الافتتاحية

عملية سوسة الإرهابية الجبانة..
لماذا كلما اتجهت تونس نحو الاستقرار تحركت الخلايا النائمة؟

المستثمرون في الإرهاب شركاء في الجريمة

كلما بدا أن بلادنا تتجه نحو الاستقرار، إلا وعادت آفة الإرهاب لتضرب في جسدنا الحي من جديد، ولتذهب ببعض من فلذات أكبادنا.. حقيقة باتت اليوم مكشوفة ومفضوحة أمام الرأي العام، رغم محاولات الاستثمار والهرج الإعلامي الذي يتبع كل عملية إرهابية، وكأن ذلك هو المقصود منها..

عملية سوسة لم تخرج عن هذا السياق، فهي جاءت بعد أن تمكنت حكومة المشيشي من الحصول على ثقة البرلمان، وتشكل ائتلاف برلماني من ثلاث كتل رئيسية وهو ائتلاف يبدو واعدا وقويا، ويمكنه قلب موازين اللعبة السياسية في البلاد مثلما فعل لمّا مرّر حكومة المشيشي رغما عمن كانوا يريدون إسقاطها..

والأهم من هذا كله عودة النهضة للعب الدور المحدد والرئيسي للحالة السياسية في تونس وعودة رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي ليلعب الأدوار الأولى في البلاد ومن وراء ذلك عودة البرلمان ليقوم بالواجبات التي خولها له الدستور بما يعني إنهاء المرحلة الرجراجة التي تم خلالها الانقلاب على النظام السياسي وتحويله إلى نظام رئاسوي صرف أصبح فيه رئيس الحكومة مجرد مستكتب لدى القصر مؤتمن على القصبة.

هذا السياق الخاص، الظرفي لهذه العملية، وهو تقريبا نفس السياق العام لكل العمليات الإرهابية التي وقعت بعد سقوط النظام السابق والتي أريد منها إرباك ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي، من اغتيال بلعيد الذي وقع صبيحة مناقشة قانون تحصين الثورة بالبرلمان، فاغتيال البراهمي مرورا بعملية باردو وسوسة وشارع محمد الخامس وصولا إلى عملية سوسة الإرهابية الأخيرة..

الإرهاب موجود، وهو حقيقة ماثلة بين ايدينا، وهو مدان بأقصى العبارات الممكنة، هذه حقيقة لا ينكرها إلّا أعمى البصر والبصيرة.. ولكن الحقيقة أيضا أن للإرهاب أجندة واضحة، وهي ضرب عملية الانتقال الديمقراطي لأنها تمثل النموذج المقابل لما يبشر به.. فالإرهاب يستقطب الشباب عبر سردية عنوانها الرئيسي، لا إمكانية لتغيير أوضاعكم والتخلّص من الاستبداد وبالتالي من الفقر والجهل والتبعية إلا بالسلاح.. ولكن الثورة التونسية جاءت لتؤكد عكس هذه المقولة، ولتعطي لهذا الشباب اليائس مثالا حيا عن إمكانية التغيير بالطرق السلمية.. لذلك كانت المهمة الرئيسية للمنظمات الإرهابية إفشال هذا الانتقال الديمقراطي وغلق هذا القوس ومحو هذا النموذج..

هذه الأجندة الإرهابية تلتقي للأسف الشديد مع أجندات إقليمية عربية ودولية معنية هي أيضا بإفشال الثورة والانتقال الديمقراطي في بلادنا، وتعمل جاهدة على العودة بالمنطقة إلى مربعات الاستبداد، بل وما هو أسوا من مرحلة الاستبداد إلى ما يشبه الفرعونية الجديدة، التي لا تحكم بالحديد والنار فقط، بل هي تعمل على إذلال المواطن العربي والتنكيل به وكأنها تنتقم منه..

لذلك فإنّ المستثمرين في الإرهاب، هم شركاء أصيلون في الجريمة، بل هم المجرمون الحقيقيون، لأن آفة الإرهاب ما كان لها أن تستمر، لولا أنها تشعر بأن لها حاضنة سياسية وإعلامية تحقق من خلالها ولو جزء من أهدافها.. وهذه هي الحاضنة الحقيقية للإرهاب.. وهذه جريمة مضاعفة.. لأنها تلهينا عن المجرم الحقيقي وتُلفت الأنظار عنه، ولأنها تحقق أهدافه من خلال التواطؤ معه في استهداف الأطراف التي يعتبرها الإرهابيون خطرا على مشروعهم وهم أنصار الثورة والانتقال الديمقراطي في بلادنا والمنطقة..

للأسف أن القوى التي تصرّ على الاستثمار في الإرهاب لم تستفد من دروس التجارب السابقة، ولا زالت تصرّ على نهجها في الاستثمار في الدماء، ومحاولتها جعل الإرهاب جزءا من اللعبة السياسية في بلادنا.. فالنظام السابق حاول اللّعب على نغمة الإرهاب، وسعى إلى تشويه خصومه عبر اتهامهم بهذه الآفة، ولكن التقارير والتصريحات والاعترافات الصادرة والمسجلة بعد الثورة تؤكد كلها أن نظام الاستبداد هو الذي وقف وراء تلك الجرائم وهو الذي خطط لها ونفذها بإشكال مختلفة من بينها الاختراق..

لذلك فان الحديث عن أن الثورة هي التي جاءت بالإرهاب فهذا قول لا يصدر إلا عن جاهل أو كاذب.. فالإرهاب ضرب تونس في 2002 في عملية جربة الشهيرة والتي تمثلت في انفجار سيارة مليئة بالمتفجرات قرب كنيس الغريبة اليهودي، ونجم عن العملية قتل 14 سائحا ألمانيا وثلاثة تونسيين وفرنسيين، بالإضافة إلى المتسبب في الانفجار، وجرح 30 آخرين. وفي أفريل من نفس السنة اعتقل في باريس ألماني يدعي “كريستيان جانزارسكي” لعلاقته بالتفجير واتهم بأن لديه علاقات قوية مع جماعة القاعدة الإرهابية.

وقبل عملية جربة شهدت تونس في 11 فيفري 1995 عملية إرهابية استهدفت مركز الحرس الوطني “سندس” وهو مركز حدودي متقدم تابع لمعتمدية تمغزة من ولاية توزر وأدت إلى استشهاد 7 أعوان من الحرس الوطني.

ولقيت العملية حجما كبيرا من التعتيم ومحاولة لطمس الحقائق لحد اتهام الشهداء ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى وإخماد أصوات عائلاتهم وكل من يحاول إظهار الحقيقة بصفة نهائية، وفق تصريحات بعض القيادات الأمنية بعد الثورة.

وفي 10 سبتمبر 2004 صدر قانون مكافحة الإرهاب المعروف بــــ  “دعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال” والذي جاء كما قال المشرع حينها استجابة للحاجة الملحة للتصدي لهذه الظاهرة.. خاصة بعد ارتفاع عدد الشبان الملتحقين بما يسمونه “بساحات الجهاد” خاصة في العراق لمواجهة الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين..

وفي سنة 2007 استفاق التونسيون على صوت الرصاص في ضواحي العاصمة، وتحديدا في المنطقة الجبلية بحمام الانف، وامتدت المواجهات التي استمرت أسبوعا كاملا إلى جبل عين طبرق وجبل الرصاص من معتمدية سليمان.. وأسفرت المواجهات بين قوات الجيش والعناصر الإرهابية التي تنتمي إلى “جيش أسد بن الفرات” التابع لما عُرف بـ “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” عن مقتل 12 عنصرا إرهابيا .. وبيّنت التحقيقات أنّ عناصر التنظيم أقاموا في جبل بوقرنين والمرتفعات الممتدة إلى حدود جبل الرصاص مخيما لهم واستعملوه للقيام بالتدريبات على مختلف أنواع الأسلحة والعمليات الإرهابية..

وتواصلت العمليات الإرهابية بعد الثورة وكانت عملية الروحية أول عملية بعد سقوط النظام السابق، ومثلت العملية في العديد من أوجهها وخاصة العناصر التي قامت بها امتدادا للعمليات الإرهابية قبل الثورة، مع فارق مهم تمثل في ظهور محاولات للتوظيف السياسي للعمليات الإرهابية وتحويل الإرهاب الى جزء من اللعبة السياسية، وظهور نوع من التحالف الموضوعي أو التقاطعات بين الإرهابيين وأنصار الثورة المضادة وأعداء الثورة من القوى الإقليمية والدولية..

وكان لافتا للباحثين طبيعة العناصر الإرهابية، والمحاضن التي فرختها، فأغلب العناصر التي تورطت في الإرهاب هم من الشباب ومن خريجي المدرسة التونسية للأسف، وغالبيتهم العظمى إما غير متدينين أصلا أو حديثو التدين، وعدد كبير منهم جاهل بأبسط القواعد الدينية بل إن منهم من له سوابق إجرامية كالانحرافات بمختلف أنواعها أو المخدرات وغيرها..

لذلك فإن محاولة تجريم المؤسسة الدينية وخاصة المساجد أو الكتاتيب وتحميلها المسؤولية عن هذه الظاهرة، أو محاولة حصر المشكلة في الخطاب الديني وكيفية قراءته وهل نحن بحاجة إلى إسلام معتدل أم قراءة مستنيرة للدين الإسلامي، كلها انحرافات بالمشكل عن أسبابه الحقيقية..

ما نحتاجه اليوم، هو التوقف فورا عن الاستثمار السياسي في هذه الظاهرة، والعمل مع مؤسساتنا الأمنية والعسكرية صفا واحدا في مواجهة هذه الظاهرة، ومحاولة بناء تصور متكامل للتصدي لها.

ويبدو أن بعض القوى، تبدو غير معنية بالانخراط في هذا المجهود الوطني لأنها تستفيد أو تعتقد أنها تسفيد من الإرهاب في استهداف خصومها، وتصفية الحسابات معهم، خاصة إذا ما شعرت هذه القوى أنها فقدت بعض النقاط السياسية أو أن التجربة في طريقها إلى الاستقرار والنجاح..

وهؤلاء لم يتعظوا للأسف بتجربة الجبهة الشعبية التي جعلت من الاستثمار في دم بلعيد جوهر الفعل السياسي لديها حتى خرجت من الساحة أو تكاد..

نحو عشر سنوات من عمر الثورة كانت كفيلة بأن تبين أن تونس عصية على الإرهابيين وأن ملحمة بن قردان ليست استثناء بل هي منهج أبنائها في التعامل مع هؤلاء الخارجين عن الدين والوطن.. كما بينت أن تجربتها الوليدة في الانتقال الديمقراطي عصية على الخارجين عن السياق الوطني في الداخل أو المتآمرين عليه من الخارج..

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق