راي رئيسي

في ذروة استفحال خطاب الشحن والتقسيم..
الغنوشي يدعو إلى الحوار وتجميع الصف لمجابهة التحدّيات..
من المسؤول عن حالة الانسداد السياسي اليوم؟

في أوج استفحال خطاب الشحن والتخوين والتهييج الذي يتّقد حنقا وغيضا وفي قمة سقوط الخطاب السياسي مجدّدا في النعرات الإيديولوجية والشعارات البالية التي تغرقنا من جديد في متاهة التضاد والتجميع على الضدّ والنفي والتعصّب وحرب الكل ضد الكل، في أوج استفحال هذا الخطاب في أعلى هرم في السلطة وفي الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي، يخرج رئيس مجلس نواب الشعب وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي في مسيرة حاشدة لأنصار حزبه ليدعوا كل الطيف السياسي والتونسيين إلى نزع الحقد والضغينة من قلوبهم ويغذونها بالمحبة، فالحقد، على حدّ قوله، “يحرق صاحبه”.. خرج الغنوشي ليقول إن المحبة والأخوة والتعاون طريق لبناء الحضارات.. وأننا نحتاج تعاونا بين مؤسسات الدولة والتغلب على الأحقاد وشحن النفوس.. وأن تونس دولة واحدة يحكمها دستور واحد وما يقربنا أكثر ممّا يفرقنا، فلا تقسمونا.. وليذكر كل الفرقاء السياسيين بأننا بحاجة في هذه المرحلة الصعبة إلى وحدة وطنية..

ودعا الغنوشي إلى التحلّي بالروح الوطنية الجامعة والتمسّك بقيم الإسلام النابذة لكل ما يشيع الفرقة بين أبناء الوطن والتمسّك بدل ذلك بنهج التوافق والبحث عن الهمّ المشترك..

رئيس مجلس النواب أكّد على ضرورة احترام مقام رئيس الجمهورية باعتباره ضامن وحدة البلاد والمؤسسات واحترام مستشاريه وعدم الانخراط في حملات مغرضة ضدهم..

وشدّد أيضا على ضرورة تحلّي جميع شرفاء هذا الوطن بضبط النفس والصبر على النقد مهما كانت شدّته، حتى لا تشحن نفوس التونسيين ضدّ بعضهم البعض فيتفرقوا وتطال الخسارة الجميع..

تصريح الغنوشي يقول لجميع الفرقاء السياسيين في هذا البلد أعيدوا تثبيت بوصلة معارككم الحقيقية كما حددتها ثورة 17 – 14 ووضعت نهجها وأطرها، وحدّدت أهدافها القصيرة والبعيدة.. والأكيد أنّ أسئلة الثورة لا يمكن الإجابة عنها بخطابات التقسيم والشحن والتأزيم التي نستمع إليها اليوم..

كلمة الغنوشي أمام ما يفوق المائة ألف من أنصار الحركة وقواعدها، تقول للنحب السياسية إنّ خطاب التهييج والتحشيد على الضد لا يصنع مشروعا بل يصنع معركة لا تنتهي وقد تدوس رحاها الجميع، وأنّ آخر ما تحتاجه تونس في هذه المرحلة هو خطابات التهييج والتعبئة والتقسيم، وأن ما تحتاجه فعلا هو خطاب يحمل رؤى وبرامجا وأفكارا وحلولا تستحضر أهداف الثورة في التشغيل والتوازن الجهوي وفي العدالة الاجتماعية، وتكريس التمييز الإيجابي الذي نصّ عليه دستور الجمهورية الثانية، وتتفهم المرحلة الصعبة والخطيرة التي تعيشها تونس، خطابا يعقل أننا لم نعد في مرحلة هدم بل نحن في مرحلة بناء الدولة وتركيز منوال تنموي ناجع والقيام بإصلاحات كبرى..

الغنوشي دعا النخبة لتستفيق من وهمها، وتفهم أن عدوّ تونس الحقيقي كان الاستبداد وماكينته ولوبياته، التي ظلت أذرعها مبثوثة في كل مفاصل الدولة تبذل كل ما في وسعها لتدميرها ثأرا لنفسها ولولي نعمتها.. وأنّ عدوّنا اليوم ليس النهضة – فالنهضة في الأخير حزب سياسي يحمل رؤية ومشروعا من لا يرى فيه نفسه وبلده يستطيع أن يسقطه ببرنامج بديل ورؤية مختلفة، عدوّنا هو منظومة متكاملة من الفساد خلفتها الحقبة البائدة فساد كان ينخر كل مفاصل الدولة، ويكبر ويترعرع في أحضان سلطة الاستبداد وبطانتها والموالين والمقربين منها. فساد الصفقات فيه تعقد خلف الكواليس، والاتفاقات خارج حدود المراقبة، فساد تحوّل إلى مؤسسة لها آلياتها المتنوعة ومصادر قوتها المتعددة، وهي فاعلة وناجزة ومتمترسة إلى يومنا هذا.. عدوّنا، هو منوال تنموي بائس لا زلنا متمسكين به، خلّفه المخلوع وحزام خبرائه المنافقون والفاشلون، خلق التبعية المجحفة والتفاوت الطبقي والاجتماعي، وحرّم جهات من ثرواتها، بل جعلها خارج قطار التنمية، وجوّع مناطق بأكملها وكأنها ليست جزءا من تونس..

رئيس البرلمان ذكّر النخبة السياسية بأن المعركة الحقيقية التي تعني التونسيين والتي ينتظرون منا أن نخوضها اليوم، هي كيفية انصاف الجهات المحرومة التي تفتقر إلى أبسط مرافق العيش الكريم كالطرقات والمصانع والمؤسسات الخدمية، والسبيل إلى تمتعها بحقها في التصرّف في ثرواتها، وكيف نقلّص من نسب البطالة ونخلق آليات جديدة للتشغيل، وكيف نضع حدّا لارتفاع الأسعار المطرد ونحدث توازنا بين ارتفاع الأسعار وبين الطاقة الشرائية للمواطن ونحمي قفته، وكيف نجلب الاستثمار ونحرّر السوق ونحارب البيروقراطية الإدارية ونفك القيود التي تعرقل الاقتصاد، ونحسن البنى التحتية..

المعركة الحقيقية هي كيف نعالج تفاقم العجز التجاري ونحمي اقتصادنا من المخاطر التي تهدد التوازنات المالية العامة للبلاد ونحسن نسبة النمو.. وكيف نسرّع في النظر في القوانين الاقتصادية المعطلة ولا سيما القوانين الحالية التي تعرقل قدوم المستثمرين وتعيق دوران عجلة التنمية.. كيف نضمن الأمن والاستقرار في بلدنا، وكيف نتصدّى للإرهاب ونفكك هذه الظاهرة الدولية المعقّدة والمركّبة والمتنامية وكيف نحاصرها في قلاعها ونطوق المنفذين والمخططين..

الغنوشي قال في خطابه للنخبة إنّ عدوّنا المتربص بنا اليوم هو انخرام في الميزان التجاري فاق كل التوقعات، وتضخم فاق كل المستويات المعقولة، واختلال في الموازنات المالية يعيق قدرة الدولة على سداد ديونها التي بلغت أكثر من 93 مليار دينار.. عدوّنا الحقيقي هو شبح الإفلاس الذي يتهددنا والذي لم يعد هامش مجالات تجنبه كثيرة.. عدوّنا اليوم هو الدمار الشامل الذي تنذّر به وضعية التعليم العمومي..

عدونا المتربص بنا اليوم، هو شبح “الكورونا” الذي عاد بقوة وشراسة وقُفة المواطن التي تُؤرّقه، وهما كبرى عناوين تحديات المرحلة القادمة، أما الباقي فكلّه عبث وترف سياسي لا ينذر إلا بالخراب في ظلّ شارع ضاق ذرعا بعبث السياسيين وترفهم الفكري.. والحقيقة الثابتة والأكيدة أن خطاب التهييج والتخوين والتعبئة الذي نستمع إليه اليوم لا يمكن بأي حال إلا أن يعمق الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد ويُسقط السقف على رؤوس الجميع على حد قول الغنوشي..

خطاب زعيم حركة النهضة رئيس مجلس نواب الشعب يوم 17 فيفري الماضي عرّى كل الحجب التي يتستر وراءها أصحاب خطابات الشحن والتهييج والتفرقة، نزع أسلحتهم، كشف وجوهم العابسة، حصرهم في زاوية ضيقة وسحب منهم كل الذرائع التي تجعلهم يتمسكون ببث الأحقاد وشحن النفوس.. قال لهم لا مناص لكم اليوم من الحوار، ولا خيار لكم غير الاعتراف ببعضكم البعض والجلوس على طاولة واحدة حتى لا تغرق السفينة بجميع من فيها، فاصرفوا جهودكم في البحث عن الحلول لأزمتنا وللبناء والتعمير فالحقد يدمّر النفوس والأوطان..

خطاب الغنوشي كان خطاب زعيم سياسي ووطني، يتحمّل مسؤوليته التاريخية في مرحلة عصيبة ودقيقة تمرّ بها تونس، خطاب تجميعي، ووفاقي، يجمع ولا يفرق، يؤلف ولا يقسم.. يدعو للحوار وينهي عن تأبيد الخصومات العبثية..

وفي المقابل منطق الأشياء يقول أن الخطابات السياسية التي ننتظرها ردّا وتفاعلا مع خطاب الغنوشي ومدّ يده للجميع في هذه المرحلة الصعبة والحرجة التي تمرّ بها البلاد، سواء من طرف الأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي أو من طرف رأسي السلطة التنفيذية، كان المفروض أن تكون في نفس مستوى الانفتاح والمرونة والمسؤولية والوطنية والديمقراطية التي أبداها رئيس مجلس نواب الشعب في كلمته..

ولكن للأسف الشديد جاءنا خطاب التأزيم والتمزيق والتصنيف والتخوين والتقسيم.. جاءنا من أعلى هرم في السلطة خطاب قاتم، حانق ومتشنج.. وفي الوقت الذي منينا النفس بأن نستمع إلى خطاب مجمع، وموحد ومقرب بين الفرقاء، متبصر بمشاغل مواطني هذا البلد، فإذا بنا نصعق من جديد بوجه واجم وقاض قضاة الدنيا والآخرة، يجلس على منبره، غليظ القلب، يُجلس المتهمين والمذنبين أمامه، يوبخهم بفضاضة وقسوة، يدخل في ناديه المقدس من يشاء ويخرج منه من يشاء، يعطي صكوك العفة والبراءة والتوبة لمن يرضى عنه ويقبضها عمن خرج من تحت سقف سلطانه..

رئيس التونسيين آل على نفسه، في وقت تعاني فيه البلاد من حالة انسداد سياسي واقتصادي تغذي أزمة خانقة تعتصر الجميع، آل على نفسه إلا أن يخرج على مواطنيه في صورة الغضبان الذي وضع نفسه في خصومة مع الجميع أحزابا ونخبا وبرلمانا ورئيسه وحكومة ورئيسها، بل يبدو أحيانا وكأنه في خصومة مع الشعب بأكمله..

يصرّ على تجريم هذا وتخوين ذاك، وتكفير هذا وترذيل ذاك.. يقسم التونسيين إلى ملل وجماعات، بين عفيف الطاهر الصادق، هم مني وبين كذوب منافق آفّاق ليس مني، من دخل جنتي فهو آمن ومن خرج منها فهو في لعنتي إلى يوم الدين..

السفينة تكاد تغرق بالجميع ورئيس البلاد، الذي بيده التجميع والتوليف والتوحيد ليكون له فضل انقاذ السفينة ومن عليها، يصرّ على أن يخرج علينا غاضبا، مكفهرا مقطب الجبين يحدثنا عن مؤامرات تحاك، وغرف مظلمة وبؤس الأحزاب وأنصارهم، ويستدعي كالعادة قاموس الخيانة والتجريم والتكفير..

رئيس البلاد اختار أن يهرب من خصومه ليرسل إليهم من بعيد برسائل حربية لا سلام فيها ولا أمان بها.. رسائل تبرؤه النهائيّ منهم، فلا هم منه ولا هو منهم.. هكذا اختار من أسند له الدستور والأعراف مهمة تجميع التونسيين وتوحيدهم والتوليف بينهم، هكذا اختار رئينا المنتخب من غالبية الشعب أن يدير الأزمة السياسية التي عوض أن يحاول حلحلتها اختار أن يكون هو عنصر التوتير والتعقيد والتأزيم والتفريق والتقسيم غير عابئ بما آل وما سيؤول إليه الوضع العام بالبلاد، فهل مازلنا سنتساءل بعد كل هذا من المسؤول اليوم عن حالة الانسداد السياسي في البلاد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق