راي رئيسي

في ذكرى ميلادك..
معذرة يا محمد .. نحن من أساء إليك؟

إن المجتمعات المهزومة هي التي تهزم رموزها وقيمها وأفكارها المنتصرة تماما كما الورثة القُصّر يسيئون التصرف في ثروات استلموها بغير جهد وغير وعي .

لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم مجرد زعيم يستمد مكانته من سلطته إنما كان رمزا تتوافق فيه الأهداف النبيلة والأساليب الجميلة … إن المناهج عادة تنبع عن مقاصدها .. محمد لم يكن فقط داعية إلى الرحمة أو يتوصف بالرحمة إنما كان هو ذاته رحمة من الله لا لأمة أو لشعب وإنما للإنسانية كلها “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، رحمة من الله وهبة تماما كما الغيث وكما كل النعم التي تجعل الحياة سعيدة وذات معنى .

الدعوة المحمدية إنما كانت دعوة للحياة وللمعنى ولوحدة النوع الإنساني لا في ما هو خِلقي طبيعي وإنما في ما هو حميمي تعارفي وتعاوني .

الأهداف الكبرى تحتاج أنفسا كبيرة وقيما عالية وأخلاقا عظيمة.

جاء رجل إلى مسجد المدينة متوشحا سيفه يفيض حقدا ويُبدي إصرارا على القتل سأل عمرَ بن الخطاب أين نبيكم لأقتله؟ شدّه عمر رضي الله عنه إلى سارية المسجد وظل ينتظر قدوم الرسول الكريم وهو واثق من أنه سيأذن بقطع رأسه ولكنه أذن بقطع وثاقه وبإطعامه ، أدناه منه بلطافته وهدوئه وعمقه الإنساني يُحاوره بحكمته وبلاغته ودقة مفرداته ، كان محمد صلى الله عليه وسلم يعرف أن هذا الرجل إنما جاء يقتل صورة مشوهة صنعها “الإعلام” في ذهنه عن محمد وكان يعلم أيضا بأن الانتصار لرسالته ونبوته لا يتحقق بقتل الرجل وإنما بقتل الصورة المشوهة في ذهنه ونسج صورته الحقيقية في رحمتها وإنسانيتها وعدالتها، إن كثيرا من الناس يسيؤون بنا الظن أو يكرهوننا لجهلهم بحقيقتنا وإننا كثيرا ما نكون مقصرين في حق أفكارنا ومبادئنا وأهدافنا ومناهجنا حين لا نعرّف بها وحين نترك للآخرين مجالا لتقديمنا للناس على غير حقيقتنا،وهذا جوهر “الدعوة” ومعنى “الرسالة” ، نحن مدعوون إلى إبلاغ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس، إبلاغ مضمونها الذي بشرت  به من قيم الخير والجمال والمحبة ومن مبادئ العدالة والمساواة والشورى ونحن مدعوون أيضا لممارسة “الدعوة” بما هي نشاط “إعلامي” هادئ أمين وحكيم بحيث لا نصطدم بالوعي الشعبي ولا نتكلم إلا بما يقتضيه الحال وما نفعه أكبر من ضرره وما لا يؤذي الناس في كرامتهم ومشاعرهم وما لا يسيء إلى سمعتهم ولا يُحرّض على إيذائهم.

لقد خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم في ذاك “القاتل” جوهره الإنساني ونفخةَ الله فيه ، إن المؤمن لا ييأس من أي شخص مهما كانت درجة انحرافه وفساده وإجرامه لأننا نعتقد بأن في كل شخص قبسًا من روح الله وروح الله لا تموت ولا تُطمس وإن خفتت طويلا “ونفختُ فيه من روحي” … عرض عليه الإسلام فرفض…أخلى سبيله … صُدم الرجل ذاك بمنسوب التسامح والصبر …لم تكن تلك الأخلاق معهودة عند أكرم كرماء العرب، اكتشف أن هذا المتسامح الذي كان يحاوره لا يمكن إلا أن يكون نبيا… رجع على عجل وأعلن إسلامه … سأله الرسول: ما منعك أن تُسلم وقد دعوتك منذ حين؟ قال: خفتُ أن تقول أسلم خوفا. هذا الرجل سيتحول إلى صحابي وإلى نصير للرسول ولرسالته، تلك هي الانتصارات الحقيقية لأفكارنا ومبادئنا وقيمنا حين نحولّ أعتى أعدائنا وخصومنا إلى أصدقاء وأنصار ، وليس الانتصار في “تصفية” آلاف الخصوم.

إن جوهر النبوة هو الدعوة إلى “الحياة” “استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم” وأما المشاريع الانتقامية الثأرية فإنها مشاريع موت لا تنسجم مع روح رسالتنا ، لو أخطأ أولاد أصدقائنا في حقنا لوجدتنا نعيب على أصدقائنا أنهم لم يُعرفوا أبناءهم بنا، فكيف لا تتحمل أمة كاملة بمثقفيها وسياسييها وفنانيها ودعاتها وسياسييها مسؤولية التقصير في التعريف بمحمد صلى الله عليه وسلم؟، بل لنا أن نسأل إلى أي حد نتحمل مسؤولية إضعاف صورة نبينا ورسالته في أعين “الآخرين” ممن يجهلون تاريخنا ويجهلون العربية ويجهلون القرآن ولكنهم يعلمون واقعنا ويرونه في الواقع وبالألوان: استبداد/فساد وإفساد/معارك قبلية وطائفية ومذهبية / ازدراء بالعلم والعلماء والمبدعين / إعلاء من شأن المشعوذين والحمقى والتافهين/ تشريد للسياسيين والمبدعين والمفكرين والمعارضين/ عجز عن تحقيق الإكتفاء الذاتي من الغذاء والكساء والدواء/ عجز عن استغلال الثروات الوطنية… وعجز عن رؤية عجزنا؟.

حين تُنسب أمة هذا شأنها لنبيّ هل يمكن أن تشهد لرسالته بكونها كانت رسالة “حياة” وعلم وحضارة وعدالة؟

كانت أكثر من فرصة للمسلمين كي يقدموا للعالم ما أمكن من حقائق عن محمد ورسالته، كانت فرصة حين انتبه العالم إلينا بسبب فلم أو رسوم لا أعتبرها مسيئة للرسول قدر إساءتها لأصاحبها إذ كشفوا عن جهلهم وفساد ذائقتهم وضعف أدبهم، وأما محمد فقد رفع الله ذكره منذ أرسله نبيا “ورفعنا لك ذكرك” فلن ينال من رفعة مقامه أي كان.

إن أكبر هدف يسعى إليه أصحاب الفكر والمشاريع هو انتباه الناس إليهم وتساؤلهم حولهم حتى يجدوا فرصة للتعريف بأنفسهم وبمشاريعهم … لقد كانت حقيقة فرصة تاريخية للمسلمين حين انتبه إليهم العالم وانتظر إجابتهم عن ذاك العمل القاصر تجاه رسولنا ورسالته… بكل مرارة أجبناهم … إننا كما تعتقدون: نضرب بعضنا،نعطل سير الحياة،نكسر ونحرق أرقى منتجات العلم والعلماء، نهاجم سفراء الدول وبناياتنا .. ننتصر لمحمد بأساليب قريش وللإسلام بقيم الجاهلية… معذرة يا محمد لن ينال منك غيٌّ/ لن يطالوا قط قَدْرَكْ / ها هي الأرضُ تثورُ/ لم تطأها قدماك/ إنما تسمع أمرَكْ/ يامحمدْ/ إنك الإنسانُ فينا/ إنك فيهم وفينا/ لم يروك/ أغبباءٌ/ وعبيدٌ/ حسبوا الفلم أضرّكْ/يامحمدْ/ إنك اليوم تقوم/في الملايين تقوم/ وتقول/ أيها الإنسانُ عَصْرَكْ/ ايها الإنسانُ اخترْ/ أن تكون / أو يكون الجسمُ قَبْرَكْ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق