الافتتاحية

عنوان الأزمة الحقيقي ومحاولات تشتيت الانتباه!

بغض النظر عن التطور الحاصل في الساعات الأخيرة والمتمثل في تكليف رئيس الجمهورية قيس سعيد للسيدة نجلاء بودن بتشكيل الحكومة، وهو (اللاحدث) بامتياز لأن تسيير دواليب الدولة سيتواصل بالشكل الذي سارت عليه منذ 25 جويلية، وهذا تكليف شكلي ومجرد استجابة لضغوط داخلية وخارجية متزايدة لا غير..وستظل القصبة تدار من قرطاج عبر مستكتب لدى القصر مكلف بتسيير شؤون الحكومة.

قلت إذا، بغض النظر عن هذا اللاحدث، فإن اللافت في الفترة الأخيرة، هو محاولات البعض صرف الأنظار وتشتيت الانتباه عن الأزمة الحقيقية في البلاد والتشويش في نفس الوقت على الحراك المتصاعد بخلق قضايا هامشية وتوجيه الاتهامات بالمسؤولية عن الأزمة للعناوين الخطأ.

الأزمة التي تعيشها بلادنا منذ شهرين تقريبا سببها الانقلاب، وعنوان هذه الأزمة الأبرز هو الرئيس الذي استغل تحركا محدودا ومبرمجا للانقلاب على المسار بفتاوى دستورية متهاوية..وهو نفسه الذي دفع بالبلاد التي كانت تعيش أزمة سياسية – لا خلاف في ذلك – دفعها إلى المأزق، عبر رفضه تشكيلة الحكومة المقترحة ورفضه الإمضاء على قانون المحكمة الدستورية..ووقوفه متفرجا طوال سنتين من تاريخ دخوله قرطاج دون أن يفعل شيئا رغم الأزمات المتتالية التي مرت بها بلادنا..ورفضه لمبادرات الحوار التي أطلقتها العديد من الجهات وعلى رأسها الاتحاد، وتعطيله لكل ما من شأنه أن يحلحل الوضعية الصعبة التي كانت تعيشها بلادنا.

وهو إلى ذلك الذي عيّن رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي، وإذا كان الأخير سببا في الأزمة التي عاشتها البلاد قبل 25 جويلية، فإن السبب الأصلي هو الذي عينه أي رئيس الجمهورية..ونفس الشيء يقال عن رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ..

حتى خلال أزمة كورونا، كان دوره سلبيا ولم يبادر إلى فعل أي شيء، وعطّل وصول المساعدات واحتكر بعضها، بحجة أنها مقدمة إلى رئاسة الجمهورية، وكان كل همه أن تغرق حكومة المشيشي ليتقدم هو باعتباره المنقذ وهو ما حصل فعلا.

إذا عنوان الأزمة الحقيقي، هو الانقلاب، وهو الرئيس، وليس أي طرف آخر، وكل من يحاول توجيه الأنظار عن هذه الحقيقة فهو متواطئ فعليا أو موضوعيا مع ما جرى في 25 جويلية وهو يخدم الانقلاب مباشرة أو بشكل غير مباشر.

للأسف بعض الشخصيات الوطنية، وبعض الناشطين، يحاولون القفز على هذه الحقائق، ويتغاضون عن الدور المريب لبعض رموز المنظومة القديمة، وعلى رأسها عبير موسى، التي عملت على أجندة واضحة وهي ترذيل البرلمان وترذيل الحياة السياسية والسياسيين، كما يتناسون اللوبي الإعلامي الذي عمل منذ 2011 على شيطنة الثورة ورموزها، والدور الذي لعبته بعض القوى الإقليمية والدولية في الوصول إلى لحظة 25 جويلية..

هؤلاء كان جزءا كبيرا منهم طرفا رئيسا في استهداف منظومة الثورة، وفي عرقلة كل إمكاناتها في الفعل، ومنهم من رفض المشاركة في أول حكومة بعد الثورة لأنها بقيادة حركة النهضة، ومنهم من ركب على قضية الاغتيالات وشارك في اعتصام الرحيل وفي تشكيل جبهة الإنقاذ بقيادة المرحوم الباجي قائد السبسي، الذي أعاد من خلال ترأسه لتلك الجبهة المنظومة القديمة إلى الواجهة، وافتك لها موقعا مهما في المشهد الجديد لتونس بعد 2011..

ومنهم من تواطأ بالصمت وبالفعل مع كل ذلك القبح الذي طبع المشهد البرلماني، نكاية في النهضة وفي رئيسها..حتى وصلنا إلى لحظة كفر فيها الشارع بالثورة وبالبرلمان وبالحرية والديمقراطية..واليوم يتجرأ هؤلاء ليتهموا غيرهم بالمسؤولية عن الأزمة التي عاشتها البلاد قبل 25 جويلية، ويحملونهم بالتالي المسؤولية عن الانقلاب..

والأغرب من هذا أن نقد بعض هؤلاء لتجربة 2011 إلى 2019 وصولا إلى الانقلاب، يبدو أكثر توازنا من المواقف التي عبّر عنها بعض المنسحبين من حركة النهضة الذين حملوا رئيسهم وحركتهم كل المسؤولية عن كل المشاكل والأزمات التي عاشتها بلادنا منذ 2011، رغم أن هؤلاء كانوا أعضاء بارزين في الطاقم القيادي في حركة النهضة طوال كل تلك الفترة، كما كانوا جزءا من الطاقم الوزاري في فترات مختلفة..

هؤلاء كانوا في قلب صناعة القرار في الحركة وفي الحكومة، منذ نحو 10 سنوات ولم يجدوا وقتا أنسب للانسحاب إلا بعد الانقلاب..مع حملة إعلامية مركزة تستهدف حركتهم ورئيسهم..لا يمكن أن تقرأ إلا في إطار خدمة مجانية للانقلاب، أولا بمحاولة إيجاد مبررات أو مسوغات لما أقدم عليه وفي نفس الوقت تحميل غيره المسؤولية عن الأزمة..ثانيا عبر تشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن الخطر الداهم الحقيقي اليوم في تونس وافتعال قضايا هامشية يستفيد منها الانقلاب أولا وبالأساس..في الوقت الذي تصاعدت فيه حدّة الانتقادات والضغوطات من أجل العودة إلى الشرعية..

وسواء الذين انطلقوا من منطلقات أيديولوجية ولا يزالون محكومين بعدائهم المحموم لحركة النهضة أو الذين انسحبوا منها وفضلوا تصفية حسابهم مع حركتهم ورئيسها في هذا الوقت أو المتخوفون من زعامة الغنوشي ومن إمكانية أن يكون يوما ما منافسا جديّا على الرئاسة..كل هؤلاء سمحوا لأنفسهم بالقيام بأبشع المغالطات في حق البلاد والعباد، فقط لتصفية حسابات ضيقة وبائسة إلى أبعد حد، على حساب مصلحة البلاد وفي خدمة مجانية للانقلاب..

..يقيني أن كل من يصرون على الإقصاء وإن بلغة “دبلوماسية” لا يختلفون في شيء عن منطق الانقلاب، ويقيني أيضا أن كثيرا ممن يقفون الآن ضد الانقلاب كانوا من الذين هيئوا له الأسباب عبر سنوات من استهداف التجربة والوقوف في صف أعدائها..وما فعله قيس سعيد هو تتويج لمحاولات مستمرة للانقلاب على المسار بأشكال مختلفة.

لذلك وعلى كل من يريد أن يبني حياة سياسية سليمة وأن يؤسس للشرعية ودولة القانون والمؤسسات ويبعدنا عن المشاريع الفاشية والانقلابية بحق أن يدرك:

1- أن المعركة اليوم أولا وقبل كل شيء هي مع الانقلاب ومن أجل استعادة الحياة السياسية الديمقراطية واستكمال بنائنا الديمقراطي..

2- وبالتالي فإن عنوان الأزمة الرئيس هو قرطاج وليس أي مكان آخر وأي محاولة للتعويم أو التشتيت هي خدمة مجانية للانقلاب.

3- أن الحل يكمن في التخلي عن منطق الإقصاء وعن الأوهام الأيديولوجية التي لا زالت تسكن البعض، والتي تسببت في تشتت الصف الثوري وأضعفت التجربة وسمحت لخصومها بالعودة إلى المشهد، والإيمان في المقابل بضرورات القبول بالاختلاف والتنوع وقيم العيش المشترك.

وبعد إزاحة الانقلاب يمكن للقوى السياسية أن تعقد مؤتمرا وطنيا يخصص لتقييم المرحلة السابقة بشكل موضوعي والقيام بالمراجعات اللازمة، وحينها فقط يمكن أن يتحمل كل طرف نصيبه من الخطأ، وحينها فقط سنعرف من ضحى من اجل هذه التجربة ومن أثخن فيها الجراح، وبعد ذلك يقع الإعداد للانطلاق نحو المستقبل عبر تقديم خارطة جماعية للمرحلة القادمة.

أما الذين لا زالوا يحلمون بــ “الديمقراطية الاستبعادية” التي يبشر بها البعض، نقول لهم هذه ليست ديمقراطية، وهي ليست إلا عودة إلى نفس منطق وسياسات بن علي..منطق تعالوا نستبعد الإسلاميين ونبني ديمقراطية نتقاسم فيها كعكة الحكم، في غياب المنافس الأقوى..

هذه كذبة تضحكون بها على أنفسكم، فلا توجد ديمقراطية باستبعاد الطرف الأغلبي – على الأقل وفق آخر انتخابات جرت في البلاد – ومن شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة يدركون هذا المعطى جيدا..

هذه “ديمقراطية وهم وخداع” ومن سيقبل بها سيكون مجرد (كوبري) أو “محلل” لمشاريع إقليمية ودولية همها إقصاء القوى التي تعبر عن روح هذا الشعب..ولن تكون نهايته إلا كما كانت نهاية من باركوا لبن علي سياساته، ولا أعتقد أن من أمضى حياته مناضلا يمكن أن يقبل أن ينهيها “تيّاسا” مهما كان موقفه من الثورة ومن أتت بهم الثورة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق