون لها نصيب الأسد في الحكومة والحكم، فهذا أيضا مخالف للمنطق ولما يجب أن تكون عليه الأمور.

اليوم، وفي هذه اللحظة، الفاصلة من تاريخ تجربتنا وبلادنا، أعتقد أنّه لا معنى لمواصلة هذه الحرب الأيديولوجية الباردة بين يسار ويمين وقوميين وأسلاميّين، ولا معنى لأن تظل الهواجس وانعدام الثقة هو الحاكم والمتحكّم في ردود أفعالنا تجاه جميع الشركاء في هذا الوطن.

لقد أثبتت 25 جويلية أين تكمن المخاطر الحقيقية على البلاد، وأن على الجميع التنازل، وعلى حركة النهضة تحديدا أن تطمئن شركاءها في الوطن، وأن تعلن مثلا من الآن أنّه في حال العودة إلى المسار الديمقراطي فإنها ستكتفي بمشاركة معقولة مثلا في الانتخابات التشريعية، وأنّها لن تترشح للانتخابات الرئاسية.. هذا على سبيل المثال فقط.. ويمكن إيجاد أشكال أخرى من الطمأنة التي تحتاجها البلاد في هذا الظرف العصيب.

علينا أن نقرّ جميعا بأن لا أحد يملك تفويضا شعبيا عام، وأن الشعب منقسم، وهو ليس موحّد مع طرف دون آخر، فلكل طرف شارع مناصر له.. وعلينا أن نقرّ أيضا أن محاولات رمي الخصوم في البحر فشلت في الماضي، وهي اليوم أصعب وأكثر استحالة، وأن الطريق الوحيدة السالكة والآمنة هي التعايش، ولا يوجد نظام أضمن للتعايش وأقدر على درء الفتن من الاحتكام إلى القانون والدستور وإلى الإرادة الشعبية عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق