راي رئيسي

فقه الثورة.. التيار الإسلامي وحزب حركة النهضة

د. سعيد الشبلي

في الذكرى الأربعين لتأسيسه يفترض أن حزب حركة النهضة قد بلغ أشدّه نضجا وتمكينا وتجذّرا في أرض السياسة لا سيما وقد جعل هدفه منذ اليوم الأول لتأسيسه أن يعيد بناء السياسة على أساس من الشورى و”الديمقراطية”، وأن يتصدّى بالتالي لنظام الاستبداد البورقيبي الذي خضع بعواطفه لثقافة اليهود والنصارى، واستسلم فعليّا لقوى الاستكبار العالمي، ووطّن البلاد منذ اليوم الأول في عقد بلدان “العالم الثالث” التي لا هدف لها سوى “الالتحاق بصفوف الأمم الراقية” على حد عبارة بورقيبة التي كثيرا ما ترددت في خطبه.

وبما أن مشروعا بهذا الحجم وبهذا الطموح الشريف في أن يوحّد بين الهوية الأصيلة وبين ممارسة سياسة إنسانية شورية راقية تحترم الإنسان وتربأ به عن ذلّة الأنعام كان لا بدّ أن يلاقي من أوجه الصدّ والمحاربة ومن مظاهر القمع والإدانة أشدها، فقد كان من شبه المحتوم منذ البداية أن يكون هذا الحزب الإسلامي حزبا مناضلا، وكان عليه منذ تأسيسه أن يقدم ضريبة إيمانه بالهوية الأصلية للشعب وانحيازه للديمقراطية ورفضه للاستبداد.

كان الثمن غاليا كما هو معروف، وإذا كان عناصر التنظيم النهضوي هم الوجه الظاهر للمضطهَدين، فإن الشعب في معظم مستضعفيه كان يقدم ضريبة هذه المواجهة الضارية بين المستبدين وحزب الإسلاميين.

إن حدث الثورة الشعبية يؤكّد بدون أدنى شكّ أن مسيرة التحرّر واستعادة الهوية ونهج الشورى والديمقراطية، لم يصنعها حزب حركة النهضة وحده رغم أنه كان المدافع الأكبر عن هذه القيم والباذل الأهم لمعظم التضحيات. وحيث كان الأمر كذلك، فقد كان من ضرورات الفهم ومن مظاهر الحكمة والتعقل أن لا يستبد هذا الحزب بشأن التغيير، وأن لا يتفرد بالقرار في كل ما يخص قضايا الانقلاب الثوري، وهو الأمر الذي انتبه إليه قادة هذا الحزب مبكرا في الحقيقة وحرصوا عليه، فسعوا إلى مدّ اليد إلى كل الأحزاب والجهات والتنظيمات بل وحتى بعض الأفراد ممن يحملون نفس الاتجاه ويدعمون مسار التغيير المنشود.

إلا أن آفة التحزب كما هو معلوم، وآفة الآفات بالنسبة لكل “جماعة”، تتمثل دائما في وجود “الحرس الثوري” وفي ظهور “سدنة الهيكل” و”رهبان المعبد المقدس” الذين صنعت عقولهم بحيث لا تعرف ولاء سوى لـ “التنظيم”، ولا ترى في كل من هو خارج التنظيم سوى “عدو متربص”، فإن اقترب ولم يبد اعتراضا فلن يكون سوى من “الموالي” الذين قد يتحالف معهم ولكن ضمن حدود الولاء وباعتبار مرتبية السادة والموالي وليس بأي اعتبار آخر.

أولئك “السدنة”، لطالما كانوا سببا في ترذيل الجماعات التي انتموا إليها، وكانوا يمارسون في معظم الأوقات نزواتهم وأهواءهم باسم التنظيم. أما أخطر أفعالهم، فتسييج التنظيم بحيث يصدون كل “دخيل” سواء كان باغيا للخير أو لسواه. وباسم “الانتماء”، فهم لا يرغبون في أن يقاسمهم الآخرون رأيا ولا أن يقاسموهم منفعة. إن مفهوم “الأخوية” هنا يضيق حتى لا يكاد يظفر به سوى حامل “وصل الانتماء” وصاحب” التزكية الشريفة”.

ولمّا كان “عبيد الحزب” الذين ليسوا سوى صورة أخرى للانتماء التقليدي القائم على الولاء المطلق والطاعة العمياء، على هذه الشاكلة، فهم عادة ما يشكّلون سورا يمنع ليس فقط من هم من خارج من الدخول، بل أيضا حتى من هم من الداخل ويحملون نفسا كونيا وروحا تحرريا من العمل ومد يد الشراكة إلى الآخرين.

وكلما استطاع أولئك ” الصغار” أن يستولوا على مقاليد الحزب، وبقدر ما يبسطون من هيمنتهم مستعملين المؤسسات الداخلية للحزب، فإنهم سوف يصبحون عنصر تدمير وتفقير قد لا ترى نتائجه سريعا ولكن مع مرور الأيام.

وباسم “التنظيم”، ينغلق الحزب على أفراده المسجلين، فلا يلتفت إلى ما يزخر به المجتمع من الكفاءات، ولا إلى ما عند غيره من القدرات، الأمر الذي ينشئ في النهاية شعورا بالإحباط لدى أهل الكفاءات فيرتدون إلى أسوار حياتهم الخاصة محسورين، وكان بالإمكان أن تستثمر أفضالهم وأن يستفاد من كفاءاتهم فيصبحوا دعما للحزب، ويضيفون إليه أنفاسا جديدة تزيد من إشعاعه.

إن الخروج من فكر “مرحلة الاستضعاف” إلى فكر “مرحلة التمكين” ومن عقلية “الجماعة” إلى عقلية

“المجتمع” (1)، يقتضي تجردا وموضوعية وانتماء حقيقيا للجماعة الإسلامية بالمعنى الواسع أي لعموم المجتمع، وتسريح “المشروع الإسلامي” ليحمله الجميع وليكون الإطار الجامع لطالبي الحرية ولمناصري الهوية.

هذا، وإن الخطر كل الخطر يكمن في أولئك “النابتة” الذين انتموا إلى “حزب النهضة” بعد ذهاب الخوف بنفس عقلية الانتماء إلى “حزب التجمع” قديما، أي لجني المكاسب وجلب المنافع. أولئك المزيفون ومعهم من غرتهم الأماني ممن يؤمنون ب”الحق التاريخي” وبفضل السبق الزماني، هم في الواقع حمل ثقيل، وسد يحول دون تطور هذا الحزب المناضل ليحمل برنامج الأمة وليس لتحقيق أحلام منتسبيه.

 

هوامش:

(1) يراجع لذلك كتاب الدكتورمحمد الشتيوي، فاتحة التنزيل “سورة العلق وتأسيس القراءة بالاسم”، مكتبة تونس، ط1، 2015 ومحاضرته حول التأويل ضمن أشغال ملتقى ابن عرفه للفكر الإسلامي الدورة الثالثة، تطاوين 2021.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق