راي رئيسي

في الذكرى العاشرة لثورتنا.. (ج2)
الثورة بين كرم التاريخ وعبث السياسة وغمَوض القادم..

كانت نتائج الصندوق في رئاسيات وتشريعية 2019، بداية الاستبشار بتغيير رافعة التوافق مع القديم نحو عنوان التحالف بين القوى المنحازة للثورة، أو هكذا بشّر “الطيّبون” يومها، وتجلّى هذا التغيير أو القفز على الثقل الأخلاقي لضرورة التوافق مع المنظومة القديمة، في الخطاب الانتخابي لرموز وقيادات حركة النهضة.

لم تمضي سوى أسابيع قليلة ليستفيق المعنيون على وهم الرسالة التي تأوّلها المراقبون من الانتصار الساحق الذي حققه قيس سعيد على منافسه الذي قدّمته الدعاية المضادة على أنّه الممثل الجديد للمنظومة القديمة.

الصدمة كانت مع فشل تشكيل حكومة الجمني، حيث تبيّن للنهضة أن العدائية الخالدة للإسلاميين تكاد تكون المشترك الوحيد بين المحسوبين على الثورة والموسومين بأعدائها، فإسقاط حكومة الجمني كانت فشلا اخلاقيا مخجلا للأطراف التي أسّست شرعيتها السياسية على معاني الانحياز للثورة والانتصار لها.

واستفاقت النهضة على حقيقة مرّة ومفزعة تقول أن القوى الجديدة لم تتأهل أخلاقيا وسياسيّا لتتحمل مسؤولية الشراكة الوطنية على قاعدة المشروع الوطني الديمقراطي.

سقط رهان التحالف بين النهضة وما سمّي بالقوى المنحازة للثورة، وعاد صداع التوافق ليحتكر ممكن إدارة العهدة الانتخابية الماثلة.

لسنا بصدد تقييم أداء النهضة المعنية أساسا بهذا الصداع، ولكن يهمنا أن نسجل أن التوافق كخيار تاريخي، وكضرورة سياسية كان ومازال الرافعة الوظيفية الأكثر فاعلية في إدارة المرحلة البينية، وأن تخميرة الشعبويات التي صاحبت وصول سعيد لقصر قرطاج لم تكن سوى عامل تشويش وإرباك جديد لمسار صعب ومنهك عنوانه ومداره ورهانه تأمين النقلة من زمن الاستبداد إلى زمن الحريّة.

فشلت تونس الجديدة في كتابة عقد التحالف بديلا عن ضرورة التوافق وكان سقوط حكومة الفخفاخ إعلانا عن حقيقة أعمق من الإدانة الأخلاقية والسياسية لفشل النخب الجديدة في الالتقاء المأمول على الأدنى الوطني والأدنى الثوري والأدنى الديمقراطي، فقد أشّر ذلك الفشل على “فشل تاريخي” أعمق من سطح المعادلة السياسية وتوازناتها البارزة والكامنة.

ونقصد بالفشل التاريخي، عجز الثورة التونسية عن إعادة انتاج أو بالتدقيق استنبات الحيز السياسي الوطني، أي فشلها في مضلّع حيوي يمثل أحد مقاييس الحكم الصارم على طبيعتها الثورية. فالثورة أي ثورة هي إبداع للمعنى، واستنبات للسياسة، وانتاج للثروة، وإعادة انتاج لآليات توزيعها بحيث تقترب للأقصى من العدالة.

الحالة التونسية تمعن في كتابة ذاكرة الطرافة، فما حدث ذات 17 / 14 ثورة عميقة هزت أنظمة القمع العاري في محيطها العربي، وفجّرت ثورات على منوالها من اليمن شرقا، إلى ليبيا غربا، ومن هذه الزاوية ومن زاوية المنظار الكوني عموما حققت الثورة التونسية هدفها المركزي وهو تأنيس الحيز السياسي وكتابة عقد المواطنة على أسس الحداثة السياسية ومنظومتها الديمقراطية.

الاقتراب المنهجي منه هذه الحقيقة العامة قد يحيل على خلاصة مغايرة. فالتدقيق في المحصول السياسي للثورة يفصح عن فشل مفزع بل وفضائحي للثورة في إبداع أو انتاج الحيز السياسي، نقصد به مجتمع الأحزاب والفعاليات المشتغلة على موضوع الحكم. فالقرف العام اليوم من تكرار المشهد العبثي لأداء النخب السياسية، يعني من جملة معانيه أن الثورة فشلت في إحدى مهامها المركزية والحيوية المتصلة بانتاج الحيز السياسي(le sphère politique) ونقصد به مربع المنافسة علي الحكم بآليات الديمقراطية وعلى قاعدة الاعتراف بالاختلاف والتنوّع.

في هذا المفصل الحيوي فشلت الثورة التونسية، وتبيّن مع عشرية العبور الصعب ثقافة الإقصاء والتنافي اكثر عمقا وتجذرا من ثقافة التعايش في مجمتع النخبة الذي نشط في كتابة فصول مخجلة من سردية التخارج المفزع بين الوعي والتاريخ، والذي طوّح بالتجربة على أعتاب التحارب الأهلي مع اقتراب كل شتاء، ولعلّ ما شهدته الساحة في الأسابيع الأخيرة من دعوة مجنَونة ووقحة للانقلاب العسكري، والردة على المسار، إلّا التعبير السطحي المباشر على فشلنا العميق في استنبات حيز سياسي سوي، نحسم فيه أخلاقيا وتاريخيا وسياسيا ودستوريا و قانونيا آليات المنافسة على الحكم.

تبين مع مرور سنوات العقد الأوّل من عمر الثورة أن القوى الصلبة في مربّع السلطة، وتعبيراتها السياسية في سطح مجتمع الحكم أكثر قوّة ونفوذا وفاعليّة من القوى المؤمنة بالزمن الجديد.

أكثر التحاليل المعنية بالحالة التونسية تركز على السؤال الاجتماعي وفشل الحكومات المتوالية في إيجاد منوال تنموي بديل يخلق الثروة ويعدل في توزيعها، ويتعزّز هذا الرأي مع حدّة منسوب الاحتجاج الاجتماعي والشعبي الذي تتصاعد وتيرته وتتنوع أشكاله مع اقتراب فصل الشتاء، وفي تقديري أن العنوان الاجتماعي أو فشل الثورة في إنجاز الأدنى التنموي والاجتماعي المطلوب لا يفسر طبيعة الخلل البنيوي والهيكلي العميق في مسار الثورة التونسية، فعنوان العدالة كان وما زال منذ الثورة مأمول شعبي نبيل، وحيلة نخبوية بائسة لتمرير أبشع استراتيجيات الردّة على منجز 17 / 14.

فشل الثورة العميق وجرحها التاريخي المؤلم ليس الاستحقاق التنموي والاجتماعي، بل في عجزها إلى حدّ اليوم والساعة في انتاج الحيز السياسي ذاته، وما الفشل في الملف الاقتصادي إلا تداعيا ونتيجة ماثلة للعجز البنيوي العميق للنخب المعنية بموضوع الحكم في بناء مربع تنافس سوي أساسه وجوهره الاعتراف بالاختلاف، وتأنيس آليات وأدوات إدارته، فالحيز السياسي الذي أفرزته منظومة الثورة غلبت عليه ثقافة التنافي وتمثله أغلب فاعليه على أنه مجال حرب مسعورة وبدون ضوابط (أنا أو أنت)، واستدعيت في أفق التنافي كل العناوين المشروع منها وغير المشروع من الصراع الهووي المقيت إلى بؤس الحالة الاجتماعية العامة، فكل عنوانين الأزمة المفتوحة ما هي إلّا تعبير عن أصل العطب التاريخي الماثل في الثورة التونسية وهو عجزها عن اجتراح أو بناء السياسة ذاتها.

حالة الترهل وصعود الشعبويات وحيرة الحكام وانفجار الاحتجاج المناطقي والاجتماعي، وفقدان الدولة لهيبتها، وإفلاس الخزينة العامة، وعبث النخب السياسية، والدعاية السوداء التي يروج لها الاعلام المأجور، والعودة مع نهاية كل سنة إداريّة للحديث عن المؤامرات والثورة التصحيحية، والتهديد بالفوضى أو الانقلابات، كل هذا وغيره يفصح على حقيقة رخوية الحالة الثورية في تونس، وقابليتها للتعايش مع عنوان التحوّل الديمقراطي على حساب المعنى والدلالة الثورية.

ولعل فشل القوى المنسوبة للزمن الجديد في التحالف على برنامج حكم رغم أنّ الناخب مكنها من أغلبية برلمانية مريحة في استحقاق 2019، يذكر أكثر المتفائلين والمراهنين على عنوان الثورة لنجاز القطيعة الأخلاقية والسياسية مع زمن الاستبداد أن واجبهم اليوم هو ببساطة الاقتصاد في التفاؤل حتى لا يلتحقوا بأغلبية صامته ومحبطة ومعلقة بين حدّ جاذب للحرية وحدّ طارد نحو الخراب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق