راي رئيسي

“غزوة اللصوص” لن تهزم ثورة الحريّة

شهدت البلاد خلال الأيام الأخيرة جملة من التحرّكات الليلية بمختلف مدن ولايات الجمهورية رافقتها عمليات حرق وتخريب ونهب لبعض المحلات والمنشآت العمومية والخاصة، وتم تسجيل اعتداءات على القوّات الأمنية التي ظلّت في حالة تأهّب وكرّ وفرّ مع المخرّبين من أجل حماية الأملاك والمؤسسات وحفظ الأمن والنظام العام بالبلاد..

والحصيلة خلع محلات ونهبها وسرقتها وأكثر من 700 موقوف أغلبهم مراهقين وقصّر وبعضهم توجهت لهم تهم خطيرة كمحاولة القتل.. إلى جانب محجوزات هي عبارة عن أموال وزجاجات حارقة وأقراص “أكستازيا” المخدرة..

الاحتجاجات الليلية لم ترافقها كما هو معلوم لا شعارات ولا مطالب اجتماعية ولا حتى سياسية، فقد كانت أقرب إلى عمليات عصابات وبلطجة، وتوتير للأمن وتحريك للقصر وتخريب للمنشآت، واعتداء على الملك العمومي والخاص وإنهاك للقوى الأمنية باختطاف مجهوداتها عمّا هو أهم وأخطر في هذه المرحلة..

وكما تعودنا في كل مرّة تحدث فيها مثل هذه الأعمال، لم يفوت سماسرة السياسة وجرحى العملية الديمقراطية بمساندة بعض دكاكينهم الإعلامية من ركوب هذه الفوضى وتلبيسها ما لا تحتمل تلبيسه.. بين من اعتبرها انتفاضة شعبية وبين من اعتبرها مظهرا من مظاهر العنف الثوري وبين من قال هي بداية إرهاصات ثورة ثانية ستصحح مسار الثورة الأولى.. وبين من أسقط عليها أمنياته ورغباته السياسية بقلب النظام القائم والانقلاب على العملية الديمقراطية والدستورية وخلط الأوراق وتوزيعها من جديد بما يتماشى مع رغبته وهواه هو لا مع ما يحترم رغبة التونسيين..

الاحتجاج وحرية التعبير حق دستوري يكفله دستور الثورة والجمهورية الثانية ولا مجال للمفاصلة فيه، بل لم يعد من حق أي كان اليوم مصادرته أو الاعتداء عليه، هذا أهم منجزات ثورة الحريّة والكرامة.. إذا من حق كل تونسي يعيش اليوم تحت سقف الثورة ودستور 2014 أن يمارس هذا الحق بكل حرية وأمان والدولة مجبرة لا مخيرة على احترام هذا الحق بل وحمايته.. وأصحاب هذا الحق لم يعودوا مضطرين منذ 14 جانفي 2011 للخروج في جنح الظلام أو التخفّي لممارسته أو التعبير عن آرائهم أو إيصال مطالبهم، أو الاحتجاج عن وضع ما..

ومن ثمة، فالاحتجاج حق دستوري وممارسة ديمقراطية، طالما يتم وفق أصوله التي ترتكز على جملة من المطالب الواضحة، يتم رفعها في وضح النهار، بطريقة سلمية ومؤطرة..

فهل ما شاهدناه خلال الأيام الأخيرة يندرج في إطار هذه الاحتجاجات؟ هل كان في وضح النهار؟ هل رافقته مطالب وشعارات واضحة ومحدّدة؟ هل كان مؤطرا ومنظما؟ هل احترم سلمية الاحتجاجات؟

قطعا لا، ولو حاول من حاول أن يلبسه غير حقيقته ويتعسف على سياقاته، فالصور والفيديوهات والوقائع التي تابعناها تثبت العكس وتفنّد ما حاولوا إيهام الرأي العام به.. لا لشيء إلا لأن الرأي العام كان شاهد عيان هذه المرة في الأحياء والشوارع والأزقة والأنهج التي شهدت هذه التحرّكات وعاينوا بأنفسهم شكلها والأعمال التي رافقتها..

التحركات الليلية كانت عبارة على حرب عصابات وعمليات كرّ وفر، رافقتها اعتداءات على الممتلكات وعمليات حرق وسرقة ونهب واستفزاز واضح لقوات الأمن، مؤثثوها  مجتمع ليلي بتعبير الأخصّائي في علم الاجتماع مهدي مبروك، لا علاقة له بالمجتمع النهاري، حيث يعيش جزء كبير من هذا المجتمع من عالم الليل في (العلب الليلية، الخراب والأزقّة والضيعات المهجورة في الأرياف(، لذا فتحركاته لا يمكن أن تتصف ببعد احتجاجي وليس لها أي علاقة بالواقع الاجتماعي لأنها تقوم على أعمال تخريب ممنهجة وتتزامن في نفس التوقيت وبنفس الأساليب بمعظم المدن والقرى، ولا علاقة لهم بسردية الثورة التي لا تمثل لهم جاذبية، كما أن لا علاقة لهؤلاء بالمجتمع المدني ولا الجمعيات المؤطرة للشباب..

إذا ولأن المطالب الاجتماعية في دولة الحرية والديمقراطية تتم في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع الجميع دون تواري ولا تخفّ، فقد بان بالكاشف أن ما حدث من تحرّكات ليس سوى عمليّات نهب ولصوصية وتخريب وسرقة ليست لها أي علاقة بمطالب التنمية والتشغيل، ولا باستحقاقات الثورة ومسارها..

كما لا يمكن أن تخطأ عين متابع في أن ما حدث من تحرّكات متزامنة في كل الجهات وكل الولايات والمدن والمعتمديات، وخاصة في الجهات الساحلية التي لم تشهد من قبل أحداث مماثلة، أن ما حدث لا يمكن أن يكون عفويا، خاصة وأن الأغلبية الساحقة من الفاعلين في ذلك هم من المراهقين دون 18 سنة وهم ليسوا أرباب أسر ولا يعانون من المديونية أو الإفلاس أو البطالة.

إلى جانب طبعا التحريض المبطن والشعارات التي صدرت في اتجاهات معينة قبل اندلاع هذه التحرّكات ما يؤكد وجود جهات تنظم وتحرّك هذه الأعمال وتشرف على التنسيق وإعطاء كلمة السرّ. ونحن ندرك جيدا أنه على أجندة الملف الاجتماعي تتقاطع أجندات واستراتيجيات متناقضة وأهمها وأكثرها حماسا ونشاطا لم تثبت ولاء للثورة ولا انحيازا للديمقراطية..

فهؤلاء الذين لم يفهموا أن الثورات لا تموت ولا تهزم، وأن المسار الديمقراطي ماض في طريقه رغما عنهم لأن هكذا سنن التاريخ التي تخبرنا أنه لا يعود ولا ينتكس إلى الوراء.. ونحن اليوم في مرحلة اللاعودة.. هؤلاء الذين لا يريدون أن يستوعبوا أنهم لا يملكون برنامجا ناجزا لا لإسقاط نظام ولا لحكم بلاد وتسييرها، هؤلاء عليهم أن يفهموا اليوم أنّ كل ما يقومون به من عبث قد يجهدنا ويضنينا ويكلفنا وقتا أطول لإنجاح انتقالنا الديمقراطي ولكنه لن يمنعنا من النجاح.. فكفاكم عبثا واطرحوا الحلول إن كنتم صادقين، فكل الاطراف السياسية تقريبا ممثلة في مجلس نواب الشعب، فما يمنعكم عن طرح بدائلكم واحراج من في السلطة؟ ما يمنعكم عن طرح بدائلكم وحلولكم في مجلس له سلطته وصلاحياته؟ لم تفضلون قطع يد السارق قبل أن تحاكموه؟ لما تصرون على الاستنجاد بالشارع، وأي شارع، شارع الليل وأصحاب الجنح والأحداث لتمرير أجندات لم يمنعكم أحد من طرحها والمجاهرة بها بقوة وبصوت عال؟ لم لا يطرح من يدعون انفجار الوضع بدائلهم وحلولهم الإنقاذية أمام عموم الشعب وأبواب دكاكينكم الإعلامية مفتوحة على مصراعيها لكم صباحا مساء أم أنها مجعولة فقط للتحريض وزرع الفتن والكراهية والثلب والتهييج والكذب والتزييف والتآمر على الثورة والتشكيك في منجزها؟؟
كفاكم عبثا بالوطن ومتاجرة بهموم الناس وأوجاعهم وهاتوا حلولكم إن كنتم صادقين، فثورة اللّصوص لا يمكنها أن تهزم ثورة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق