راي رئيسي

فتح الحدود يوم 27 جوان 2020..
قرار أخرق يرتقي إلى جريمة دولة..

(1)

تتوالى نشرات وزارة الصحة، والأخبار الواردة من كافة أنحاء البلاد هذه الأيام تنشر معها حالة من الخوف والتّوجس والرّيبة وشعورا بالعجز، عجز الدولة والمنظومة الصحية، واستهتار الأفراد والجماعات، وضبابية المستقبل أمام تحذيرات تأتي من هنا وهناك “تبشر” بالويل والثبور وسوء المنقلب.

منذ أيام قليلة، حطمنا رقم 10000 إصابة بفيروس كورونا (11260 وفق إحصائية يومي 20 و21 سبتمبر 2020)، وهو رقم تشير الدراسات العلمية أنه أقل بكثير من الحالات المنتشرة هنا وهناك بين أحضان الطبيعة وفي الأسواق والمقاهي والمدارس والمعاهد والجامعات والحافلات والفضاءات العامة والخاصة، ويذهب بعضها إلى أن العدد الحقيقي للمصابين يتراوح بين 10 أضعاف إلى 100 ضعف ما يتم الكشف عنه عقب التحاليل المخبرية مما يجعل عدد المصابين الحقيقي في تونس اعتمادا على هذه طريقة ووفق آخر إحصائية معلنة من قبل وزارة الصحة يتجاوز المليون شخص مصاب (11260 ضارب 100 يساوي 1126000) أي حوالي عشر عدد سكان تونس، وهو رقم خطير جدا، يتجاوز بكل المقاييس جهود المجموعة الوطنية، تنبئ عنه بشكل أو بآخر حالة التخبط والعجز والغياب المتعمد لوزير الصحة الحالي، النكرة الذي جيء به ليمسك أهم مرفق على الإطلاق في هذه الفترة من تاريخ البلاد.

آلاف التونسيين حاليا مصابون بفيروس كورونا، لا تبدو عليهم علامات بيّنة، وقد نكون منهم، يتجولون بكامل الحرية، يعيشون بين أحضان عائلاتهم، مع زوجاتهم وأبنائهم وزملائهم في العمل، يتسوقون، يتقاسمون نكهة الشيشة ولعب الرامي والشكبة والدومينو مع ندمائهم في المقهى، يركبون الحافلة والمترو، يرافقون أبناءهم إلى المحاضن والمدارس والمعاهد، ولا يتخلفون عن مشاركة أحبائهم وأصدقائهم وأقربائهم أفراحهم وأتراحهم، يعانقونهم تهنئة وتعزية، وينشرون العدوى حيثما حلوا.

وبين الحين والحين، وكلما عنّ لنا أن نتصفح آخر الأخبار على شبكة التواصل الاجتماعي تعترضنا أنباء الوفيات التي تضاعفت خلال الفترة الأخيرة بشكل غير مسبوق.

الحكومة في حالة عجز، وصمت، غير قادرة على تلبية حاجيات عدد الراغبين في إجراء التحاليل لكلفتها الباهظة، تبدو وكأنها لعجزها تترك الحبل على الغارب، وتستسلم، بل وتدع التونسيين لمصائرهم، ومن نجا بنفسه فقد نجا ومن لم ينج (لنا وله رب كريم، ورحمه الله ورزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان).

حين نسأل مديري المدارس والمعاهد عن نسب حضور التلاميذ والتزامهم بالبروتوكول الصحي ونظام الأفواج، سنجد أن عددا كبيرا منهم لم يلتحق بمقاعد الدراسة خشية من أوليائهم عليهم من الإصابة بالفيروس.

صاحبة حضانة اجابتني حين سألتها عن مدى إقبال الأسر على إيداع أبنائها بمؤسستها أكدت لي أن عددا ضئيلا جدا لا يتجاوز ربع طاقة استيعابها قد سجلوا أبناءهم بحضانتها خوفا عليهم من التقاط العدوى.

 

(2)

منتصف شهر مارس قررت الحكومة إغلاق الحدود التونسية في وجه كل القادمين إلى البلاد من خارجها باستثناء العالقين منهم من التونسيين، والتزم التونسيون بالحجر الصحي العام وأغلقت المؤسسات واشتغلت الإدارات بوتيرة حذرة وأغلقت المقاهي والمساجد والحمامات العمومية، وتمكنا من اجتياز الموجة الأولى بأخف الأضرار (صحيا على الأقل) حتى باتت تونس مضربا للأمثال، ومصدرا للفخر، وبلغت نسبة المصابين بفيروس كورونا الصفر في آخر المطاف.

وبالمقابل شهد الوضع الاقتصادي حالة من الانكماش بلغت آنذاك -7% في أسوأ ركود شهدته البلاد منذ أكثر من 60 عاما فيما ارتفعت أعداد العاطلين عن العمل بنحو 275 ألف عاطل جديد وفقا لدراسة أنجزتها الحكومة بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فيما تراجعت إلى النصف إيرادات القطاع السياحي الذي يمثل بين 8 و14% من الناتج المحلي الإجمالي ويضم نصف مليون موطن شغل مباشر، ونصفها من مواطن الشغل غير المباشرة وذلك خلال الأشهر الخمس الأولى من سنة 2020 مقارنة بنفس الفترة من سنة 2018 بالإضافة إلى بقاء الفنادق والمنتجعات التونسية خاوية بسبب إجراءات إغلاق الحدود والحجر الصحي العام.

وبسرعة فائقة، وقع الترويج لحملة إعادة فتح الحدود، فأكد وزير السياحة محمد علي التومي في تصريحات إذاعية بأنه “تم رسميا إدراج تونس في قائمة المناطق الآمنة كوجهة سياحية من قبل منظمة عالمية للسياحة”. وذكرت وزارة السياحة والصناعات التقليدية التونسية عبر حسابها في موقع “تويتر” بأن المجلس العالمي للسفر والسياحة أعلن أن تونس قد حصلت على علامة “السفر الآمن” باعتبارها جاهزة على المستوى الصحي لاستقبال الوافدين وبذلك تكون تونس أول بلد عربي يفتح حدوده أمام حركة السفر في حين لم تقدم أي دولة عربية أخرى آنذاك على فتح حدودها ضمن تدابيرها الوقائية من تفشي فيروس كورونا.

في ذات السياق انخرط ضمن الحملة أعضاء من اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا من ضمنهم جليلة بن خليل التي صرحت أن التونسيين مطالبون بالاستمرار في الالتزام بالإجراءات الوقائية سواء فتحت الحدود أو لم تفتح مؤكدة أن “الوقاية ستصبح جزءاً من عاداتنا اليومية مع استمرار تفشي كورونا في العالم واحتمال ظهور فيروسات أخرى مستقبلاً” ومضيفة أن إغلاق الحدود لن يستمر إلى ما لا نهاية له، وأن كل دول العالم تتجه نحو فتح حدودها وإعادة الحياة لاقتصاداتها ومن الواجب علينا في تونس إخضاع جميع الوافدين لتحاليل مسبقة مع متابعة تحركاتهم في البلاد ومستبعدة في الآن ذاته موجة وبائية جديدة في تونس.

وقد أكدت بن خليل أن اللجنة العلمية ستعيد إجراء تقييم إثر فتح الحدود بفترة لاتخاذ القرارات اللازمة في حال تطور الوضع الوبائي بالبلاد (يبدو أن اللجنة لم تقم بأي تقييم لفتح الحدود أو أنها قامت به وكتمته لتعليمات وحسابات سياسية) مبررة القرار (بعيدا عن اختصاصها العلمي) بصعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض على تونس فتح حدودها رغم المخاطر الصحية التي يمكن أن يحدثها ارتفاع عدد الوافدين من دول موبوءة

وتزامنا مع القرار أطلق عدد من المدونين و نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي حملة تطالب بعدم فتح الحدود فيما عبرت حركة النهضة في بيان لها عن انشغالها الشديد بالمخاطر التي يمكن أن تواجه البلاد في صورة موجة ثانية من انتشار الفيروس مما يستوجب الحذر من كلّ تهاون في الإجراءات الوقائية خصوصاً مع قرار فتح الحدود أما الحزب الجمهوري فقد دعا إلى تأجيل فتح الحدود البرية والجوية لأسبوعين إضافيين ليتضح الوضع الوبائي في محيطنا الإقليمي والعالم مشددا على أن تونس حققت نجاحاً باهراً في السيطرة على وباء كورونا، إلا أن مخاطر عودة هذا الوباء ما زالت قائمة خاصة مع صعوبة مراقبة السياح الوافدين خصوصاً عبر الحدود البرية.

وزير الصحة عبد اللطيف المكي آنذاك بدا وكأنه متوجس من فتح الحدود، وقد صرح بأن خطر انتشار كورونا ما زال قائماً بقوة خصوصاً مع ذلك القرار مشيراً إلى أن استهتار المواطنين وعدم تقيدهم بالإجراءات الصحية الوقائية يمكن أن يكون مصدرا للخطر ومضيفا أنه كما يصعب استمرار إغلاق الحدود، لا يمكن التساهل أيضاً في تطبيق الإجراءات الصحية.

(3)

لقد كان القرار المتمثل في فتح الحدود يوم 27 جوان قرارا أخرق، أعرج، أرعن لأن السياح الذين فتحت الحدود من أجل استقدامهم لم يأتوا، ولم يملؤوا النزل والمنتجعات السياحية كما كانوا يفعلون كل سنة، وكما كانت حكومة الفخفاخ تنتظر، ولم تنهمر العملة الصعبة على بلادنا كما كانت تحلم، ولم يستفد من هذا الفتح سوى التونسيون المقيمون خارج أرض الوطن، الذين استغلوا هذا الفتح “أحسن استغلال”، ولم يتركوا سوقا ولا عرسا ولا مأتما ولا مقهى إلا وأشبعوا منه شوقهم، حتى سرى المرض في التونسيين سريان النار في الهشيم ولم يسلم منه الطبيب ولا الجامعي ولا الأستاذ ولاعون الحماية المدنية ولا السياسي ولا الصحفي ولا المواطن العادي، وعجت مراكز الحجر الصحي بالمرضى، وعجزت المختبرات عن مجاراة الانتشار السريع للعدوى حتى مات من مات لأنه لم يجد سريرا بغرفة الإنعاش.

إن الأرواح التي أزهقت، والأجساد التي أنهكت، والأسر التي أصيب أبناؤها باليتم، والزوجات اللاتي ترملن، ستظل كلها معلقة برقاب الحكام الذين لم يحسنوا تقدير العواقب ولم يبالوا بحجم الكارثة التي تسببوا فيها بالتسرع الاستعراضي المجاني لفتح الحدود والذي يعد جريمة دولة تعاقب عليها القوانين الجاري العمل بها، ولا ريب أن الموضوع سيكون محل متابعة وتقاض أمام انظار المحاكم التونسية طال الزمان أو قصر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق