راي رئيسي

فوضى التعيينات.. إقالات واستقالات..
تقهقر الديبلوماسية التونسية وتضرر صورة تونس في المحافل الدولية

تأتي الحركة الدبلوماسية “العادية” التي أعلنت عنها وزارة الخارجية بتاريخ 12 سبتمبر 2020، والتي جاءت متأخّرة جدّا عن موعدها السنوي هذا العام مثقلة بسياقات الإرباك واللخبطة والفوضى في إدارة الملف الدبلوماسي..

فلم تسبقها كما العادة الندوة السنوية للسفراء، ورافقتها جملة من الإقالات في مناصب حساسة، على غرار إقالة وزير الخارجية السابق نورالدين الري رغم استقالة حكومته، وإعفاء مندوب تونس في الأمم المتحدة قيس القبطني الذي خلف منصف البعتي، وهو ثاني إعفاء في نفس المنصب في أقل من 7 أشهر، فضلا عما تزامن مع هذه الإقالة من تصريحات غير مسبوقة في الحقل الدبلوماسي اتهم فيها القبطني رئيس الدولة وفريقه الاستشاري باللخبطة، ثم صدور بلاغين متناقضين لوزارة الخارجية الأول أعلنت فيه أن الإعفاء جاء في إطار الحركة الدبلوماسية وأن القبطني سيرسل إلى مكان دولة أوروبية أخرى، وفي الثاني اتهمت المندوب بالشروع في إخلالات إدارية ومالية..

كما تأتي هذه الحركة الدبلوماسية في ظرف استثنائي تشهد فيه تونس ما بين 10 و14 سفارة شاغرة دون تمثيلية، إلى جانب تعيينات على أساس المحسوبية والصداقات لساكني قرطاج، وهو أمر لم نشهد مثله في تاريخنا من قبل.

وفي جميع الحالات فإن ما حصل لا يمكن إلّا أن يضرّ بصورة تونس التي أصبحت عضوا غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2020-2021، فالصورة المرسلة من نيويورك عن الدبلوماسية التونسية ليست مشرقة ونحن بذلك أهدرنا بغباء فرصة تاريخية أعطيت للدبلوماسية التونسية.

تأتي هذه الحركة أيضا في سياق تسريب قائمة لسفراء وقناصل ومبعوثين أغلبهم غير دبلوماسيّين ممّا أثار غضب نقابة السلك الدبلوماسي التي تتمسّك بتعيين مهنيين دبلوماسيين حقيقيين، الأمر الذي جعل وزارة الخارجية تسارع إلى نفي القائمة وتزعم أنها خاطئة، ليتضح فيما بعد أن الكثير من هذه الأسماء المسرّبة صحيحة.

ومن بين هذه الأسماء الغريبة عن السلك الدبلوماسي والتي لا علاقة لها لا بالعلاقات الدولية ولا بالسياسات الخارجية، نذكر تعيين وزير العدل السابق كريم الجموسي سفيرا في باريس وهو قاضي إداري قضى حياته المهنية بين أروقة المحكمة الإدارية أو التدريس بالمدرسة الوطنية للإدارة وتولّى رئاسة المحكمة لفترة وجيزة، وهذا يجعلنا نتساءل عن رهانات الرئيس عند اختياره لهذه الشخصية في واحدة من أهم السفارات في الخارطة الدبلوماسية التونسية..

ومن هذه الأسماء أيضا، تعيين أمنيين في سفارات حساسة وبطريقة غير مدروسة وفيها الكثير من الفوضى والارتجال.. مثل تعيين المدير السابق للأمن الرئاسي رؤوف مرادعة، والذي لا يملك في سيرته المهنية أي تجربة دبلوماسية، قنصلا عامّا في سترازبورغ مقرّ البرلمان الأوروبي..

ثم اإسال مدير الأمن الوطني الحالي كمال القيزاني إلى مدينة لاهاي التي تعتبر مركزا لأهم وأكبر المنظمات والهيئات الدوليّة.. كما اختار سعيّد تعيين هشام الفوراتي، وزير الداخلية السابق والمقرّب من رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، سفيرا في الرياض..

ويظل محور السياسية الخارجية التونسية بعد تولّي الرئيس قيس سعيّد مهامه في 2019، يثير الكثير من الغموض والتساؤلات ونقاط الاستفهام.. وكلما اعتقدنا أن ملامح السياسة الخارجية التونسية بدأت تتضح، إلا وحدث ما يعمق هذا الغموض وهذه الضبابية والارتباك من جديد لا سيما في الفترة الأخيرة، ضبابية تعمّقها مواقف الرئيس من رفض لدعوات زعماء دول ومنظمات دوليّة، وامتناع عن الاستجابة لها لا نرى لها أي مبرّر، عدم وضوح رؤيتنا في علاقتنا بشركائنا التقليديين، عزل سفراء وقناصل بينهم سفيرا تونس في واشنطن وباريس وقناصل عامين آخرين بتهم مختلفة بل لأسباب غامضة، اعتبرها البعض نكسة للسياسة الخارجية التونسية وضربة في مقتل لمصداقية الأسرة الدبلوماسية التونسية في الخارج..

وقد أوحى ذلك بعدم الثقة داخل أوساط الدبلوماسيين التونسيين إلى جانب إعفاء دبلوماسيّين من مناصبهم دون مبرّرات واضحة، وتراجعه عن بعض مواقفه المبدئية التي اشتغل عليها خلال حملته الانتخابية مثل موقفه من التطبيع وكل ما يتبنّاه في سياسته الخارجية..

كما أنّ غموض قرطاج بقيادة سعيّد وتثاقل الفعل الدبلوماسي التونسي وخاصة على خط الأزمة الليبية، أخرج الدبلوماسية التونسية من مربع التأثير في الملف الليبي وقد كان غياب تونس عن مؤتمر برلين فشلا ذريعا أثبت محدودية القدرة السياسية والدبلوماسية للرئيس وفريقه المشرف على إدارة الملف.. ونرجو أن يعيد تعيين سفير في ليبيا مؤخّرا وبعد سنوات من الغياب بوصلة العلاقة التونسية الليبية، وتدرك دبلوماسية القصر أخيرا أن اهتمام تونس بليبيا أمر حيوي من الناحية الاستراتيجية والأمنية لتونس وشعبها، وأنه ليس من مصلحة تونس ترك ليبيا ملعبا لكي تلهو فيه دول الإقليم والقوى الكبرى على حساب المصالح الوطنية الليبية والتونسية.

إذا ملخّص الملامح العامة والخطوط العريضة للسياسة الخارجية لقصر قرطاج اليوم هو ارتباك وغموض وتذبذب في المواقف، ثقل وجمود في التحرّكات الدبلوماسيّة وربط العلاقات، انخراط ضمني أو غير معلن في سياسة المحاور..

كل هذه المؤشرات وغيرها تعمّق في الحقيقة خشية البعض من جنوح الرئيس قيس سعيد إلى تغيير ثوابت سياستنا الخارجية القائمة على الحياد الإيجابي، والالتزام بالشرعية الدولية، وعدم تجاوز الجار الجزائري كحليف استراتيجي تتكئ عليه تونس كلما هدّدت فوضى الإقليم معادلات موازين القوة في المنطقة، إلى جانب عدم الانخراط في أي محاور..

ربما ما زالت دبلوماسية قرطاج الجديدة لم تفهم بعد أنّ صنع السياسة الخارجية يحتاج فهما ودراسة دقيقة لمختلف العوامل والمحددات المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في صنع هذه السياسة، ليتخذ على إثرها القرار الذي يفترض أنه يحقق أكبر قدر من المزايا وأقل قدر ممكن من الخسائر..

وربما أيضا لم تفهم بعد أن السياسة الخارجية تعتمد على مبادئ أساسية أو ما يعرف بالثوابت التي ترتبط بتاريخ وجغرافية أي بلد وبقراءة واقعية لمصالحه العليا الطويلة الأمد. كما تعتمد على تعامل محكم مع المتغيرات، تعامل يرتبط بالتصورات التي يمكن أن تكون لأي دولة حول المصالح القصيرة والمتوسطة الأمد دون التفريط في المبادئ الأساسية، فالثوابت قارّة ويجب أن لا تتغير بحسب مواقف وأهواء السلطة التنفيذية..

في الحقيقة لم تعرف السياسية الخارجية لتونس حالة من الفوضى وعدم الوضوح مثل التي تشهدها هذه الأيام. وتكشف حالة التخبط الدبلوماسي وضعف القدرة الاتصالية لدى الجهات الرسمية التونسية، إلى الحاجة إلى مراجعة حالة التخبط والخيارات العشوائية، والدفع نحو إرساء سياسة خارجية واضحة، خصوصا في ظل الأوضاع الدولية والإقليمية المتغيرة. فتونس لم تعد موجودة في الساحات السياسية الكبرى للعالم، ولم تعد لها علاقات قوية مع الدول الكبرى، بالرغم من أنها كانت موجودة، ولا مفرّ اليوم من الوقوف على وضعية التقهقر الدبلوماسي التي تشهدها البلاد في أقرب وقت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق