راي رئيسي

“عبير العمدوني موسي” ومُربّعات “الوظيفية” و”البلاهة”

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

أن يُعبّر طرف سياسي عن مواقفه ويُدافع عنها ذلك أمر طبيعي وممارسة لحق دستوري بل أن ذلك أمر جد مًحبذ بل ويفرض وجوبا على كل خصومه الفكريين والسياسيين بل وكل الحقوقيين والناشطين الدفاع عنه مهما كان الاختلاف معه في فسلفة تلك المواقف وفي الوسائل والآليات التي يتوخاها أو يعتمدها، ولكن الخطأ الذي يلامس مربعات الجريمة بل ويتخطاها، هو أن يتحول التعبير عن الموقف واستعمال الآليات والفعل السياسي الناتج عنه إلى مخلب وواجهة لأداء أدوار وظيفية وممر يسير لممارسة القذارات عبر تكرار التفاهات والسقوط في البلاهة، وهي موضوعيا مُربعات تُعيدنا إلى محيط أسوار منهجية ترذيل السياسة والسياسيين وصولا لمنطق التجريم والاحتكار وحصر ذلك في أفراد وقوى وجهات بعينها، وهو عمليا ما أتته بغض النظر عن الصيغ والأساليب، النخب السياسية في عقدي الستينات والسبعينات وإن بتفاصيل وحيثيات مختلفة، وربما أكثر شرفا مما تأتيه سليلة الاستبداد وأهم مُمثليه الحاليين أي رئيسة الحزب الدستوري الحر وناطقته الرسمية ورئيسة كُتلته بل وشاغلة كل المنصب وكل النفوذ داخله، ولكن كيف حصرت تلك “النوفمبرية” المدعية للبورقيبية حزبها وحولته الى أداة وظيفية لصالح وفي خدمة أطراف محلية وإقليمية ودولية، وكيف سقطت بيُسر – وربما باختيار وعن سابق نية وبدفع خارجي – في أتون ومربعات البلاهة والتفاهة والقذارة والوظيفية المقيتة والممجوجة؟

 

السقوط المُبكر واليسير في أتون الوظيفية

إذا ما سلمنا أن هناك أمل ولو ضئيل في أن “عبير العمدوني موسي” وبعض الفاعلين السياسيين الذين أثثوا مربعات المدح والمناشدة والتغني بالرئيس المخلوع وحاشيته الحزبية والاستشارية والعائلية رغم جرائمهم وفعلهم الشنيع سياسيا طوال 23 سنة، جادين في القبول بقواعد اللعبة السياسية ما بعد 2011 والرضاء بنتائج صناديق الاقتراع وأنهم ليسوا انقلابيين على المسار الديمقراطي الوليد الذي أدت اليه نتائج وفعل ثورة الحرية والكرامة سنة 2011، فإنه ومن خلال دراسة مواقفهم وفعلهم السياسي وخاصة بعد انتخابات 06 أكتوبر 2019، يمكن الجزم أنهم سقطوا من جديد في أداء أدوار وظيفية محليا وإقليميا ودوليا وأن ذلك السقوط كان يسيرا ومُبكرا، وإلا ماذا يعني حصر الحزب في زعيمته الوحيدة في مقره المركزي وفي البرلمان ولدى وسائل الاعلام وأيضا في اجتماعاته وفعله التنظيمي الداخلي، وهو أمر كُرّس منذ مؤتمر 2016 وإلا ماذا يعني طرد واقصاء “نزيهة زروق” و”حاتم لعماري” غداة ذلك المؤتمر، ثم تكرّر الأمر مع آخرين كُثر على غرار إحدى نائبات المنستير وصولا حتى للبعض من إداريي مركزية الحزب عشية الانتخابات التشريعية وإقصاء آخرين انتقدوا منهجية وآلية اختيار رؤساء قائماته ويتمثل السقوط الفج في أداء أدوار وظيفية في التالي:

محليا، خدمة كل ما هو ضد الثورة والديمقراطية وتحويل هامش الحرية إلى “ولولة” صوتية واعتصامات وتحركات وبيانات ممجوجة من طرف الرأي العام وخصومات ومناكفات مع أغلب الفاعلين السياسيين من مختلفي المشارب الفكرية (“عياض اللومي” وآخرين من نواب حزب قلب تونس – مخلوف وأعضاء من كتلته – بعض قياديي وناشطي حركة النهضة – سامية عبو وبعض نواب كتلتها – النائب “مبروك كرشيد”)، وكلها من قبيل “دزني خليني ندزك” وسب وشتم وردود أفعال هدفها الأخير هو ترذيل النواب والعمل النيابي أي أداء دور وظيفي لمن يعيد إعادة النظام “الرئاسوي” وإقناع الرأي العام به وتجهيزه لذلك عندما يطرح كأجندة سياسية مستقبلية….

إقليميا، من الواضح أن “عبير العمدوني” وحزبها ونوابه هم عمليا في خدمة مباشرة وظيفيا لسياسات المحور المصري/ السعودي/ الاماراتي عبر ترديد مقُولاته وتنزيلها خطابا ومواقف ولكن بطرق بالية ومنفرة على غرار أسطوانة “الاخوان” و”الاخونة” وهو في الحقيقة مسار مرسوم لخدمة خطة بسط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية والدعاية للجنرال الليبي المتقاعد “خليفة بلقاسم حفتر” بل وخدمة حلفائه الإقليميين…

دوليا، رغم أنّه ليس للحزب أي مواقف مُعلنة من تطوّرات الصراع الدولي (الصين – روسيا – أمريكا) وحتى من الصراع العربي الصهيوني بل أنه ليس له أي قراءات – ولن تكون له – من قضايا التحرر في العالم باستثناء توظيف الإرهاب في مختلف البلدان واسقاطها على واقع القطر والإقليم، وذلك لا يعني أن خطابه السياسي لم ولن يتركز على دعم قوى دولية بعينها يلتقي معها مشغلوه وداعموه الإقليميين والذين يعطوه – أي الدستوري الحر- دائما أنبوب التنفس كلما اهترأت أوراقه ذلك أنه أسس وظيفيا لخدمة أجنداتهم الثقافية والسياسية والإقليمية بل أن زعيمته تغيرت محطاتها المختلفة وفق تلك السياقات وتلك الوظيفية…

 

“عبير” والبلاهة السياسية بعد سقوط خيارات حلفائها الإقليميين

عمليا ترسّخت وظهرت ملامح البلاهة السياسية لـ “عبير موسى” وبعض قيادات حزبها بعد سقوط خيارات وسيناريوهات إقليمية في نهاية ماي الماضي وخاصة بعد سيطرة قوات حكومة الوفاق الشرعية على قاعدة الوطية وهروب قوات حفتر من ترهونة (إعلانها مساندة تحركات 01 و14جوان الماضي ثم تنكرها في بلاغ صادر عنها لتلك التحركات)…

وإن كان علم النفس قد أكّد أن ملامح البلاهة عادة ما تظهر على أي إنسان غداة صدمة كبيرة ومروعة في حياته أو وجود كبت مميت لديه، فإن الثابت أن السياسية “عبير موسي” بدت فعليا بلهاء في خطابها وحركاتها أثناء كل حضورها سياسيا في كل مناسبة وفي كل محفل اجتماعي أو اعلامي أو في تسجيلاتها المُتكرّرة كميا وكيفيا، ووهي عمليا تعمد لمثل تلك التسجيلات هوسا كلما غيبها الاعلام لتظهر أكثر بلاهة في كل ظهور تلفزيوني أو أثناء جلسات مجلس النواب، وهل هناك أكثر بلاهة ووظيفية من أن تقيم خيمة أمام جمعية/فرع اتحاد علماء المسلمين بعد أن حسم القضاء في الأمر، خاصة وأنها محامية ومعلوم أن أشد أنواع البلاهة هو تكرار نفس الأمر ببلاهة أشد مع تغييب للأعراف والقوانين والاستشارات أم هي الشروط المفروضة للعب أدوار وظيفية ولو بتلك البلاهة بحثا عن تحقيق أهداف لا يُمكن تحقيقها بعد مباشرة الساكن الجديد للبيت الأبيض لمهامه بعد حوالي شهرين من الآن..

 

قيادات الدستوري الحرّ والتفاهة الممجوجة

وممّا لا شك فيه أن “التافه” اجتماعيا هو ذلك الذي يقول أو يفعل أي شيء في غير محله زمانيا ومكانيا بل وبعيدا عن الجدية المطلوبة، كما أن التافه هو موضوعيا من يأتي أفعالا وأقوالا لا قيمة موضوعية لها في ذهن القريبين منه، وعمليا تنطبق هذه المفاهيم قياسيا على مواقف وأفعال وتصريحات وتدوينات وفيديوهات “عبير العمدوني” ومن يُصرّحون من حزبها وقليلون هم من تسمح لهم بالتصريح أو بهامش الحركة سياسيا واعلاميا بل ن حتّى الرجل الثاني الحزب وأهم ثقاتها عادة ما يلعب في الصورة والتسجيلات دور “الكمبارص” الجميل وراءها ليبين الانضباط الشديد بأناقة مختارة تتناسب مع اناقتها وطريقة أدائها في ذلك الموقف، وان كان البعض يقبل ذلك كممارسة اتصالية مطلوبة حاليا فان اغلب المراقبين يؤكدون أن ذلك تتفيه ممنهج ومقصود للسياسية والسياسيين وسقوط مُدمّر في أداء أدوار وظيفية مقيتة لمنهج صهيوني الملامح والارتسامات في الإقليم وإذا ما حللنا ذلك في إطار جامع فان ما تأتيه “عبير” وبعض قياديي حزبها ونوابه هو تفاهة ممجوجة لا تحقق أي أدوار تذكر بل ان ما تأتيه منذ أسابيع يمحو ما حققته من تجميع كبير لأدوات التجمع الوظيفيين (بعض عشرات وربما مئات من المخبرين السابقين في الأحياء – بعض قليل من أمنيين مُتقاعدين ناقمين على الثورة والديمقراطية – بعض أنصار الشُعب والجامعات ممن اختفوا لسنوات وبعضهم توارى بعيدا عن مقر سكناه الأصلي- انتهازيين عادوا من ركب موجة بعض الأحزاب التي كانت تعارض المخلوع…)، ودليلنا على التفاهة السياسية للأمينة القارة للتجمّع المنحل منتصف العقد الماضي أنّها لم تجمع أي إطارات تذكر ولا أي قياديين قادرين على التصريح والتنظير وقادرين على قراءة الاحداث بعيد عن فلكلورية مواقفها ومواقف مُشغليها وحلفائها الإقليميين، وعمليا لم يُناصرها إلا قلة قليلة من النخب على غرار بعض مساعدي المخلوع او منظريه (وزير عدل المخلوع- أي “شعبان”- مثالا) أو ذلك اليساري المتجول والسائح السياسي والمطرود سابقا من حزب نداء تونس- أي ناجي جلول- …

 

“القذارة” المستوردة من الخديوي الجديد

زارت “عبير العمدوني موسي”، مصر السيسي أكثر من مرّة وهي معجبة به مواقف وسياسات، بل وحضرت أحد أهم مؤتمرات عقدها النظام المصري لتلميع صورته شبابيا وعربيا وإقليميا، بل هي لم تكتف بذلك حيث أنها ربطت نفسها ببعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين المصريين فيه ولذلك بدا خطابها في المدّة الأخيرة أكثر فلكلورية وتفاهة مثل بعض خطابات السيسي العجيبة والغريبة (والتي حيّرت المدونين ومرتادي شبكة التواصل الاجتماعي بشكل كبير) والغريب أنها تُشبهه في الأداء وفي تفاهة وبلاهة المُمارسة والمضمون وصولا إلى القذارة في رسم السياسات المرحلية أو حتى في التعاطي مع التطورات محليا وإقليميا ودوليا وذلك أمر بديهي بناء على أنّها سليلة نظام المخلوع الذي مارس القذارات طوال أكثر من عقدين من حكمه بحيث أنه تمّ في حقبته تعذيب المعارضين واغتصاب بعض بنات وزوجات الضحايا فكيف لا تلتقي من تمجّده ومن تغنت به مع نظام سياسي قام على الانقلاب على رئيسه المنتخب بل وقتله وهو في الأغلال وفي السجن بالذات؟ وهي مُهيّئة موضوعيا لتبني العقلية الانقلابية التي تتماهى مع الصهينة المستنسخة عربيا، فكيف يستغرب عدم قبولها لحكم قضائي؟، وكيف يُمكن استغراب قولها انها لا تعرف الأموال الداخلة لحسابها؟ وكيف يمكن استغراب قولها المورّط لحليف إقليمي لها على أحد قنواته الفضائية مما حدا بالقناة بقطع بثها؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق