أهم الأحداثحصريوطني

في حوار  لــ  “الرأي العام”  الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي:
حكومة المشيشي لن تتوفر لها عناصر الاستقرار إن لم تكن لها علاقات ثقة مع الأحزاب..
إذا سقطت حكومة المشيشي في البرلمان فسيتحمل رئيس الجمهورية المسؤولية وسيدفع ثمن إخفاقه هذه المرة

الأرجح أن الرئيس سعيد سيعمل على إدارة القصبة من قرطاج..
منهجية الحوار حول تكوين الحكومة خاطئة وعلى رئيس الحكومة المكلف عرض برنامجه على الأحزاب قبل الخوض في التركيبة

 “سبق وأعطينا فرصة للمستقلين والتكنوقراط ولم يقدموا شيئا للبلد، وأعتقد أن رئاسة الجمهورية سيكون لها يد في الحكومة القادمة ويبدو أن سعيد سيعمل على إدارة القصبة من قرطاج. أما في حال سقطت حكومة المشيشي ولم تحظى بثقة البرلمان وهذا وارد، فسيتحمل حينها رئيس الجمهورية المسؤولية وسيدفع ثمن إخفاقه هذه المرة لأنه لم يحسن قراءة المشهد السياسي جيدا”.. هذا بعض ما قاله مع الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي في حوار لــ “الرأي العام”..

في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تهدّد البلاد كيف ترى انشغال بعض النخب السياسية بعملية الفرز الإيديولوجي واصرارها إلى حد اليوم على أن تستمد شرعيتها من المتناقضات الفكرية والسياسية والهووية والمراهنة على الاحتراب الإيديولوجي على حساب التسويات السياسية الضرورية اليوم؟
في اعتقادي أن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد تتفاقم سنة بعد سنة أمام عجز الحكومات المتعاقبة على إيجاد حلول للتحديات الاقتصادية الكبرى، وكان من المفروض أن تكون أهم محاور الحوار التي جمعت الفرقاء السياسيين والنخب حول الحلول المقترحة لتجاوز الأزمات إضافة لتوفير مناخ سياسي واستقرار لمؤسسات الدولة وضمان استمرار الانتقال الديمقراطي.

كان على النخبة إيجاد حلول تتلاءم مع المعطيات الضرورية لوضعية البلاد وانتظارات المواطنين، لكننا بقينا كل سنة نمارس سياسة الهروب إلى الأمام والاستعاضة عن النقاش في أمهات القضايا وإدارة الظهر  عنها وعدم فهم هذه المطالب إلا بما يعزز الخطابات الشعبوية الجوفاء دون الغوص في حقيقة المشاكل التي تعيشها البلاد والتي طغى عليها صراع شعارات سياسية وإيديولوجية فارغة المضمون التي ساهمت في تدني مستوى الخطاب السياسي والفكري وأضرت بالعملية الديمقراطية، رغم أن الدستور حسم الأمر في مسألة قضايا الهوية والانتماء والمواطنة وفتح الطريق أمام النشاط السياسي والمدني، لكن ما نعيش اليوم حالة من الانتكاسة والعودة إلى الوراء عبر تبني خطاب إقصائي.

ألا ترى أننا نعيش منذ الثورة أزمة أخلاق سياسية بسبب تبني بعض الأطراف لسياسة الإقصاء وعدم إيمان الجميع بقيم العيش المشترك واحترام نتائج صناديق الاقتراع؟

أولا، المطلوب اليوم هو إعادة المصداقية للحياة السياسية لأن الديمقراطية إما أن تكون جامعة لكل الأطراف أو لا تكون باعتبار أن جوهرها يرتكز على الاعتراف المتبادل بالأخر وليس الاعتراف فقط بالطرف الذي نتفق معه، الخطاب الإقصائي القائم على جدلية” إما أنا أو أنت في الحبس أو أنا حي وأنت ميت أو أنا في البلاد وأنت خارجها” فهذا موروث منظومة الاستبداد وهو خطاب تجاوزه الزمن.

ثانيا، مصداقية الأحزاب أضرت كثيرا بالحياة السياسية التي تأثرت بفعل ازدواجية الخطاب الذي انقسم إلى خطابين واحد للانتخابات وأخر للمهمات وإدارة الدولة مما يدفع المواطن التونسي للشك في العملية السياسية واعتبارها عملية مصالح.

ومنه نخلص إلى أن الخطاب الإقصائي أضر بالعملية السياسية وازدواجية الخطاب والتحالفات المتقلبة من حين إلى آخر.. كل هذه الممارسات تدفع نحو تنفير المواطن من الأحزاب خصوصا وأن هنالك طرح سياسي يريد تحجيم دورها وإلغاءه تماما وهذا يعتبر خطر وضرب للديمقراطية التي تقوم على التنظيم والتأطير السياسي داخل الأحزاب، وأنا شخصيا لدي تخوف من توجهات رئيس الجمهورية باعتباره لا يؤمن بالأحزاب ويعتبرها دواء منتهي الصلوحية، إضافة لوجود جهات داخل الدولة وخارجها تريد أن تضرب العمل الحزبي، وأنا أقر بوجود خطورة على الأحزاب بما فيهم حزبي الذي أنتمي إليه الحزب الجمهوري.

ما هو تقييمكم لطريقة المشاورات الأخيرة التي قادها رئيس الجمهورية لاختيار الشخصية الأقدر  لتشكيل الحكومة؟

المتابع للمشاورات التي قادها رئيس الجمهورية قبيل تكليفه لهشام المشيشي لتشكيل الحكومة لا يمكنه أن لا يلاحظ التعاطي السلبي الذي يتوخاه قيس سعيد في تعامله مع الأحزاب بتجاهله التحاور والالتقاء مع زعماء الأحزاب الكبرى واقتصار المشاورات فقط مع مؤسسات الدولة، وطريقته في التشاور عبر  تلقي استمارات كتابية “مبتدعة” فأساس المشاورات وفق ما نص عليها الدستور ترتكز على الأخذ والعطاء وليس تبليغ رأي كتابي.. وبالتالي نستنتج أن رئيس الجمهورية يرفص التحاور مع الأحزاب أو إعطائها “شرعية” للدور الذي تقوم به.

صحيح أن الأحزاب تعاني من صعوبات وأمراض داخلية على غرار جل مؤسسات الدولة وقد أعطيت فرص عديدة طوال السنوات الماضية وكان مردودها كارثي في إدارة الحكم لكن هذا ليس مبررا لإلغاء دورها.

ما رأيكم في إعلان رئيس الحكومة المكلف عزمه تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة بعيدة عن كل الأحزاب؟

نحن في الحزب الجمهوري نرى منهجية الحوار حول تكوين الحكومة خاطئة فإعادة نفس المنهج لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج نفس الحكومات القضية اليوم ليست متعلقة بحكومة متحزبة أو مستقلة بل ما ستقدمه، وسبق لنا أن قمنا بإعطاء فرصة للمستقلين وتكنوقراط ولم يقدموا شيئا.

الحل اليوم يكمن في تقديم رؤيا وتصور وبرنامج للعمل وخريطة طريق لمجمل القضايا والملفات المطروحة خصوصا فيما يتعلق بالمسألة الاقتصادية، والمطالب بذلك هو رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي ويكون تصوره متفق مع الأحزاب قبل التوجه للبرلمان سواء كانت حكومته مستقلة أو حزبية حتى يحوز على نيل الثقة.. لكن المشيشي لم يعلن منذ تكليفه بتشكيل الحكومة لا عن برنامجه ولا عن رؤيته للحكومة القادمة لذلك يجب أن يبادر بتقديم برنامج دقيق وخريطة طريق ويعرضها على الأحزاب قبل الخوض في صبغة الحكومة مستقلة أو متحزبة ويترك لهم حرية الاختيار .

هناك  من يؤكد أن  هذه الحكومة ستحظى بثقة غالبية نواب الشعب سواء كانت حزبية أو مستقلة وذلك خوفا من حل البرلمان، كيف تقرؤون مثل هذه التكهنات؟

لو سلمنا جدلا أن هذا المعطى صحيح وأن غالبية النواب سيصوتون لصالح الحكومة خوفا من فقدان مقاعدهم في البرلمان،  فإن هذه الحكومة  لن تتوفر لها عناصر الاستقرار ولن يكون حليفها النجاح إن لم تكن لها علاقات ثقة مبنية مع الأحزاب والكتل البرلمانية لأنها قد تدخل في صراع مع البرلمان مما سيتسبب في  تعطيل عملها وستصبح كل مبادرة تقوم بها وكل مرور لها على البرلمان بمثابة امتحان عسير وتصادم بين مؤسستي الدولة التنفيذية والتشريعية.. لذلك يحب على المشيشي إصلاح منهجيته والإفصاح عن رؤية لحكومة تكون قادرة على جمع أغلبية برلمانية.. وإذا ما سقطت حكومته ولم تنل ثقة نواب الشعب فعلى رئيس الجمهورية تحمل مسؤوليته لأنه لم يحسن الاختيار ولم ينجح في قراءة المشهد السياسي وسيدفع تمن إخفاقه من شعبيته…

هناك قراءات متعددة وتأويلات مختلفة ومتضاربة للدستور وهذا برز في استقالة الفخفاخ بالتزامن مع تلويح البرلمان سحب الثقة منه.. ألا ترى أن ذلك فيه خطر على الدستور والشرعية؟

أنا أرى أن رئيس الجمهورية تمسك بالدستور لكنه ناور سياسيا خلال استقالة الفخفاخ الذي قام بإرجاع المبادرة السياسية والأمانة له ولا مأخذ دستوري عليه في هذه الحالة.. لكن منهجه في إدارة المشاورات عبر المراسلات بالاستمارة لا أتفق معها وأرجو أن يراجع طريق تعامله مع الأحزاب… لكني لا أخفي لومي في ذات الوقت للأحزاب والكتل البرلمانية بخصوص مقترحاتها التي أعتبرها لم تساعد رئيس الجمهورية  على الاختيار ..حيث قام معظمهم بتقديم أسماء لا وزن لها في حين قدمت النهضة وقلب تونس شخصين وهما فاضل عبد الكافي وخيام التركي لكن كلاهما كان يراعي التحالف في بينهما والتوزنات الداخلية لها دون مراعاة مقبوليتهما ..كل هذا تسبب في إحراج رئيس الجمهورية عبر ترشيح أسماء ليس لها خبرة سياسية ولا تجربة ولا رؤيا اقتصادية مما شجع الرئيس على الالتجاء لشخصية تعتبر أهلا للثقة بالنسبة إليه، إضافة للخبرة الإدارية والقانونية التي أعتبرها غير كافية لأنه يفتقر  للخبرة السياسية والرؤية الاقتصادية لذلك أجدد دعوتي للمشيشي للإفصاح على برنامجه الاقتصادي والاجتماعي ورؤيته السياسية.

هناك من يرى أن المشيشي لن يمتع بحرية مطلقة في إدارة حكومته وسوف يكون بمثابة الوزير الأول لا رئيس حكومة، عل تؤمن بصحة هذا الاعتقاد؟

رئيس الجمهورية يعتبر صاحب الفضل على المشيشي ليكون في هذا الموقع وأعتقد أن رئاسة الجمهورية سيكون لها يد في تسيير الحكومة القادمة لو نجحت في نيل ثقة البرلمان.. وأرى أن قيس سعيد سيعمل على إدارة القصبة من قصره الرئاسي بقرطاج وهذا شبيه بالمسلك الذي توخاه المرحوم الباجي قائد السبسي عند تكليفه يوسف الشاهد في البداية لكن النهاية كانت مأسوية وأتمنى أن تكون هذه النهاية أفضل من سابقتها.

ما هو موقفكم من المشهد البرلماني في ظل التجاذب بين بعض الكتل وخاصة كتلة الدستوري الحر ورئيستها عبير موسي التي يتهمها البعض بسعيها لتعطيل وترذيل العمل البرلماني؟

الانتخابات التشريعية الأخيرة أفرزت حزب المنظومة القديمة وامتداد للفئة السلبية من التجمع الدستوري الديمقراطي الذي ثار ضده الشعب، والدستوري الحر يريد أن يتنقم من الثورة وإعادة عقارب الساعة عبر ضرب الديمقراطية في مقتل وفي موطنها الأساسي ألا وهو البرلمان.. وعبير موسي أعلنت الحرب منذ اللحظة الأولى لدخولها البرلمان على النظام الديمقراطي الذي أفرزته الانتخابات عبر رفض أداء اليمين الدستورية كما أعلنت أن معركتها الحقيقية هي إستعادة معركة خاضها بن علي ضد حركة النهضة بالأدوات القمعية.

هذه السيدة لا يكاد يمر أسبوع إلا ودخلت في اعتصام هي وكتلها معطل لنشاط البرلمان وما يؤسفني أن هذا أمام سلمية غريبة في التعاطي مع ممارساتها من قبل عديد النواب والكتل الديمقراطية لذلك أرجو عند العودة البرلمانية أن يعمل النواب خاصة الديمقراطيين على احترام مؤسسة البرلمان وعدم ترذيله والدفاع على الديمقراطية لا الأحزاب والكتل والشخصيات.
هل صحيح ما يتحدث عنه البعض أن عبير موسي هي امتداد لأجندة إقليمية معادية للثورة التونسية تجاهر بهذا العداء في وسائل إعلامها؟

في العادة أنا لا أرمي الاتهامات جزافا، لكن يبدو من الواضح أن عبير موسي وحزبها مدعومة دعم كامل من وسائل إعلام محور الشر العربي.. وأرى أن هنالك تبني كامل لممارساتها وانخراط بعض وسائل الإعلام التي تعرف بمحاربتها للديمقراطية.

وهل هذا يمثل خطرا على المسار الديمقراطي؟

الديمقراطية يجب أن لا تكون مسكونة بالخوف والمسار لن يتأثر بهذه الممارسات طالما وجد سعي لترسيخه واحترامه والاحتكام لألياته وتهدئة الأوضاع  والأخذ بالحسبان أن الخلافات واردة النشوب لكنها ليست مبرر للاحتراب والمهم تثبيت عودة الديمقراطية في الأرض التونسية وهذه أفضل طريقة لتحصينها ضد التآمر الداخلي والخارجي.

اعتبرت أن ما حصل للعبدلي تهديد لحرية التعبير؟ ماذا تقول إذا عن الهجمة التي طالته من بعض النخب المثقفة التي عرفت في السابق بالدفاع عن الحرية المطلقة في كل شيء؟

سبق وقمت بإعلان تضامني مع الفنان المسرحي لطفي العبدلي نظرا لجملة من المعطيات أبرزها وأن الإبداع الفني والمسرحي قد يروق للبعض وقد لا يروق للبعض الأخر وصحيح وأن أهل الفن من المفروض أن يتفقوا على بعض الضوابط، لكن تقييم العمل الفني يجب أن لا يكون مدخلا للصنصرة والمنع والقمع..

تضامني مع العبدلي جاء بعد قرارات متتالية تم بموجبها إلغاء عروض صيفية كانت مبرمجة مما يوحي بعودة سياسية تكميم الأفواه وعودة للوراء وهذا مخالف لقيم الدستور الذي يعتبر الدولة حاضنة وراعية وضامنة لحرية التعبير والإبداع والفن ومن المفروض أن تتدخل لضبط أداء مؤسساتها وإداراتها.. وكل من يتذمر من محتوى عروض العبدلي عليه أن يلتجأ للقضاء لا التوجه إلى منعها..

وأنا أعتبر هذا المنع جاء نتيجة ضغط مراكز قوى نوفمبرية على إدارات المهرجانات من أجل إلغاء عروض وهذا يعتبر خطرا على الديمقراطية وعلى عمل الإدارة ومؤسسات الدولة التي يجب أن لا تخضع قراراتها إلى أهواء هؤلاء.. لذلك يجب محاربة مراكز قوى الضغط التي أشرت إليها لأن الدور لن يقتصر على لطفي العبدلي وسيتعداه لجل الفنانين والمعلقين السياسيين والصحفيين الذي لا يتوافقون مع أهوائهم وبالتالي ستتسع دائرة القمع.

هناك من يعتبر أن لطفي العبدلي في انتقاده لعبير موسي مس من قيمة وكرامة المرأة؟

سبق للعبدلي أن تعرض للرئيس المرحوم الباجي قائد السبسي والرئيس السابق المنصف المرزوقي وراشد الغنوشي وجل السياسيين في أعماله بأبشع النعوت لكن  في تلك الفترة هناك من اعتبر ذلك ضمن حرية الإبداع والتعبير  واليوم أصبحت هذه القيم  محرمة أمام الانتماء الحزبي باعتبار وأن حزب موسي لا يقبل النقد وهذا متأصل في تكوينه وله لوبيات ومراكز قوى ونراه اليوم يقوم بمثل هذه الممارسات وهو ضعيف وفي المعارضة فكيف لا قدر الله سيكون الحال إذا ما تمكن من الوصول للحكم لذلك من واجب الدولة أن تتدخل لحماية الفن والإبداع والتعبير.

أريد أن أحيي الناشطة الحقوقية بشرى بالحاج حميدة التي ميزت بين حرية الإبداع وبين المس من قيمة المرأة واعتبرت أن الهجمة على لطفي العبدلي فيها تقديس شخصية سياسية وهي عبير  موسي ولا علاقة لذلك بالمرأة.

 ألا زالت “قوى الضغط النوفمبرية” التي ذكرتها تتمتع بنفوذ في البلاد إلى الآن وبعد 10 سنوات على الثورة؟

طبعا، المنظومة القديمة لازال لها مراكز قوى تحاول توظيفها لمحاولة استرجاع ما فقدته من امتيازات والدليل أن بعض المهرجانات قامت بإلغاء عروض العبدلي نتيجة ضغط هذه القوى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق