راي رئيسي

فوضى وارتباك وضبابية..
ما الذي يحدث في الدبلوماسية الخارجية؟

يظل محور السياسية الخارجية التونسية بعد تولّي الرئيس قيس سعيّد مهامه في 2019، يثير الكثير من الغموض والتساؤلات ونقاط الاستفهام.. وكلما اعتقدنا أن ملامح السياسة الخارجية التونسية بدأت تتضح، إلا وحدث ما يعمق هذا الغموض وهذه الضبابية والارتباك من جديد لا سيما في الفترة الأخيرة، ضبابية تعمقها مواقف الرئيس من رفض لدعوات زعماء دول ومنظمات دوليّة، وامتناع عن الاستجابة لها لا نرى لها أي مبرّر، عدم وضوح رؤيتنا في علاقتنا بشركائنا التقليديين، عزل سفراء وقناصل بينهم سفيرا تونس في واشنطن وباريس وقناصل عامين آخرين بتهم مختلفة بل لأسباب غامضة، اعتبرها البعض نكسة للسياسة الخارجية التونسية.

وقد أوحى ذلك بعدم الثقة داخل أوساط الدبلوماسيين التونسيين إلى جانب إعفاء دبلوماسيين من مناصبهم دون مبررات واضحة، وتراجعه عن بعض مواقفه المبدئية التي اشتغل عليها خلال حملته الانتخابية مثل موقفه من التطبيع وكل ما يتبناه في سياسته الخارجية، ولكننا نجده في المقابل يعرض خدماته على رئيس الانقلاب في مصر السيسي وهو رمز التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني في أجلى صوره.. أضف إلى ذلك ارتباكه وتذبذبه في مواقفه من الصراع الليبي..

إنّ غموض قرطاج بقيادة سعيّد وتثاقل الفعل الدبلوماسي التونسي وخاصة على خط الأزمة الليبية، أخرج الدبلوماسية التونسية من مربع التأثير في الملف الليبي وقد كان غياب تونس عن مؤتمر برلين فشل ذريع أثبت محدودية القدرة السياسية والدبلوماسية للرئيس وفريقه المشرف على إدارة الملف.

ومع أنّ الخطاب الرسمي التونسي كان يؤكد في كل مناسبة على عمق التواصل والتنسيق مع الموقف الجزائري في خصوص الملف الليبي مثلا، فإن العديد من المؤشرات توحي بأن قبلة قرطاج تحوّلت من طرابلس إلى بنغازي وما استقبال سعيّد لوزير خارجية الإمارات والمكالمات العديدة التي تبادلها القصر الرئاسي مع المصريّين والإماراتيّين فضلا عن خط التواصل المفتوح مع الفرنسيين.. وما زلة لسان وزير الدفاع التونسي وتوصيفه لقوّات الشرعية الدولية في طرابلس بالمليشيات سوى جس للنبض في اتجاه تحوّل الموقف الرسمي التونسي نحو مساندة حفرت، أو هكذا تأوله العديد من المراقبين، رغم محاولة الرئيس ترقيعها بعد ذلك في مكالمة هاتفية مع السراج..

وما الحياد الإيجابي في علاقتانا الخارجية بشأن الملف الليبي، الذي يتحدث عنه البعض، إلا كلمة حق أريد بها باطل فما كلّ حياد هو إيجابي بالضرورة، فعندما تعترف بالشرعية الدولية المفروض أن لا تساوي بينها وبين الأطراف الأخرى في المعاملات ولا يعني القبول بالسيطرة على الأرض بطرق غير شرعية، فالاعتراف بشرعية طرف ما يعني ضرورة التعاون معه وفق القانون الدولي..

لا سيما أننا لسنا أمام أجندة سرية لحفتر ومن وراءه ومن أمامه، نحن أمام أجندة مكشوفة ومعلنة مدارها وهدفها ضرب القوى الجديدة التي أفرزتها ثورة فبراير واغتيال انتظارات الشعب الليبي في الحرّية ودولة المواطنة. ومن ثمة فدعوات التعقّل وعدم الاصطفاف والحياد، يصبح مجرّد ذرا للرماد على العيون للتخلي عن واجبنا الأخلاقي والتاريخي والسياسي تجاه الشقيقة ليبيا أو للتمويه على تغيير جذري في المواقف..

هذا التعاطي في الحقيقة يثبت جهلا بأن السياسة الخارجية للدولة التونسية قد تميزت ومنذ نشأة الدولة الحديثة في تونس مع حمودة باشا بالحيادية والسلمية في التعامل مع الجوار الجغرافي ومع بقية دول العالم.. وقد كان لتونس رؤية خاصة للجوار الليبي بحكم العلاقات التاريخية الغارقة في القدم بين الدولتين التي تمتد لآلاف السنوات والتي جعلت من الشعبين شعبا واحدا تربطه علاقات قربى ومصاهرة، ولم يكن الفصل الحدودي إلا نتيجة للاستعمار ولذلك سعى الكثير من السياسيين لمحاولة بناء وحدة بين الدولتين اصطدمت بالكثير من العوائق الذاتية والموضوعية.. ولذلك يبدو اهتمام تونس بليبيا أمرا حيويّا من الناحية الاستراتيجية والأمنية لتونس وشعبها فليس من مصلحة تونس ترك ليبيا ملعبا لكي تلهو فيه دول الإقليم والقوى الكبرى على حساب المصالح الوطنية الليبية والتونسية.

إذا ملخص الملامح العامة والخطوط العريضة للسياسة الخارجية لقصر قرطاج اليوم هو ارتباك وغموض وتذبذب في المواقف، ثقل وجمود في التحرّكات الدبلوماسيّة وربط العلاقات، انخراط ضمني أو غير معلن في سياسة المحاور، استعداد للانخراط في المحور المعادي للربيع العربي وللثورات محور )الإمارات – مصر(، الذي كانت الدبلوماسية الرسمية منذ الثورة على مسافة منه، حيرة وعجز ولا مبالاة أمام ملف مئات التونسيين العالقين في الخارج بلا معيل من طلبة وباحثين، وربما ما شهدته الحدود التونسية الليبية من انفلات مؤخرا وتعبير العملة  التونسيّين الموسميين العالقين في ليبيا عن غضبهم وحنقهم على السلطات التونسية التي اعتبروا أنّها بإغلاقها الباب أمامهم قد تخلّت عنهم، لأكبر دليل على ما يعانيه العالقون خارج حدود الوطن..

كل هذه المؤشرات وغيرها تعمق في الحقيقة خشية البعض من جنوح الرئيس قيس سعيد إلى تغيير ثوابت سياستنا الخارجية القائمة على الحياد الايجابي، والالتزام بالشرعية الدولية، وعدم تجاوز الجار الجزائري كحليف استراتيجي تتكئ عليه تونس كلما هدّدت فوضى الإقليم معادلات موازين القوة في المنطقة، إلى جانب عدم الانخراط في أي محاور..

ربما مازالت دبلوماسية قرطاج الجديدة لم تفهم بعد أنّ صنع السياسة الخارجية يحتاج فهما ودراسة دقيقة لمختلف العوامل والمحددات المؤثرة بشكل مباشر أو غير مباشر في صنع هذه السياسة، ليتخذ على إثرها القرار الذي يفترض أنه يحقق أكبر قدر من المزايا وأقل قدر ممكن من الخسائر..

ربما لم تفهم بعد أن السياسة الخارجية تعتمد على مبادئ أساسية أو ما يعرف بالثوابت التي ترتبط بتاريخ وجغرافية أي بلد وبقراءة واقعية لمصالحه العليا الطويلة الأمد. كما تعتمد على تعامل محكم مع المتغيرات، تعامل يرتبط بالتصورات التي يمكن أن تكون لأي حكومة حول المصالح القصيرة والمتوسطة الأمد دون التفريط في المبادئ الأساسية، فالثوابت قارّة  ويجب أن لا تتغير بحسب مواقف وأهواء السلطة التنفيذية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق