راي رئيسي

فوضى وتعنت وأزمة ثقة..
في الحاجة إلى “كبير العائلة”

يقول “أجدادنا دار بلا كبير كيف جنان من غير بير” والمثل في معناه أن البيت الذي يغيب فيه شخص كبير بحكمته وحنكته وتجربتها وقوة حجته وحظوره وحسمه وقت الحاجة، مثله مثل الأرض الزراعية من غير بئر يرويها.. هذه القاعدة الحياتية تنسحب في الحقيقة على كل دار قد تكون هذه الدار العائلة المصغرة أو العائلة الموسعة أو القرية أو القبيلة أو المدينة أو الوطن..

نحن إذا مسلّمون ومتفقون أن لكل إطار أو فضاء عام أو خاص لا بد من وجود “كبير القوم” لا بد من وجود رجل حكيم له ما يكفي من الحنكة والرصانة والانفتاح والقدرة على التعايش والتواصل مع الآخر سواء كان قريبا منه أو بعيدا.. له أيضا ما يكفي من الصبر قبل أي شيء، ولا مكان عنده للحقد ولا للغدر ولا للكذب ولا للكبر أو الغرور الذي يدمر المجموعة قبل قيادتها.. “كبير” لديه ما يكفي من الاقتدار على أن يتعظ ويفهم الأحداث برؤية ثاقبة وشمولية ورشيدة تجعل المصلحة العامة هي الأساس بعيدا عن الأهواء والأنانية، ويمتلك البصيرة وبعد النظر في مآلات الأمور، دون اكتفاء بالنظر إلى ما تحت قدمه أو ما هو قائم في اللّحظة الحالية..

قد يعتقد البعض أنني بصدد التنظير والحديث في العموميات والطوباويات، في الحقيقة ليس هذا ما قصدت، وإنما أنا بصدد تنزيل فكرة “كبير الدار” في إطاره، كبير الدار الذي بتنا اليوم في أمس الحاجة إليه في تونس.. “كبير الدار” الذي بتنا في أمس الحاجة إليه في إطار ما نشاهده ونعيشه اليوم في تعاطي النخبة السياسية من عبث ومن أنانية وتعنت، من ارتجال ومن استهانة بدقة المرحلة التي تمر بها بلادنا واستهانة بانتظارات التونسيين وتطلعاتهم استهانة بحاضر وطن وبمستقبله، ولا مبالاة بهذا الوطن الصغير وآلامه وأوجاعه وامتهان له، وتلاعب بماضيه وبحاضره وإساءة إلى غده..

هنا تحديدا تصبح الحاجة إلى صوت التعقل والحكمة والرويّة والتهدئة والانفتاح والقدرة على التعايش مع الجميع ضرورة وحتمية وليست كمالية..

وعلى الجميع أن يدرك دقة الموقف وخطورته، فتونس بحاجة إلى حكيم يعقل الموقف ولا يأزّمه، يقول كلمة خير وليس كلمة فتنة تجر الشعب إلى ما لا يحمد عقباه، حكيم لا يحمل ألوية التصعيد من هنا وهناك ويدرك إلى أين يقود البلد..

علينا جميعا أن نعي جيدا اليوم أنّ الوطن لا ينقصه الأذكياء إنما ينقصه حكيم.. والمفروض أن يحظى هذا الحكيم إذا وجد باحترام كافة أبناء هذا الوطن بعيدا عن الأنانية وعن النرجسية والاستعلاء والتعنت في رفض الآخر مهما كانت الحاجة إليه اليوم، وادعاء العبقرية للخروج من الأزمات في ليلة وضحاها، واتقان فن التفرقة والفتن..

ما المشكلة إذا في أن نجعل لنا “كبيرا” ؟ ما المشكلة في أن يكون لهذا الوطن في ظل كل ما يعانيه من تشرذم وصراعات خفية ومعلومة، وما تعانيه من ضبابية ومن تباين حاد في المواقف حد التنافي وما نعانيه من أزمة ثقة متعاظمة، ما المشكلة في أن يكون لنا “كبير”؟ كبير يُجمّع ولا يُفرّق، ينفتح على الجميع ولا ينغلق، يشرّك الجميع ولا يقصي أحدا، ينصت للجميع ولا يستثني، يقرّب وجهات النظر  ولا يعمق الخلافات والصراعات، يمتص الأزمات ولا يغذيها؟؟

والسؤال اليوم هل هذا الشخص الذي يمكن أن يقوم بكل هذا موجود اليوم؟

نعم موجود، هو موجود لو تخلينا عن نرجسيتنا وتعنتنا في رفض الآخر المختلف عنا، نعم هو موجود لو تخلينا عن بعض أنانيتنا وأعلينا مصلحة هذا الوطن، نعم هو موجود ونحن قادرون على رؤيته فقط لو استطعنا أن نعترف بالآخر ونقبل به..

ألا يتمتع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي بهذه الصفات التي ذكرنا وعددنا؟ ألم يثبت من خلال تعاطيه السياسي منذ مرحلة الحوار الوطني مرورا بانتخابات 2014 وصولا إلى اليوم  أنه مؤمن بكل مشروع لا يستبعد الآخرين ولا ينفرد فيه أحد بالسلطة؟ ألم ينفتح على الجميع  ورفض منطق الغنيمة والاقصاء؟ ألم يؤصّل الغنوشي فكرة التشاركية وفكرة التضامن والوفاق الوطني  في مواجهة المخاطر والتحديات التي تواجه تونس اليوم، منطلقا في ذلك من إيمان عميق بأن التعايش يشكل القاعدة الأساسية لإنجاح وإتمام الانتقال الديمقراطي، بعيدا عن  الاستقطاب والانقسام؟ ألم يقدم العنوشي في كل المحطات التي مررنا بها بعد الثورة المشترك المتفق حوله على الرؤى العقدية والأيديولوجية التي لطالما كانت ولازالت موضوع تباين واختلاف؟

ألم يثبت الغنوشي أنّه لم يعد مقبولا ولا ممكنا إدارة السلطة في تونس في المرحلة الانتقالية  بالاكتفاء بالاحتكام إلى معيار نتائج الانتخابات والأرقام التي تفرزها واعتبار الفائز في الانتخابات يتمتع بإمكانية الحكم بشكل منفرد، وتطبيق برامجه بطريقة مستقلة عن باقي المكونات السياسية المختلفة؟؟

ألم يتعامل راشد العنوشي بواقعية مع المشهد الحزبي، وهو ما مكّن البلاد من مجاوزة هزات أو خلافات حادة كانت يمكن أن تؤثّر سلبا على المسار الديمقراطي الناشئ؟ ألم ينجح في يخلق أشكال من الحوار، وبناء تحالفات بين قوى سياسية مختلفة ومتناقضة وأحيانا متصارعة بعيدا عن منطق الإقصاء والإلغاء المتبادل؟ ألم يضمن تعاطي الغنوشي وهو يمثّل الحزب الأغلبي استمرارية العملية السياسية في البلاد ومنع انحرافها نحو توجهات سلطوية استبدادية، عبر الحفاظ على توافقات سياسية تحفظ للقوى السياسية وجودها وتضمن في الوقت ذاته تواصل الجهد الحكومي وبناء المؤسسات الديمقراطية للدولة؟

ألم يرسّخ راشد الغنوشي في أكثر من مناسبة  لغة الانسجام والتفاهم، ومسلك الجماعة وتمكن من الوصول إلى المساحات المشتركة الوسطى، حيث يلتقي الجميع على قاعدة التشارك وليس الاستئثار؟ ألم يكن هذا المبدأ الذي سعى إلى ترسيخه وتأصيله في الممارسة السياسية هو جوهر العملية السياسية وآلية مهمة في عملية إدارة المرحلة الانتقالية في حدّ ذاتها وتنظيم للاختلاف ولإدارة التنافس، وعالجت كل مآزق غياب الأغلبية التي مررنا بها؟

إذا لم يكون الغنوشي “كبير الدار” اليوم فمن يكون غيره وسط كل هذا الهرج والمرج والفوضى والتعنت؟؟ من غيره يمكن أن يكون صوت الحكمة والرصانة وينصت للجميع ويقرب وجهات النظر المتباعدة؟؟ من غيره له قدرة عجيبة على تقديم التنازلات من أجل مصلحة المجموعة الوطنية؟؟ من غيره – وهذا سيكتبه التاريخ – لطالما كان أبُ العائلة الذي يختلف معه الأبناء، ولكنهم في كل مرّة يلجؤون إليه ويستعينون برصانته وتوازنه وانفتاحه، برغم جرعة الاقصاء الكبيرة التي يحملونها له لأنه لا ينتمي إلى عائلتهم الفكرية؟

علينا أن نعقل جميعا أنّ هذا البلد وفي هذه المرحلة تحديدا لا يعوزه الأذكياء بقدر ما يعوزه الحكماء..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق