راي رئيسي

في الذكرى العاشرة للثورة: التونسيون متشائلون!

(1)

14 جانفي 2011 / 14 جانفي 2021… عشر سنوات مضت على انتصار إرادة الشعب التونسي وفرار المخلوع مذموما مدحورا إلى منفاه الأخير بعد بضع وعشرين عاما من حكم فاسد متسلط اغتيلت فيه الحقوق والحريات وكتمت فيه الأنفاس وديست فيه الكرامة وانتهكت فيه الأعراض وافتكت فيه الأرزاق، ورذل وسجن وشرد خلاله كل الذين لم يغردوا نفس الأهزوجة، أهزوجة التجمع الدستوري، ولم يسبحوا بحمد صانع التغيير المبارك بكرة وأصيلا.

صباح اليوم الخميس 14 جانفي 2021، يستقبل التونسيون الذكرى العاشرة للثورة التي ما فتئ بريقها يخفت سنة تلو أخرى تحت جلد سياط ارتفاع الأسعار وتدني المقدرة الشرائية وتدهور قيمة الدينار واستعار الخلافات بين مكونات المشهد السياسي، وفي مناخات كئيبة حزينة زادت طينها بلة الحالة الوبائية غير المسبوقة التي أودت بحياة آلاف التونسيين وأصابت مئات الآلاف منهم، ووضعتهم على حافة مخاطر الفقد والمرض، وهي كفيلة بمفردها أن تجعلهم يذهلون عن بقية المشاغل والاهتمامات، وأن يستقبلوا الذكرى ببرود تام يوازي برودة المحيط الأركتيكي، وأي أولويات تكتسي أهمية تفوق أهمية الصحة والحياة؟

فعاليات الاحتفاء بذكرى الثورة يعيد في كل سنة تنازعا حاول النواب المؤسسون دون جدوى إنهاءه بأن أطقوا عليها اسم (ثورة 17 ديسمبر / 14 جانفي) في دستور 26 جانفي 2014 ولكنهم مع ذلك لم يفلحوا في إقناع من سالت دماء أبنائهم على إسفلت الوطن شتاء 2010 / 2011 بتاريخ مرجعي موحد يحتفي به الجميع، يتذكرون خلاله بكل فخر واعتزاز ملاحم أبنائهم الذين قدموا أرواحهم الزكية قربانا لتحرر البلاد من حقب الاستبداد؛ ويقيمون الحصيلة؛ ويذكرون المجموعة الوطنية بأن “الشهيد خلّى وصية، لا تنازل عن القضية، قضية الشغل والحرية والكرامة الوطنية”، فأهالي سيدي بوزيد يحتفون سنويا بذكرى اندلاع الثورة يوم 17 ديسمبر؛ أما أهالي تالة والقصرين فيحتفون بمهرجان الشهيد أيام 8 و9 و10 جانفي؛ في حين تحتفي مؤسسات الدولة الرسمية وبقية جهات البلاد يوم 14 جانفي بالعيد الوطني للثورة.

في الذكرى العاشرة للثورة نلوك ككل سنة مرارة وخيبة أمل كبرى لأن الحصيلة كانت حقا ضعيفة مقارنة بانتظارات التونسيين، ولأن الأمواج العاتية والمؤامرات المتتالية و”الماتراكاج” المركز الممنهج الذي مارسته وتمارسه لوبيات منظومة الفساد والاستبداد وأبواقها في بعض وسائل الإعلام المأجورة، وجناحها السياسي المتمثل في الحزب الفاشي المكلف بترذيل الحياة السياسية وتخريبها من الداخل، نجحت في التأثير على نسبة من التونسيين إما بسبب السذاجة والانقياد الأعمى للإشاعات والمؤامرات وخطابات بعض السياسيين والإعلاميين، أو بسبب انتمائهم لمن يحق في شأنهم قول محمود درويش “من رضع من ثدى الذل دهرا؛ رأى في الحرية خرابا و شرا” فباتوا يتحسّرون على المخلوع وأيامه متناسين أننا ما نزال نعيش تبعات فساده وفساد وعائلته وأصهاره وأزلامه في المال العام واستثرائهم الخيالي بموارد المجموعة الوطنية، وما نزال نتجرع عواقب منوال تنموي أهدر حقوق المواطنين في مساحة تتجاوز ثلثي مساحة خارطة البلاد ممن يقطنون غرب البلاد وجنوبها

وفي المناسبة ذاتها، نزداد يقينا بأن المقولة التي يرددها باستمرار عدد من رموز وقيادات الأحزاب السياسية المحسوبة على الثورة بشكل طوباوي لم تعد يلقى آذانا صاغية، هي تلك التي تتغنى بالمنجز السياسي للثورة إذ غدت مغالطة كبرى في منظور من أججوا أحداثها وأجبروا المخلوع على الفرار من أرض الوطن معتبرين أن استحقاقاتها الحقيقية وشعاراتها تتمثل أولا وأخيرا في تطوير الوضع التنموي بالبلاد وتوفير مواطن الشغل للمعطلين عن العمل وأن كل ما دون ذلك لا يهم سوى المشتغلين بالسياسة والمهتمين بالتموقع في مفاصل الحكم والتأثير فيه.

ومن ضمن هؤلاء الممتعضين، بل في مقدمتهم عائلات شهداء الثورة وجرحاها الذين بحت أصواتهم وهو يطالبون رئاسة الحكومة بنشر القائمة الرسمية لشهداء وجرحى الثورة بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وهو استحقاق قابلته الحكومات المتعاقبة بسياسة قوامها التسويف والمماطلة دون مبررات وجيهة آخرها وعد رئيس الهيئة العامة للمقاومين وشهداء الثورة وجرحاها عبد الرزاق الكيلاني الذي أكد نشر القائمة النهائية بالرائد الرسمي تزامنا مع الذكرى العاشرة للثورة.

إنه من غير المبرر أن تظل الصورة ضبابية مشوشة يشوبها الحذر والتردد إزاء هذا الملف الذي أدارت فيه المجموعة الوطنية بظهرها لمن قدموا دماءهم وأرواحهم فداء للوطن ولحريته ومهدوا الطريق لبلادنا حتى تتصدر ترتيب المنطقة العربية في مجال الحريات والديمقراطية.

 

(2)

تتزامن الذكرى العاشرة للثورة هذه السنة مع حالة سياسية غير مسبوقة، تتمثل في حالة من التنافر بين ساكن قرطاج وبين شريكيه في مثلث الحكم، رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، وحالة من التنافر بين الرئيس ومختلف الأحزاب السياسية، وحالة من التنافر بين الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من الأحزاب الممثلة بالبرلمان، وحالة من التهارج والخلافات العميقة بين كتل مجلس نواب الشعب، ورئيس حكومة من خارج المنتظم الحزبي يرغب في تعديل أوتار حكومته المشكلة من تكنوقراط جلهم فاشلون، يعمل الجميع على التدخل في خيارته بين ساعين لنصيب من الحكومة، ومعترضين على أي تحوير في الأسماء أو في الصبغة. المهم بالنسبة لهم أنهم يتدخلون في أمر لا يعنيهم من قريب أو من بعيد عذرهم في ذلك أن الحكومة غير سياسية، وأنهم لا يحتملون أن تتدعم الحكومة بوجوه سياسية خاصة وأنهم لا ينتمون إلى ما يطلق عليه بالحزام السياسي أو الوسادة السياسية للحكومة. هو أمر لا يعني أيضا رئيس الدولة وإن كان يرغب أن تكون له اليد الطولى في موضوع تشكيل الحكومات وهندستها ودس أنفه فيها وتفخيخها بأنصار مشروعه الهلامي وحملته الانتخابية على غرار وزير الداخلية المقال الذي عاث في النقل والتحويرات والإعفاءات في وزارته فسادا دون الرجوع إلى رئيس الحكومة والا إلى القيادات الأمنية العليا بالوزارة وكأنه عاقد العزم على ارتكاب تصرفات مريبة لا يمكن وصفها إلا بالانقلابية.

الرئيس قيس سعيد لدى استقباله مطلع هذا الأسبوع (النائبة) سامية عبو عضو مجلس نواب الشعب والمكلفة بالعلاقة بين مكتب المجلس ورئاسة الجمهورية بمناسبة دخولها في إضراب جوع وافتكاك مفاتيح قاعة الجلسات ودخولها في إضراب جوع واعتصام مفتوح، أكد بدوره على ضرورة ألا تقتصر المشاورات على أطراف بعينها دون علم سيادته، خاصة وهو رمز وحدة الدولة والضامن لاستقلالها واستمراريتها والساهر على احترام الدستور.

تتزامن الذكرى العاشرة أيضا مع مظاهر احتجاجية تشهدها مناطق عديدة، بعضها من خلال اعتصامات، والبعض الاخر من خلال إضرابات عامة برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يدعو في الآن ذاته إلى حوار ينزع فتيل الخلافات ويؤسس إلى توافقات وتعاقدات سياسية جديدة من شأنها أن تنقذ الاقتصاد الوطني وتضع خارطة طريق لإنفاذ تعديلات في النظامين السياسي والانتخابي.

 

(3)

الثورة التونسية قصة حلوة وحلم كبير متجدد يخبو في نفوسنا حينا بمفعول الزخم اليومي للأحداث والقضايا والنزاعات والمؤامرات والأزمات متعددة الأبعاد التي نعيشها منذ عشر سنوات ولكنه سرعان ما يعود ليوقظ ضمائرنا ويهز مشاعرنا ويحرك عزائمنا ليدفعنا للبذل والعطاء والاشتغال ليلا نهارا لتحقيق شعاراتها وقيمها والوفاء لدماء شهدائنا الأبرار.

والحقيقة أننا لا نستطيع ونحن في غمرة إحياء الذكرى العاشرة لانتصار الثورة إلا أن نعبر باستمرار عن عظيم سعادتنا بأن تضحيات أجيال من نساء تونس ورجالاتها قد أثمرت نبتة فتية بهية الطلعة شذية العطر تستغلظ كل سنة وتستوي وتورق في انتظار مواسم الإثمار التي لن يطول انتظارها بإذن الله. هكذا نحن دوما لا نستطيع إلا أن نزرع الأمل ونبشر بأنه على الرغم من أوضاعنا الاجتماعية الصعبة واهتراء مقدرتنا الشرائية سنخرج منتصرين من معارك الإرهاب والفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية لأن شعبنا الذي انتصر على أكثر الأنظمة انغلاقا وفسادا ودكتاتورية في المنطقة العربية سيظل يقظا منافحا عن ثورته وعن مبادئها وشعاراتها المتمثلة في الحرية والكرامة وسيظل مستنفرا مذكرا منبها محذرا حتى تتحقق كل أهدافها شعاره في ذلك “لا خوف لا رعب السلطة ملك الشعب”.

ولابد لنا أن نؤكد مرة أخرى اننا كنا ولا نزال نعتقد أن بلادنا رغم ما تعيشه من صعوبات اقتصادية واجتماعية وصحية وأمنية تظل دون بن علي ونظامه الدكتاتوري أفضل وأرقى وأطهر وأشرف وأن المجلوبات الاقتصادية والاجتماعية للثورة آتية ولو بعد حين بفضل عزائم أبنائها وشبابها ونسائها ورجالها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق