راي رئيسي

عندما يمعن “عبّو المهزوم” في تقزيم عبّو الوزير

لا يختلف المراقبون أن السيد محَمد عبّو رغم ولوجه عالم السياسة من بوابة الحقوقي، في العهد النوفمبري، ورغم ضعف تجربته السياسية التي لم تتجاوز انضمامه لـ “نادي” المؤتمر من أجل الجمهورية، قد فرض نفسه كأحد الرموز السياسية بعد الثورة، خاصة بعد بروز السيدة حرمه بتدخلاتها العنترية في مجلس باردو، والتي كانت بذاتها آلة دعائية متجدّدة للسيد عبّو تراوحت بين المبدئية القصوى والمزايدة البائسة، والصراخ العابث.

محمد عبّو نموذج السياسي الخفيف، الذي لم تكلفه السياسة ما كلفت أقرانه وأبناء جيله من مرور على التجارب الإيديولوجية والحزبية وما واكبها من دربة عملية على أصول العمل السياسي الصلبة.

بداية مشواره السياسي كانت باعتقاله سنة 2005 بعد أن كتب مقالة في موقع الكتروني، تزامنا مع قمة المعلومات الأممية التي عقدت بتونس، وقد كان ذلك كافيا يومها لتصنع الآلة الحقوقية الممتدة بين الداخل والخارج من عبّو رمزا للنضال الحقوقي ضد النظام البوليسي الذي بدأ يفقد السيطرة على نوازع التحرّر من قبضته في تلك الأيام.

بعيد الثورة سجلت الذاكرة السياسية للسيد عبّو استقالته المزدوجة والسريعة والغريبة من وزارة حكومة الجبالي أولا ومن الأمانة العامة لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ثالث أكبر قوة حزبية بعيد الثورة.

لم تكن أشهر السجن القليلة التي أمضاها عبّو في السجن كافية لتصنع منه السياسي المحترف، ولكنها كانت كافية لتصنع منه بطلا ألحق اسمه يومها بقائمة عشرات الأبطال التي برزت في الوقت الضائع حيث بدأ بن علي في المزاوجة بين سياسة البطش الشامل والقمع الناعم والموجه، وخاصة بعد قمة المعلومات وتوسع دوائر الاحتجاج الحقوقي على سياساته في الداخل والخارج.

لسنا بصدد تقييم التجربة النضالية للسيد عبّو ولا يهمنا منها إلا ما يتصل بالحاضر الوطني فالسيد عبّو ومراكمة لتجربته النضالية القصيرة أو السطحية، تمكن بنجاح باهر من تصريف رمزيته النضالية في سوق السياسة وأصبح كما هو معروف من رموز الحياة السياسية المؤثرة، بل قد عقد عليه الأمل في أن يكون رجل المستقبل، بما عرف عنه من تخفف من أثقال الانتماء الإيديولوجي ومواقف من اليوميات السياسية اتسمت في عمومها بالانحياز للزمن الجديد، والوسطية والاعتدال المطلوبة في الحيز السياسي، ورغم أن صوت حرمه المصون كان آلة دعائية جبّارة لصالحه، فإن مداخلاته الإعلامية كانت في عمومها معدّلة لتطرف ومراهقة صوت “اللبوة” حتى أن الألسن الطيبة والخبيثة رجحت أن يكون الأمر مدروسا في إطار ما يعرف بلعبة تبادل الأدوار بين عائلة آل عبّو.

المهم أن عبّو وبعد مساهمته النشطة في تدمير تجربة المؤتمر من أجل الجمهورية، أسّس حزب التيّار الذي برز في التشريعية الأخيرة بحصوله على ثالث نصاب برلماني و كتلة نيابية مكنته من أن يلعب دورا محوريا في تشكيل حكومة الفخفاخ، والهيمنة على القصبة.

ربما صدمة خروج الفخفاخ وسقوط حكومته بالسرعة المجنونة أفقدت السيد عبّو عقله ورصانته فتعدّدت زلاته الاتصالية، وفقد البوصلة وما كان يبديه من عقل وتعقل في تناول الشأن العام، وقد كان سقوطه في فخ التضادد والعدائية الشرسة والمجانية للنهضة أبرز أعراض الحالة المرضية التي أصابت أغلب رموز النضال ضد الاستبداد وطوحت بهم بعيدا في هوامش الحياة العامة وغياهب النسيان.

محمد عبّو المناضل صرف كغيره رصيده الرمزي في مربع السياسة ونجح نسبيا في تكوين حزب سياسي وسطي رشحه العديد من المراقبين لأدوار مستقبلية وازنة ولكنه وفي أول امتحان جدّي بعد خروجه من السلطة استقال من منصبه والحياة العامة في إعلان باهت وبسيط لا يليق بساسة الصدفة الذين عرفناهم بعد الثورة، فضلا عمن عقدت فيهم تونس الجديدة الأمل في تجديد النخبة وقيادة سفينة الوطن في الاتجاه الصحيح. عبّو الوزير ورجل الدولة، أمعن “عبّو المهزوم” في تقزيمه واغتياله المعنوي ليلة مروره على منصة سمير الوافي.

فائض النرجسية والتطاوس والتعالي الذي برز للمراقب البسيط في خطاب عبّو، وتبريراته المضحكة لأخطائه المتكرّرة منذ إفشاله لحكومة الجمني، وتوليه زمام الأمور بحكومة الفخفاخ، والتي كان فيها أكثر من وزير دولة وأقل بقليل من رئيس حكومة، فوائض الزعامتية المرضية تلك لا تفسر لوحدها إمعان عبّو في اغتيال رمزيته الطهورية التي أسّسها على معزوفة الثورة ومقاومة الفساد.

ولكأن السياسة قد عبثت بعبّو الصغير، حيث امتحنته في مصدر شرعية خطابه ورصيده المعنوي، فمنذ بروز شبهة الفساد في ملف صديقه الفخفاخ كان من المفترض وانسجاما مع سردية مقاومة الفساد التي أسّس لها خطاب التيار الديمقراطي، أن يكون زعيم الحزب في مقدّمة معركة الإطاحة بالفخفاخ بعد أن تبيّن من تقارير العديد من الجهات ثبات شبهة تضارب المصالح في ملف رئيس الحكومة.

الغريب المستغرب هنا أن عبّو والتيّار تعامل مع ملف الفخفاخ بعقلية “الحوماني” الساذج في انتصاره للصديق ظالما أو مظلوما، وسقط في تبرير مجنون لأخطاء لم يرتكبها، ولا يبدو أن له مصلحة سياسية بارزة في التستر على فضيحة الفخفاخ أو تبريرها، فتعرّت حقيقة عبّو كانتهازي صغير موبوء بعدائية غرائزية عجيبة لحركة النهضة، وموبوء أكثر بهاجس الحكم والسلطة، مثله مثل كل الذين مرّوا على صراط الحكم ولم يمروا بمسار الترويض الشاق على عمق التجارب السياسية و الحزبية، كما هو شأن جمعة والشاهد والفخفاخ وغيرهم ممن مروا على المسؤوليات في الجهاز الحكومي، وخرجوا جميعهم من شباك صغير وفي أياديهم محارم البكاء والنحيب على حظهم التعيس الذي أذاقهم كأس السلطة وحرمهم التداول من تخميرة إدمانها.

محمد عبّو الذي وصل به جنون النرجسية إلى اتهام زملاءه في حزبه بالفساد واتهام التونسيين بالانحطاط برز في جبة التائه الذي طوحت به السياسة في أخاديد الحيرة، وما اعلانه لاستقالته سوى تنفيسا لفشل سياسي مدوي لا يملك عبّو من الخبرة والحنكة والحكمة لإدارته، ففضل الهروب العاطفي للاستقالة استجداء لمناشدة ممجوجة من بقايا جمهوره الحزبي.

السياسي السوي والسياسي الناجح، هو الأقدر على إدارة فشله قبل نجاحه، والسياسة أم الفشل، هذا مالم يفهمه عبّو وهذا ما رمى به بقسوة في سراديب التطاوس المضحك والتعالي المخاتل وأفصح عن شخصية سياسية مهتزة تدعو للشفقة، هذا في حين وضع عبّو نفسه في مقام الزعيم البطل والجبل الشامخ الذي من المفترض أن لا يهتز للعواصف، فضلا عن ريح الفشل السياسي الذي لا يأتي إلا على ما أصفر من أوراق الشجر.

هناك من يفصل بين مصير عبّو، ومصير حزبه ومازال يراهن على التيار كحزب وسطي ووطني منحاز لتونس الثورة والديمقراطية، وكاتب هذه السطور إن كان غير سعيد بالنهاية التراجيدية لسياسي صاعد بعد الثورة، فإنه لا يستملح نكتة الفصل بين مصير الأحزاب وزعمائها. وتلك قصة أخرى…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق