راي رئيسي

في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة وأداء حكومي ضعيف وغير منسجم..
ألم يصبح تحوير وزاري يسنده حزام سياسي ضرورة وواجب وطني؟

تواجه حكومة المشيشي المكلّفة من طرف رئيس الجمهورية انتقادات واسعة، بسبب ما يعتبره البعض ضعفا في تركيبتها مقارنة بضخامة التحدّيات التي تواجهها البلاد في هذه المرحلة، ومقارنة بانتظارات التونسيين الكثيرة، ومقارنة بالخبرة المحدودة لأغلب أعضاء هذه الحكومة وعدم تخصّصهم في مجالات وزاراتهم.

وبمجرّد طرح مسألة التحوير الوزاري خاصة بعد إعفاء بعض الوزراء وشغور مراكزهم عادت من جديد جوقة مصادرة النوايا على الواجهة، يلطمون الخدود ويشقون الجيوب حزنا وفرقا وخشية على حال البلاد والعباد إذا حصل ها التعديل الوزاري، وخاصة إذا تم بالتشاور مع ما يسمى بالحزام الحزبي لحكومة المشيشي..

الوضع في تونس اليوم هو 21،6% نسبة تراجع الناتج المحلي الإجمالي، و%30,4 نسبة تقلص مردود قطاع الخدمات المسوّقة، و%77,5 نسبة تراجع الانتاج في خدمات النزل والمطاعم والمقاهي هي %51,4 نسبة تراجع الإنتاج في خدمات النقل، و27% نسبة انخفاض القيمة المضافة للصناعات المعملية..

و161 ألف مواطن الشغل التي فقدها أصحابها خلال الثلاثي الثاني من سنة 2020، من ضمنها 52 ألف وظيفة في قطاع الخدمات و52 ألفا في الصناعات المعملية و46 ألفا في قطاع البناء.. و%18 نسبة البطالة، وهي أعلى مستوى تم تسجيله منذ الثلاثي الرابع من سنة 2011…

الوضع في تونس اليوم هو عدد مرعب من الإضرابات القطاعية واحتجاجات خرجت عن السيطرة بعضها أوقف الإنتاج تماما مثل الفسفاط والنفط والغاز.. وأمام هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي المفزع، نسجل تدهورا للوضع الصحّي، حيث بلغ عدد الإصابات المحلية20 ألف إصابة منذ 31 ديسمبر الماضي والوفيات تفوق سقف الـ 5000، هذه بعض المؤشرات التي تكشف عمق الأزمة التي يعيشها الوضع الاقتصادي ببلادنا والمتسم بالانكماش بصفة غير مسبوقة..

في المقابل لدينا ثلاثة وزارات شاغرة من بينها وزارة سيادية في وضع أمني دقيق، وأمامنا أداء سيء وضعيف جدّا لبعض الوزارات مثل وزارة الصحة، ووزارة الفلاحة التي تشهد منسوب توتر عال جدا بين الوزيرة والهياكل المهنية كما نعاين ارتجالا وعدم انسجام بين الوزارات فيما بينها، وغياب تنسيق مع رئيس الحكومة.. مقابل ذلك نجد ارتجالا في القرارات الوزارية، وضعف في السياسة العامة وفي التواصل وفي التلاؤم مع المتغيرات الداخلية والخارجية؟ وافتقار للحد الأدنى من الخبرة السياسية..

ومع ذلك يرفض بعض الأطراف السياسية الخوض حتى في تحوير وزاري، ويصرّون على أن لا حاجة إليه اليوم؟ وشماعة المحاصصة الحزبية التي باتت فزاعة جاهزة وحاضرة في كل حين طبعا للاستنجاد بها كلما أردنا تأبيد وضع حكومي حتى لو كان كارثيا، وقطع الطريق أمام طرف سياسي معين حتى لا يكون له بصمة في السلطة التنفيذية..

ألا يحق لنا اليوم أن نسأل الأطراف التي تصرّ على إبقاء الوضع الحكومي على ما هو عليه، وتأبيد هذا الضعف والفشل والارتجال، والإصرار على الحفاظ على حكومة تكنوقراط ضعيفة، كيف ستواجه بهذا الأداء هذه الأزمة غير المسبوقة التي تعيشها البلاد؟ وكيف ستمرر إصلاحاتها؟ وبأي آلية ستتصدّى لضخامة هذه التحدّيات التي تواجهها البلاد في هذه المرحلة؟ ألم يعقلوا أنه بهذا التمشي إنما هم يعمّقون الأزمة السياسية في هذه المرحلة العسيرة؟ ألا يرون أن البلاد اليوم في حاجة حقيقية إلى كفاءات وإلى إنجازات وإلى إصلاحات كبرى بلا شك، وحتى إذا سلّمنا جدلا بوجود هذه النُّخبة وبمؤهلاتها العلمية، فما هي آليات اختيارها؟ ثم ألم نرى أن اختزال السياسة في تدبير الشأن العام وفي مجرد تدبير تقني حسابي غالبا انتهى في الأخير إلى سيطرة العقل الأداتي على حساب العقل النقدي، وعلى حساب العقل التواصلي، وخلق أزمة تواصل وانسجام بين مختلف مكونات هذه الحكومة؟ ألم نلاحظ من خلال أداء بعض وزراء المشيشي الذين قد يكونون ماهرين في تخصصاتهم، أنهم كانوا ضعيفين جدا في السياسة العامة وفي التواصل وفي التلاؤم مع المتغيرات الداخلية والخارجية؟

ألم نعاين وزراء ذوي خبرات فنية جيدة في مجالهم، لكنهم يفتقرون للحدّ الأدنى من الخبرة السياسية، بمعنى ماذا يقولون ومتى وبأي صيغة، وأنّ ما قد تقوله اليوم ويكون مقبولا، قد لا يصبح كذلك في ظرف آخر، وهكذا؟

ألم نعاين مؤخّرا وبأم أعيننا أنّ متابعة هؤلاء الوزراء وضبطهم يعتبر مهمة شاقّة، والقدرة على التعامل معهم في القضايا ذات الطابع السياسي المتقلّب على الدوام، على غاية من التعقيد، مما يجعل مهمتهم صعبة والرهان عليهم مغامرة في وقت لم تعد فيها البلاد تحتمل مزيدا من المغامرات؟

ألم تغب، رغم طبيعة الأزمة التي تمرّ بها بلادنا اليوم وحساسية الوضع، سمة التضامن والانسجام، والتنسيق، وروح العمل الجماعي بين أعضاء هذه الحكومة، وكأن كل وزير يعمل في مملكته الخاصة التي يدين فيها لأطراف لا علاقة لهم بالحكومة ويتخذون قرارات، دون الرجوع إلى رئيس الحكومة رئيسهم المباشر؟؟ ألا يحتم المنطق أنه في صورة خروج طرف منها عن هذا المبدأ يصبح من المنطقي تغييره بشخص يؤمن بالعمل الجماعي وبالتراتبية في الإدارة وفي السلطة؟

هل عاينا يوما أن أعضاء هذه الحكومة كانوا ملزمون بتنفيذ السياسة العامة للدولة ضمن إطار القوانين التي تحدد مجال اختصاصاتهم، أو كانوا مسؤولين أمام رئيس الوزراء ومسؤولين عن قيام كل منهم بالمهام والاختصاصات المنوطة به، بالتنسيق المطلوب؟

ثم ألا تحتاج البرامج والاصلاحات الكبرى والانجازات الحقيقية إلى فريق حكومي قوي وذكي وطموح ومنسجم وله رؤية قادر على تنفيذها وتنزيلها، فريق يملك قدرات قياديّة تؤهله لتكوين وإدارة وتوجيه فريق عمل من محاسبين وإداريّين ومسيّرين وخبراء ماليّين واقتصاديّين ومديرين ومتصرفين؟

ومن زاوية ثانية، الذين أشهروا أسلحتهم وسنوا سيوفهم، لمجرّد علمهم بلقاءات جمعت رئيس الحكومة المشيشي بالأحزاب التي منحته صوتها خلال جلسة التصويت للتشاور حول التحوير الحكومي المرتقب وتعميق النقاش حوله، نتساءل ما الذي أزعج هؤلاء تحديدا؟ ما الخطيئة التي ارتكبها المشيشي عندما استشار من منحوه أصواتهم وثقتهم؟ ألم يفهم هؤلاء بعد أنّ من أبرز أسباب سقوط الحكومات السابقة ابتداء من حكومة الترويكا الأولى إلى يومنا هذا، وعدم صمودها وتهاويها السريع لم يكن بالضرورة بسبب عجز أو غياب الكفاءات، بقدر ما كان بسبب غياب حزام سياسي قوي وموسع قادر على حمايتها وضمان استقرارها؟ ألم يع هؤلاء بعد بأنّ من يسرّع في سقوط الحكومات هو عزلها وعقد تكتلات سياسية لتطويقها؟ ألم يتدبروا بأي سند ستجابه هذه الحكومة تعطيل إنتاج الفوسفاط والبترول والاحتقان الاجتماعي وكيف ستمرر قراراتها الصعبة والمصيرية دون أن يكون لها سند سياسي في البرلمان؟ أم أن كل ما تصبو إليه هذه الأطراف هو تأبيد وضع هذه الحكومة بفشلها وضعفها وقصورها، استرضاء لمن شكلها على هذا النحو وضمانا لإمكانية اختطافها ووضع اليد على القصبة واختراقها ولو بالاعتماد على فريق حكومي سيدمر بأدائه الهزيل ما تبقى من وضع اقتصادي واجتماعي؟

خلاصة القول، أنّ تونس تمرّ اليوم بمرحلة دقيقة وحساسة وخطيرة لا تتحمل فيها لا مزيد من التجارب ولا تنازع صلاحيات ولا معارك تموقع ولا صراع حول الكوتا في التشكيل الحكومي.. هي فترة مطلوب فيها الكثير من الحكمة والتبصر والكثير من التضحية، لضمان حد أدنى من الاستقرار التي تحتاجه البلاد حاليا.. هي فترة مطلوب فيها قدرة على تشخيص دقيق وواقعي للمشاكل وعلى حسم الملفات وعلى تقديم رؤية شاملة وواضحة، تكون فيها الأولويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية هي محرار اختيار المسؤوليات على رأس الوزارات عند المضي في التحوير الحكومي المرتقب.. وهي تحتاج إلى ذوي الكفاءة وإلى أولي العزم والرؤية الواضحة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق