الافتتاحية

فشل ذريع للدبلوماسية التونسية
قمة الفرنكوفونية .. الإمعان في المغالطة وشخصنة الدولة!

في خطاب أداء القسم لحكومة نجلاء بودن، عرّج رئيس الجمهورية قيس سعيّد في كلمته التي ألقاها بالمناسبة، على قضية إلغاء أو تأجيل قمة الفرنكوفونية التي كان من المفترض عقدها في جزيرة جربة يومي 20 و21 نوفمبر المقبل.

وبدل التركيز على الأسباب الحقيقية للإلغاء أو التأجيل، خيّر الرئيس مرّة أخرى، المضي في سياسة الإنكار، وقلب الحقائق، واتهام الخصوم بالتآمر على الدولة والوقوف وراء “الحملة” التي أدّت بعدد كبير من الدول ومنها كندا على سبيل المثال، إلى الضغط من أجل إلغاء أو تأجيل عقد هذه القمة في موعدها في بلادنا.

واتهم سعيد، شخصيات وأطرافا لم يسمّها، بالتحريض على الدولة وقال إنه تحصل على تقارير تفيد سعي أطراف بعينها “إلى إفساد العلاقة مع فرنسا” مؤكدا أن “هذه التدخلات تمّت لدى 50 دولة”.

في المقابل وفي بيان صادر عنها، أكّدت منظمة الفرنكوفونية، أنّ تأجيل القمة جاء بعد أسبوعين من إجراء أمينها العام مشاورات مع السلطات التونسية والبلدان الأعضاء الأخرى في المنظمة بشأن عقد مؤتمر القمة في جربة.

البيان تحدث بلغة دبلوماسية عن أسباب التأجيل، خاصة عند حديثه عن أن الهدف من التأجيل، هو “السماح لتونس بأن تكون قادرة على تنظيم هذه التظاهرة الهامة في أفضل الظروف”.‏ ولكنه ألمح من خلال بعض ما جاء فيه إلى الخلفيات الحقيقية للتأجيل، خاصة عند وصفه للنقاشات التي دارت في هذا الاجتماع بأنّها اتسمت بالصراحة.

وهذه الأسباب عدّدها الرئيس الشرفي لمنظمة الفرنكوفونية “جان لويس روي” في مقال نشره على أعمدة صحيفة “لو ديفوار” الكندية، وهي كما قال الجائحة السياسية التي أصابت تونس في الأشهر الثلاثة الماضية، وهي فيروس الاستبداد الذي ضرب قيم الديمقراطية وسيادة القانون والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان في تونس”.

وأضاف “روي” أن هناك حرجا كبيرا لعقد هذه القمة، لأنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد سيُشرف على استقبال وفود كندا وكيبيك ووفود جميع الدول الأعضاء في القمة الفرنكوفونية في حين أنّه يُنفّذ قراراته من خلال المراسيم الرئاسية التي أصبحت أعلى من الأحكام الدستورية، ويرأس السلطة التنفيذية بنفسه وعلّق  العمل بالدستور…

وشدد على أنّ وفود “كندا” و”كيبيك” و”نيو برونزويك” وجميع الدول الأعضاء في الفرنكوفونية أعلنت عن تحفظها على الحضور، خاصة وأنّه سيتم خلال القمة اقتراح قرارات ونصوص، وبيانات تحتفي بحريّة الإنسان، والقيم الديمقراطية، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان وسيتمّ اتخاذ قرارات أخرى تدين مغتصبي السلطة في مالي وغينيا، وتدين كل من يحاول إسقاط الحكومات المنتخبة.

هذه هي الأسباب الحقيقية وراء تأجيل القمة، التي يراها العالم كلّه بالوضوح الكافي، وينكرها القائمون على الانقلاب في بلادنا، وهذه الأسباب هي تعليق العمل بالدستور وتجميد نشاط مجلس النواب والتأسيس لحكم فردي مطلق يجمع كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكل الأسلاك الأمنية والعسكرية، تحت إمرته، في انقلاب واضح على المسار الديمقراطي، عبر حيل قانونية ودستورية، لا يمكن أن تنطلي على دول عريقة في الديمقراطية، ولا تقبل بالخطابات الشعوبية التي قد تجد لها رواجا في السوق الداخلية..

هذا التأجيل، هو بمثابة إنذار بأن العالم لن يقبل بالانقلاب على الديمقراطية، وهو بمثابة مهلة للرئيس لاستئناف المسار الديمقراطي وعودة دولة القانون والمؤسسات بما في ذلك عودة الحياة البرلمانية. وهو ما يعني أن تونس ستظل محل متابعة دقيقة ولصيقة من قبل هذه الدول.

هذا التأجيل يمثل فشلا ذريعا، للانقلاب، ودليلا على عدم نجاحه في إقناع العالم بمشروعية الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها، وهو ما يهدّد بلادنا بمزيد من العزلة الدولية، عكس ما حاولت بعض الجهات ومنها وزارة الخارجية أن تبين أن هذا التأجيل هو نجاح لتونس وللدبلوماسية التونسية.

إن هذا النهج “الشعبوي” القائم على المغالطة وقلب الحقائق واللعب على مشاعر العامة واتهام المخالفين بالخيانة والعمالة، لا يمكن تسويقه في الخارج، ولا يمكن إقناع الصناديق الدولية به، ولا إيهام العالم بأن تونس تعيش أجمل أيام الديمقراطية فيها، وهم يرون الدبابات تغلق مداخل باردو والقصبة، والدستور يحرق ويداس والقوانين يقع التلاعب بها بطريقة لم نشهد لها مثيلا من قبل.

كما لا يمكن مغالطة الرأي العام الداخلي أو الدولي بالإدّعاء بأن الذين يناهضون الانقلاب هم أعداء للدولة، أولا لأنّ الخطر الأكبر الذي يهدّد الدولة هو الانقلاب ذاته الذي وضع تونس على مشارف الانهيار ويقود البلاد إلى المجهول. ثانيا لأن الخطر الحقيقي على بلادنا هو العودة إلى “منطق الدولة / الزعيم والزعيم / الدولة”، أي الدولة “المشخصنة”.

شخصنة الدولة أشد فتكاً وأكثر انتهاكاً من الدكتاتورية، فلا فاصل بين الحاكم والدولة في الدولة المشخصنة على أي مستوى كان، بل هو الدولة كشرعية وكسياسات وحتى كمصير، فلا شيء خارج وجوده ورؤيته وقراراته، فهو الدولة والدولة هو.

وبذلك يتحوّل كل انتقاد له إلى تهديد للدولة، وكل معارضة له خيانة للوطن، وهو ما يسعى إلى تكريسه الخطاب الشعبوي للانقلاب في بلادنا، وهو أمر بالغ الخطورة لا فقط لأنه يهدّد بالعودة إلى الاستبداد، بل لأنه يهدّد كيان الدولة ذاته.. كما يهدّد السلم الأهلي، عندما يتحوّل المعارضون إلى شياطين وجراثيم تجب استباحتهم وتطهير البلاد منهم.

ولكن لا الداخل ولا الخارج سيقبلان بهذا الخطاب الذي وقف العالم على مخاطره خلال عملية اقتحام الكونغرس، ولا يوجد من حلّ للقائمين على البلاد إلّا التدارك والسماح باستئناف المسار الديمقراطي والعودة الى الشرعية وإلى المؤسسات المنتخبة.. غير ذلك سيكون من قبيل الأوهام والإصرار على الخطيئة التي سيكون ثمنها باهظا على الدولة والشعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق