الافتتاحية

عودة العقل

استئناف النشاط بمجلس النواب..
إجماع وطني على حماية مؤسسات الدولة..
رفض الفوضى والأجندات المشبوهة..
ودعوات إلى ترشيح رئيس حكومة يحظى باجماع وطني واسع..

يبدو أن البحث لا يزال جاريا عن مرشح توافقي، يكون الأقدر بالفعل، والقدرة هنا هي قدرة عدديّة، يعني القدرة على الحصول على العدد الكافي من الأصوات في البرلمان، والخروج بالتالي من التعريف الفضفاض لمفهوم الأقدر والذي ظلّ رهين تقديرات شخصية قد تخطئ وقد تصيب..

والقدرة تعني أيضا تشكيل حكومة بأوسع حزام سياسي ممكن، تكون قادرة على مواجهة التحدّيات الاقتصادية الرهيبة التي نواجهها بسبب تداعيات كورونا على بلادنا وعلى العالم..

والمؤمّل اليوم من رئاسة الجمهورية أن يكون خيارها في تجسيد الشخصية الأقدر، تلك التي يكون باستطاعتها تحقيق أكبر قدر ممكن من إجماع التونسيّين.. وتأخذ بعين الاعتبار قدرة هذه الشخصية على تكوين حزام سياسي يستطيع تأمين استمرار الحكومة القادمة حتى نهاية العهدة الانتخابية، إضافة إلى معالجة التحدّيات الاقتصادية التي تنتظرها. خاصة وأن الكثير من أصدقاء بلادنا ومن المؤسسات الدولية والجهات المانحة، ومنها (صندوق النقد الدولي FMI) علّقت برنامج مساعداتها لنا، وهذه الجهات تنتظر الخيار الذي سيُقدم لترأس الحكومة والحزام السياسي الذي سيتشكل حوله، وهل سيحقّق الاستقرار الحكومي لفترة معقولة أم لا؟

والمؤمل أيضا أن يكون في الخيار القادم تجاوزا للأعطاب والأخطاء التي ارتُكبت خلال تكليف وتشكيل الحكومة السابقة، التي قامت للأسف الشديد على الإقصاء أطراف وازنة في البرلمان، وهي أطراف حلّت ثانيا في الانتخابات التشريعية السابقة، وحظيت بنصيب وافر من أصوات الناخبين..

الغريب أن بعض الأصوات تريد إعادة استنساخ نفس التجربة وإعادة نفس الأخطاء، ولكن بشكل أكثر فداحة، وخاصة الأطراف التي تدعوا اليوم إلى إقصاء الحزب الأول.. وكأننا بهؤلاء لم يستوعبوا الدرس، وهم ماضون في غيّهم، وبدل الاتعاظ بفشل الحكومة المستقيلة، يمضون إلى مزيد من المغامرة والمقامرة السياسية، وفرض حالة من العبث التي لا تقدّر حجم المخاطر التي تمر بها البلاد..

لقد ثبت وللأسف الشديد أن هؤلاء لا يفكرّون إلا من داخل مصالحهم الحزبية الضيقة، ويبدو أنهم محكومون أكثر بأوهام الصراع الايديولوجي، والرغبة في إقصاء واستئصال الخصوم من المشهد، بدل التركيز على مواجهة الكارثة التي نحن بصددها..

ولكن تونس ستتصدى وتنتصر على حالة العبث التي يريد البعض فرضها علينا، ونحمد الله أننا اليوم أمام إجماع وطني حقيقي على رفض الفوضى، من رئاسة الجمهورية التي عبرّت في أكثر من مناسبة مؤخّرا عن رفضها لما يجري في البرلمان واستعدادها للتدخّل بكل الأشكال التي يسمح بها القانون لمنع محاولات المس بالمؤسسات الرسمية.. وهو ما أعادت الرئاسة التأكيد عليه يوم أمس حين قالت أنها لن تسمح بأن يكون في تونس عملاء يتآمرون مع الخارج ويهيئون الظروف للخروج عن الشرعية.

وما يقال عن رئاسة الجمهورية يقال أيضا على رئاسة البرلمان والمؤسسة القضائية والأمنية بما يعني وقوف الدولة كلها خلف المؤسسات الشرعية المنتخبة وإجماعها على رفض الفوضى وإصرارها على القيام بواجبها بمهنية وحيادية رغم محاولات البعض الزجّ بهذه المؤسسات وخاصة مؤسستي الأمن والقضاء، في أتون الصراع السياسي الدائر اليوم في بلادنا ووضعها في موقف محرج ..

هذا الإجماع يعتبر هزيمة للأجندات الأجنبية التي تشتغل على الإرباك والفوضى، وتحاول العودة ببلادنا إلى حالة اللااستقرار التي جعلتنا في سنوات 2012 و2013 و2014 على حافة الحرب الأهلية.. وهو ما تشتغل عليه بعض القوى في الداخل للأسف الشديد التي تعمل جاهدة على زعزعة استقرار تجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي، وتختلق القضايا وتفتعل الأزمات، عبر الاعتصامات في البرلمان ومحاولة سحب الثقة من رئيسه، وإرباك عمل المؤسسة التشريعية.

ولكن وللأسف وفي الوقت الذي عاد فيه العقل إلى البعض وهدأت الأوضاع شيئا ما في البرلمان، نجد أن بعض أدعياء الثورة، يمعنون، عبر مواقفهم وبياناتهم، في الاصطفاف مع أعداء الثورة ومع الفاشية فيما يشبه السقوط الحرّ لقوى كانت إلى وقت قريب تشترط على شركائها في الوطن ضمانات كي “يعودوا إلى الصف الثوري”!

وبلغت حالة الانكشاف بهؤلاء، وسقوط الأقنعة، حدّ الدعوة إلى حكومة تقصّي الفائز الأول في الانتخابات ويشارك فيها قلب تونس وتدعمها القوى “الفاشية”.. وهم الذين استماتوا خلال تشكيل حكومة الفخفاخ على إقصاء قلب تونس بحجة الفساد..

ويبدو أن الأمر تجاوز الانكشاف إلى حالة من الجنون، جعلت البعض لا يتوانى عن محاولة توظيف رئاسة الجمهورية في صراعهم مع خصومهم، وإخراجها بمظهر من يصطف مع الفساد، عندما حاولوا خلق محور وهمي بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المستقيل.. وبلغ بهم الأمر يوم أمس، حدّ محاولة توريط الرئيس في تصريحات مغلوطة وجّه فيها اتهامات جزاف عن سرقة أو ضياع ملف من المحكمة يتعلّق بحادث السيارة الثانية لوزير النقل السابق أنور معروف.

وهو ما وضع الرئاسة في موضع محرج خاصة بعد أن ردّ الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بتونس على هذه التصريحات ونفى سرقة أي ملف يتعلق بالقضية..

حالة من “اللخبطة” السياسية الشاملة، تجعل من العودة إلى العقل من قبل الجميع، حاجة وطنية ضرورية ملحّة وعاجلة.. وتدفع بالجميع إلى التخلّي عن منطق المغالبة والمناكفة السياسية، وتحثهم على مراجعة النفس وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الصراعات والحسابات الحزبية الضيقة، والعودة في أسرع وقت إلى أجواء التوافق السياسي التي حمت سفينة بلادنا من الغرق…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق