الافتتاحية

عزلة دولية قاتلة..  وضعية مالية صعبة.. ودولة على وشك الانهيار..
وين ماشين؟
تونس في مواجهة المجهول!

“العزوزة هازها الواد وهي تقول العام صاب”..

هذا مثل، يمكن اعتباره أصدق تعبير على الوضع الذي تعيشه بلادنا اليوم، أسعار تلتهب، أجور غير مضمونة، تصنيف دولي من سيء إلى أسوا، مؤسسات عمومية مفلسة، والسيولة تكاد تنضب من البنوك مع عزلة دولية قاتلة. وضع ما فوق سريالي، يضع الدولة على حافة الانهيار بعد أن تم العبث بأغلب مؤسساتها من البرلمان إلى الحكومة التي أصبحت مجرد صدى باهت للقصر، إلى الولاة والمعتمدين المعزولين، وصولا إلى الحرب التي يبشّر بها البعض ضد البلديات المنتخبة ديمقراطيا.

مقابل ذلك يقع الترويج لحلول يرتبط بعضها بمساعدات وهمية إلى حد الآن من قبل بعض الدول الخليجية لتغطية أجور نوفمبر وديسمبر، فيما يرتبط بعضها الاخر بالتطبيع مع دولة الكيان الصهيوني مقابل تخفيف الضغوط الدولية على الانقلاب، وفسح المجال للصناديق الدولية كي تعود لتقديم الدعم والمساعدة لبلادنا..

وهذه الحلول وهمية لأن البلدان الخليجية لم تساعد السودان وهي تراه يتدحرج نحو الهاوية، رغم أنها هي التي وقفت وراء التحركات التي أسقطت حكم عمر البشير ولعبت آلتها الدعائية دورا كبيرا في اسقاطه بعد أن كان يُستقبل في العواصم الخليجية على أنه الأخ العزيز والصديق الوفي..  وأما دولة الكيان فإن نظرة سريعة إلى حال الدول التي طبّعت معها منذ السبعينات تكفي لنتبين أن المقابل الذي حصلت عليه هذه الدول لم يصل حد الفُتات، وهو حال مصر وبدرجة أقل الأردن، ولو كان التطبيع يطعم جائعا لما سقط حسني مبارك ولما سقط قبله بن علي.

ماليا نحن ذاهبون إلى الإفلاس ولن تزيدنا عمليات طباعة النقود إلا تضخما وانزلاقا للدينار مقابل العمولات الأجنبية الأخرى، وسياسيا نحن ذاهبون إلى بيع أو في أحسن الأحوال رهن البلاد إما لبعض الدول الخليجية أو لإسرائيل، لأنه لا توجد مجاملات بين الدول، ولن تُقدم لنا آلاف المليارات من أجل سواد عيوننا كما يقال، وكل مليم سيقبضه نظام 25 جويلية، سيبيع مقابله جزءا من وطننا وقرارنا السيادي. وما الحديث عن قروض ثنائية لتعبئة الموارد المالية إلا بيع أو رهن لمؤسسات ومقدرات الدولة.

كل ذلك مقابل ماذا؟ مقابل إصرار شخص أو جهة ما على المغامرة والمقامرة بمصير شعب ووطن وتجربة كانت رائدة في المنطقة والعالم؟ مقابل أحلام وأوهام شعبوية بالقدرة على تغيير العالم؟ هذا العالم الذي نستجديه لمساعدتنا؟

أم تلبية لرغبات مرضية لا زالت تسكن البعض وتوهمهم بالقدرة على استئصال واجتثاث طرف سياسي لم يستطيعوا مجاراته بالصندوق وعبر الانتخابات والاليات الديمقراطية؟

مقابل ماذا بعنا “نصيبنا” في إعمار ليبيا، ورهنا موقفنا الوطني لمصر التي استفادت نيابة عنا من كل الفرص الاقتصادية المتاحة في بلد عمر المختار من إعادة إعمارٍ وتشغيلٍ لليد العاملة وتصدير للمنتجات؟

للأسف لا أحد يريد التوقف قليلا وطرح هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها.. فالغالبية تبدو مأخوذة بالموجة تماما مثل “العزوز إلي هازها الواد” ولا أحد يستطيع الالتفات قليلا إلى الوراء والنظر إلى وضع الدولة التي قيل أن انقلاب 25 جويلية جاء لإنقاذها.

هل هي أقل أم أكثر تهديدا في وجودها اليوم مما كانت عليه يوم 24 جويلية؟ هل كنا قبل 25 جويلية مهددين بالإفلاس مثلما نحن عليه اليوم؟ هل كنا مهددين في سيادتنا؟ هل كنا مهددين بالتطبيع مثلما نحن عليه اليوم؟ هل كانت الدولة مهددة في مؤسساتها ووجودها عامة مثلما هي عليه اليوم؟

صحيح أن الوضع قبل 25 جويلية كان سيئا، ولكنه اليوم أكثر سوءا، وصحيح أن الأوضاع لم تكن تسير كما يجب ولكن الدولة لم تكن مهددة يوما في وجودها مثلما هي عليه اليوم.. كانت لدينا مصاعب اقتصادية نعم.. وكانت لدينا صعوبات في مواجهة وباء كورونا نعم، وكان الوضع السياسي غير مستقر والحكومة يتلاعب بها صبيان طلبة التجمّع، كل ذلك صحيح ولكن سوء الأوضاع حينها لا يبرر بحال من الأحوال القبول بالعبث بالدولة والتدمير الممنهج لكل مؤسساتها..

ورغم كل الصعوبات فالوضع كان تحت السيطرة، لأن الدولة محكومة بمؤسسات وقوانين، وكانت هناك آليات قانونية ودستورية يمكن الاحتكام إليها بما في ذلك الذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها.. أما اليوم فنحن أمام “المجهول” فلا أحد يعرف كيف تدار الدولة ولا وفق أي آليات وأية قوانين، ولا أحد يعرف إلى أين تسير بالضبط..

حالة الجنون هذه يجب ان تتوقف، والعبث بالعلاقات التاريخية لتونس مع جيرانها، وخاصة ليبيا، يجب أن ينتهي، ومواقفنا المنتقدة بشدة لما قبل 25 جويلية، لا يعني أن نرمي بأنفسنا في أي مكان، حتى وإن كان جهنم، ولا أعتقد أن من الحكمة أن نكون كما قالت العرب، كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهذه حالنا وللأسف الشديد.

وين ماشين؟

سؤال يُطرح اليوم بقوة في الشارع السياسي وبدأ يُطرح أيضا لدى عامة الناس، ويجد مشروعيته بعد أن تعاظمت المخاوف على مستقبلنا ومستقبل بلادنا، التي باتت تسير مباشرة إلى الهاوية.. ولا ينكر ذلك إلا من يُصرّ على العمى..

فكل المؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمالية وحتى الإنسانية تؤكد ذلك.. والقاع الذي تدحرجنا إليها عميقة وغير مسبوقة، فلم يحدث أن أصبح الدواء منّة من الدولة على مواطنيها، وخاصة أدوية الأمراض الخطيرة والمستعصية..  اليوم الدولة تمُنّ على مواطنة بغض النظر عن كونها نائبة أم لا، بثمن دواء السرطان وهذه النائبة ليست حالة استثنائية..

على العقلاء في هذا الوطن، وعلى عموم المواطنين، المسارعة بتشكيل جبهة وطنية لمواجهة ما يجري، ومحاولة وضع حد لهذا الانحدار الذي بات يهدد كيان الدولة علاوة على تهديده السلم والأمن المجتمعيين..  على القوى السياسية أن تترك خلافاتها جانبا، وأن تُوحّد صفها، وتُحسن تقدير الأوليات في هذه اللّحظة المفصلية الحاسمة من تاريخ بلادنا وانتقالنا الديمقراطي..

وعليها أن لا تعيد خطأ التسعينات الذي انتهى بالبلاد إلى عصر جليدي لم يستثن أحدا من القمع.. وعلى هذه القوى أن تكفّ عن استغلال حملات الشيطنة التي تعرض لها الانتقال الديمقراطي لمدة عشر سنوات في وسائل الإعلام، وتحميل المسؤولية عن كل المشاكل التي عانتها البلاد لطرف بعينه دونا عن الباقين. هذه القوى تدرك جيّدا حقيقة ما جرى وعليها أن تكفّ عن الاستثمار في المغالطة ظنا منها أن “الجو” سيخلو لها بعد إخراج خصومها من الساحة..

وفي المقابل، على القوى التي تحملت عبء الانتقال الديمقراطي أن تقوم بالمراجعات اللازمة وأن تعترف بنصيبها من الحقيقة والمسؤولية، وأن تُطمئن بقية الطيف السياسي وتقدم له رؤية واضحة لما بعد إزاحة الانقلاب بدءا من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وصولا إلى تحديد نصيبها من الحكم في أفق دورة أو دروتين انتخابيتين في المستقبل…

الجميع مطالب بتقديم التنازلات.. الجميع مطالب بمحاولة استيعاب كل المنظومات القديمة والجديدة والوسيطة، في إطار رؤية ومشروع وطني لإنقاذ البلاد.. قبل أن ينهار هذا الوطن.. وحينها سنبكي عليه كالأطفال لأننا لم نستطع الحفاظ عليه كما يفعل الرجال..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق