راي رئيسي

في الحوار الوطني ولوثة النكاية السياسية..
أو شرط القاعد على القائم..

من أهم أسباب فشل النظام العربي في إرساء تجارب ديمقراطية تتأسس على قيمة الحرية ومبدأ المواطنة وفضيلة العدالة هو نفاق كثير من النخب الفكرية والسياسية والإعلامية والثقافية التي ترفع الشعارات الجميلة والمطالب العادلة فقط لتحقيق مكاسبها هي ثم تنقلب عليها حين يتعلق الأمر بحق غيرهم من تلك الشعارات والمطالب.

لقد كشف الانقلاب التركي ومن قبله الانقلاب المصري عن حالة انفصام في وعي كثير من نخبتنا التي طالما ناضلت من أجل الديمقراطية وطالما نددت بحكم الفرد وتسلط الحزب وطالما نادت بضرورة رفع الوصاية على الشعوب والاحتكام إلى إرادتها في إقامة أنظمة الحكم وتحديد سياسات الدولة وضبط علاقاتها الخارجية.

لماذا انشرحت صدور كثير من النخب الفكرية والسياسية لانقلاب السيسي على مرسي بعد انتخابات مشهود لها بالشفافية؟ وبقطع النظر عن الموقف من الإخوان ونظريتهم في الحكم ألم تكن المبدئية تقتضي إدانة الانقلاب دون كفٍّ عن ممارسة النقد لمنهج الإخوان في الحكم ودون التوقف عن ممارسة الضغط المدني والنضال السياسي استعدادا لمحطات الفرز القادمة وذاك حق بل واجب كل مواطن.

نفس الانفصام لاحظه المراقبون خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا حيث أبدى عدد من السياسيين والمثقفين نكاية في حزب العدالة والتنمية وشماتة في أردوغان حتى أن البعض كان ينتظر لحظات اقتياد الرجل إلى الزنزانة ليلتحق بمصير الرئيس المصري المغدور الشهيد محمد مرسي.

ونفس “اللوثة” الانقلابية تتلبس أدعياء التمدن والحداثة والديمقراطية كلما كانت نتائج الانتخابات على خلاف أهوائهم، فهم يقبلون بالاحتكام إلى الصناديق ثم يرفضون نتائجها حين لا تكون لصالحهم بل ويشككون في العملية الانتخابية وفي المسار الديمقراطي ويستدعون القوى الخارجية وثكنات العسكر للتدخل لمنع خصومهم السياسيين من ممارسة حقهم الدستوري في الحكم حتى وإن دعوهم لمشاركتهم في تحمل المسؤوليات وخدمة الناس والوطن.

مثل هذه المواقف وفي اللحظات الفاصلة تكشف عن انفصام في الوعي السياسي وعن درجة من النفاق لدى أصحاب تلك المواقف بل وتجعل المواطنين يتخوفون من “السياسيين” ويتوجسون من انقلابهم على مواقفهم ونظرياتهم وشعاراتهم الجميلة حين يتعلق الأمر بمصالحهم الحزبية وحساباتهم الخاصة.

الدفاع عن شرعية أي سلطة منتخبة لا يعني دفاعا عن منهجها في الحكم وإدانة الانقلابات لا تعني اصطفافا خلف المنقَلَب عليهم.

المبدئية تقتضي اتخاذ الموقف المناسب في زمانه ومكانه وتقتضي عدم الكف عن ممارسة النقد لأي طرف مهما كانت محطات نجاحاته ورفعة شرف مواقفه التاريخية.

والإيمان بالديمقراطية يقتضي قبولا بنتائجها سواء كانت لصالحنا أو لصالح غيرنا، وهي في كل الحالات في صالح التجربة السياسية الجديدة التي تريد التمايز جوهريا عن تجارب الاستبداد.

اتخاذ موقع المعارضة ليس موقفا سلبيا ولا يعني ممارسة مختلف أساليب التعطيل لمنع الأغلبية الحاكمة من تحقيق نجاحات قد تستثمرها في محطات انتخابية قادمة، أسلوب التعطيل والإفشال هو أسلوب سيء أخلاقيا وغير وطني سياسيا بل هو أسلوب إجرامي حين يترتب عنه تعطيل مصالح الناس وإرباك مشاريع التنمية ومستوى الإنتاج ودفع البلاد إلى التداين والتبعية والارتهان للبنوك المقرضة والجهات المانحة.

من حق وواجب المعارضة ممارسة النقد وخوض النضالات الميدانية من إضرابات واحتجاجات وهو ممارسات مكفولة دستوريا حين لا تخرج عن سياقها النضال لتقع في “شبهة” المؤامرات ضد الدولة وضد الممتلكات العامة والخاصة وضد السلم الأهلي.

في كل الديمقراطيات ثم أغلبية تحكم وثمة أقلية تعارض، والعلاقة بينهما ليست علاقة عدائية إنما علاقة تنافسية، ولكن في الأزمات وخاصة حين تنسدّ المسالك وتصبح السيادة الوطنية مهددة بالوقوع في التبعية ، فإن الواجب الوطني يدعو الجميع إلى الحوار تحت عنوان واحد: إنقاذ الوطن.

الحوار الوطني ليس مناسبة للابتزاز عن طريق استضعاف الأغلبية الحاكمة لإجبارها ـ تحت ضغط الأزمة ـ على تقديم تنازلات قد تصل حدّ تسليم الرقبة للذبح السياسي بأسلوب انتهازي غير أخلاقي وغير مبدئي.

في السياسة، من حق كل طرف العمل على تحسين موقعه الحزبي، وتوفير حظوظه الانتخابية في محطات قادمة، غير أنه لا يليق أن يحصل ذلك بأساليب غير أخلاقية غير مبدئية، فالسياسة كما هي “فن التعامل مع الممكن” فإنها أيضا فن إبداع الطرائق المحققة لاستقرار الأوطان وللسلم الأهلي، وهي قبل ذلك فن صناعة الأمل ومقاومة اليأس والإحباط لدى المواطنين.

حين تصبح السياسة “نكاية” و”مؤامرة” وفخاخا وإشاعة، فإننا لا نستغرب بعدها أن يعاف الناس الأحزاب وأن يفقدوا الثقة في السياسيين وأن يكفروا بعدها بمفردات الثورة والديمقراطية.

ما نخشاه حقيقة هو أن تصبح المبادئ لزجة مائعة يُكيّفها أصحاب المصالح ويفرضها الغالبون حتى إذا ما فقدت الجماهير الثقة في النخب لجأت إلى أساليبها غير العاقلة في “الحسم”، وحينها لن يكون أحد في منأى من انزلاق المشهد نحو “الخيبة الكبرى” ومرارتها وأوجاعها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق