راي رئيسي

في ظل الإجماع على شغور الوسط وفشل تجارب أحزاب يمين ويسار الوسط..
هل تكون العودة القوية لـ”حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”؟

علي اللافي- كاتب ومحلل سياسي

لا يختلف اثنان في أن الوسط شاغر بالكامل في المشهد السياسي الحالي، وفي ظل أن أحزاب “يمين الوسط” و”وسط اليسار” قد فشلت فشلا ذريعا في التموقع في المشهد السياسي وحتى من حصد منها مقاعد في برلمان 2019 على غرار “التيار الديمقراطي” و”حركة الشعب الناصرية” لم تستطع أن تكون معبرا عن ناخبيها ولا أن تُحدث التوزان المطلوب في الحياة السياسية، ومقابل ذلك استطاعت “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين” خلال الأشهر الماضية العودة بمرحلية من خلال النجاح المطرد لإعادة بناء هياكلها وإجراء نقاشات أقرب منها للتقييم في كل ولايات الجمهورية وضم وجوه جديدة وبعض فاعلين سياسيين نشطوا سابقا في أحزاب “يمين الوسط” و”وسط اليسار” ولكنهم في الأخير تركوها لعدم فاعليتها وسقوطها في التجاذبات الفكرية والسياسية إضافة إلى تأكيد بعض قياديين من الحركة أنه تم وضع لمسات استراتيجيا استقطاب الشباب الطلابي والتلمذي وجزء من المهنيين الذين لا يحبذون مقولات ايديولوجية لا علاقة لها بالواقع المعاش في تونس الأعماق سواء في الأحياء أو في ولايات الداخل، وكل ما سبق يُحيلنا إلى سؤال مهم ورئيسي وهو: هل هي العودة القوية لأبرز أحزاب وتيارات الوسط والتي غيبتها أخطاء كارثية لبعض قيادييها طيلة حكم الرئيس المخلوع، وما هي كواليس وخلفيات تلك العودة التي لم يرتقبها الكثير من المتابعين؟

 

“حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”، متى كيف ولماذا؟

شمولية النظام البورقيبي واعتماده على الحزب الواحد المسنود بمليشيات أحد أركان النظام يومها أي “محمد الصياح” وبقايا لجان الرعاية، والقرارات الكارثية لمؤتمر المصير في بنزرت سنة 1964 (حظر الأحزاب – ضم المنظمات الوطنية لحضيرة الحزب – خلق الشعب المهنية – اعتماد أيديولوجيا الاشتراكية الدستورية)، كل ذلك لم يمنع بعض صادقين في “الحزب الدستوري” من تشكيل “تيار ليبرالي” داخله حيث عبروا عن مقتهم ورفضهم لدكتاتورية الفرد ولما لم يستمع إليهم غادرت مجموعة منهم الحزب بعد أن غيروا معادلات النقاش في الساحة السياسية كما تم طرد آخرين من الحزب الدستوري يومها كمُقدمة موضوعية لإقرار الرئاسة مدى الحياة، وبغض النظر عن تقييم خطوات تلك المجموعة والاستراتيجية التي اتبعتها يومها، فإن الثابت أنها اعتمت المرحلية في خطواتها تمثّلت في تأسيس بعضهم مع آخرين لرابطة حقوق الإنسان إضافة للمساهمة في بعثة صحافة الرأي نهاية السبعينات على غرار صحيفة “الرأي” وتأسيس لحراك سياسي وحقوقي وليتوج في نهاية الأمر بتأسيس “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين” في جوان 1978 والتي تحولت بعد سنتين إلى فاعل رئيسي في المشهد السياسي والإعلامي سواء عبر قيادتها للمعارضة (حزب الوحدة الشعبية – الاتجاه الإسلامي – الحزب الشيوعي –حركة الديمقراطيين الاشتراكيين – حركة الوحدة الشعبية – سياسيين مستقلين)، وهو ما اضطر النظام لتزوير انتخابات 1981 حتى يمنع اكتساحها كحركة لمجلس النواب ورغم محاولات تقسيمها واختراقها فإنها استطاعت أن تكون الحزب القوي حتى انقلاب 07 نوفمبر 1987 بل وكان زعيمها “أحمد المستيري” مؤهل موضوعيا لقيادة البلاد بعد بورقيبة…

 

الـ MDS والرئيس المخلوع.. تطويع ناعم نحو الديكورية

لم تستطع النخب الجامعية والسياسية والنقابية أن تكون في مستوى اللحظة التاريخية للتصدي لكوارث جاء بها الجنرال “بن علي” والذي اعتمد الخديعة وتوظيف خلايا الاختراق الأمني للأحزاب والمنظمات وهو ما رفضه كل من “المستيري” والمرحوم “أحمد بنصالح” الذي كان يومها يترأس “حركة الوحدة الشعبية” وبإجراء انتخابات 02 أفريل 1989  اكتشف “المستيري” مدى الخراب الذي أحدثه الجنرال في حزبه ومدى اشتراطاته المستقبلية عليه وعلى حزبه إضافة إلى اكتشافه خيانات ثلاث رئيسية في الحزب فترك الحزب واستقال من كل فعل سياسي…

ولكن من خلفوا “المستيري” لم يعتمدوا استراتيجيا ناجحة وسقطوا في التذبذب والاصطفاف والمراوحة بين المعارضة والموالاة، ومرة ثانية عاد “بن علي” منتصف التسعينات لاشتراط ابتعاد البعض عبر استعمال الملفات ورغم صمود العشرات من مناضلي ونخبة الديمقراطيين الاشتراكيين في التصدي لسياسيات التركيع والتطويع، إلا أن البعض ساير “الجنرال” في تحويل أهم حزب سياسي وثالث قوة سياسية بعد الإسلاميين والدساترة، إلى منطق الخنوع والاكتفاء بأخذ مربع صغير في مشهد أحزاب الديكور النوفمبري فانقسمت الحركة إلى أكثر من ثلاث أجسام بعضهما نخبوي، أما الجسمين الرئيسيين ورغم عملية المصالحة بينهما في 2008 فانهما لم يستطيعا إن يرتقيا بالجسم السياسي للحزب إلى تبني مواقف رئيسية تمكنه مستقبلا من موقع سياسي رئيسي..

 

هل هناك من تعمّد تدمير “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”؟

ممّا لا شك فيه أنّه يجب الاشتغال على هذا السؤال بناء على معطيات عدة. فبالعودة إلى حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، فقد وصلت ضعيفة جدا سنة 2011، فالنخبة القيادية غلبت عليها الانتهازية والاشتغال الوظيفي المباشر وغير المباشر عند النظام وأجهزته (كان البعض يوصل وينقل أخبار الناشطين للمقرات الأمنية)، إضافة إلى التفكك التنظيمي وإبعاد المناضلين الخُلص وحتى نواب الحركة في البرلمان كانوا يُحددون في مكاتب الاستعلامات والإرشاد وفرقة امن الدولة مثلهم مثل كل نواب معارضة الديكور النوفمبري، أما المناصب الدبلوماسية ومناصب العطايا لمعارضة الديكور فقد أسندت لمن دافع على ترشيح المخلوع سنتي 2004و 2009 في هياكل أحزابهم، أما الخلص فقد فبكرت قضايا حق عام لهم ولأبنائهم حتى أن بعضهم بُنيَ له مركز أمن قريبا من مقر سكناه حتى تتم رصد تحركاته وتحركات عائلته بل أن الأمر وصل حد فبركة قضايا مخدرات وغيرها لأبناء المتمسكين بقوة الحزب وسياساته المستقلة عن “التجمع” و”نظام بن علي”…

أما بعد الثورة وفي عشيتها تحديدا فقد تم ارتكاب أخطاء رئيسية عديدة وقاتلة وتم تغييب منطق جمع الشمل وقراءة المرحلة لتنطلق التجاذبات والمناكفات والصراع على المواقع واستدعاء صراعات الثمانينات والتسعينات بين أطراف الحركة وتياراتها الداخلية وهو ما عمق الهُوّة ومنع القدرة على فهم اللحظة التاريخية فكانت نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 كارثية للMDS بل وخدمت هي ونقط أخرى استراتيجيا هدم أهم حزب سياسي كان بإمكانه ان يكون عاملا مهما ورئيسيا في بناء توازن سياسي بين الإسلاميين واليسار والدساترة والتيار القومي.

 

لكن ما سر العودة القويّة خلال الأشهر الماضية؟

المتابع للمشهد السياسي يُمكن بيسر أن يلاحظ العودة القوية لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو ما يحيلنا على أن هناك مراجعات كبرى جرت في أذهان العديد من قياديي الحركة إثر انتخابات 2019، فـ “الطيب المحسني” الأمين العام الحالي والرسمي (وهو من بين الذين يتحمّلون مسؤولية ووزر بعض أخطاء)، هو نفسه من بادر في جمع شتات الحركة بدايات 2020 بالتوافق مع كل من مواعدة وبولحية وبودربالة بالتخلي عن الصفوف الأولى وإعطاء دفع لهيئة وطنية لإعداد المؤتمر العاشر التي بادرت منذ مارس 2020 بالعمل على إعادة هيكلة الحركة في الجهات كما أن بعض قدامى قدموا النصح وشجعوا أحزاب وسطية بالانصهار في الحركة وتحت لافتتها.

وفعليا تم إعادة تشكيل أغلب المكاتب الجهوية في الولايات بل وتم خوض نقاشات داخلية مطولة وتم إعادة تفعيل مجلس الإطارات وهياكل الشباب والمرأة وتقديم مشاريع إعادة هيكلة وبناء تنسيقيات محلية في عدد من الولايات والمعتمديات كما أن كل تلك الخطوات تحضى بدعم كل المؤسسين تقريبا (المستيري – بولحية – مواعدة وآخرين…)

ومقابل ذلك نحج بعض فاعلين في الحركة في استقطاب شباب تلمذي وجامعي والذين أبدوا حسب مقربين من الحركة استعدادهم الكامل الانضواء لها في حال الإعلان عن مواقفها السياسية في عدد من قضايا محلية وإقليمية، والخلاصة أن الحياة التنظيمية والفعل السياسي قد عادا في أسوار أهم الأحزاب السياسية تاريخيا…

 

هل هي فعلا العودة القوية لحركة الدمقراطيين الاشتراكيين؟

في قراءة للمشهد السياسي يمكننا تبين أن كل حُزيبات “يمين الوسط” و”وسط اليسار” أو حتى “يسار الوسط” لم تستطع النجاح وسقطت في أتون عجز بناها التنظيمية والفكرية على الخروج من مربعات الصراعات والمناكفات والتجاذبات وبناء على أن الوسط شاغر وبقوة في المشهد السياسي التونسي وهو تحليل مجمع عليه وأكده العديدون وبناء على عقلية البناء التي تجري في أسوار مقرات وهياكل حركة الديمقراطيين الاشتراكيين منذ مارس 2020، وفي ظل الحديث عن نقاشات وورشات يُقال أنها ستُختتم بجلسات رئيسية لمجلس الإطارات والإعلان في ندوة صحفية عن عودة قوية وكبيرة للحركة، فان كل المؤشرات تُشير وتؤكد أنها فعلا ستكون عودة غير طبيعية وأنها ستهز الحياة السياسية وستعيد رسم خارطة التحالفات فيها، وما يؤكد ذلك فان مصادر الحركة تؤكد أنه قياداتها غير مُتسرعين وأنهم يبنون بناء مدروسا وخاصة في استقطاب جيل الثورة (أغلب طلاب اليوم هم من كان عمرهم عشر سنوات أثناء نجاح الثورة في طرد المخلوع وحل حزبه).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق