راي رئيسي

في مجلس النواب .. عنف يقابله عنف
متى تحدّد المسؤوليات؟

وإن كانت الصورة مشينة، ركيكة، مقرفة، تلك التي شهدناها الأسبوع الماضي في رحاب مجلس النواب، فقد توقعنا حصولها منذ أمد بعيد، بل لعلنا توقعنا أسوأ منها منذ اعتصام كتلة الدستوري الحرّ في مقرّ البرلمان الذي أكّد أنها جاءت لتؤسّس إلى مسار لم يجرؤ أي طرف على مجرّد التفكير فيه.

دعونا نذكر في البداية أن أعضاء المجلس الوطني التأسيسي الذين وضعوا النظام الداخلي للمؤسسة التشريعية لم يكن يدور بخلدهم أن يأتي على التونسيين حين من الدهر يتحوّل فيه برلمناهم إلى مشهد يؤثثه التهريج، ويغلب على أشغاله العبث والتعطيل والصياح والثغاء والعويل، وتسيطر فيه الفوضى وعدم الامتثال للقوانين واحترام هيبة المؤسسة صاحبة السلطة الأصلية.

لم يعتقد المؤسسون الذين اتفقوا في مواطن واختلفوا في أخرى، أن تأتي على التونسيين دورة تشريعية يعود فيها أزلام النظام البائد بوجوه مكشوفة ليعربدوا ويفسقوا ويعيثوا فسادا ويعفروا وجه المؤسسة التشريعية والمشهد السياسي، بل علنا نجرؤ على القول بأن سذاجتهم وقصر نظرهم جعلتهم يخلفون ثغرات في جدران الدستور والنظام الداخلي، تسللت منها الفاشية المدعومة من الخارج ومن لوبيات الفساد لتصبح رقما في المشهد يتضاعف تدريجيا ليتحول إلى معول لترذيل المؤسسات المنتخبة وترذيل العمل الحزبي والسياسي مهددا القيم والمكاسب التي جادت بها ثورة الحرية والكرامة على التونسيين، وكان من الجدير تأمين تلك المنظومة القانونية بفصول تشدد العقوبة، وترفع الحصانة، وتخرج المخالفين ركلا على مؤخراتهم.

لقد عمدت الكتلة الفاشية ورئيستها في البرلمان إلى تنويع عدوانها، ونشر روائحها الكريهة بشكل متواصل، فاعتصمت، وجلبت الأغطية الصوفية، واحتلت المكاتب، ومنعت انعقاد الجلسات، وصعدت منصة الرئاسة، واستعملت مكبرات الصوت، وتطاولت على كل النواب والعملة والموظفين والصحفيين، ولبست خوذة الدراجات النارية، وخوذة سباق الخيل، وتصوير النواب دون رغبة منهم تحت شعار: ولم يبق لها سوى جرم التجرد من كل مايستر جسدها، بل أن شرها المستطير، ومواهبها الباهرة المستمدة من تربيتها في محاضن الدكتاتورية، ومن تمويلات ودعم دوائر المتربصين ببلادنا وعلى رأسهم دويلة عيال زايد ووسائل إعلامهم المعادية لتونس، خولت لها أن تتلبس دور الحكومة والأمن والقضاء وأن تنصب خيامها أمام جمعية مرخص لها بدعوى مقاومة التطرف والإرهاب والفكر الأصولي، وأن تسمح لنفسها ولقطيعها اقتحامه بالقوة في استعراض مخز لا يمكن أن يصنف في خانة غير خانة البلطجة والخروج عن القوانين وعن الأعراف السائدة والاستقواء بالصفة النيابية والتظاهر كذبا وبهتانا بالدفاع عن مدنية الدولة، من قبل قطيع أبعد ما يكون عن مدنية الدولة التي لا يؤمن بها أصلا.

إن العجيب في الأمر أن بلطجة الفاشية تلقى هوى في أنفس بعض الموتورين من السياسيين والإعلاميين، وتطرب نفوسهم لتصرفاتها الرعناء، بل أن بعضهم ينسق معها ويدعمها، ويلزم السكوت الرهيب، سكوت الخرفان ويتحلى بالخنوع الكئيب والرضى التام عما تأتيه من أفعال، ويقوم بالتشنيع بأي خطإ صغير يرتكبه غيرها.

وقد تكون التراكمات، والبغي وحجم العربدة والعنف اليومي الذي تمارسه رئيسة الكتلة الفاشية بلغت مبلغا يذيب الجبال ويفتت قلوب الرجال، فيخرج بعضهم عن طوره، ويقع فريسة للحظة غاضبة متفلتة، كما حدث يوم الاربعاء الماضي 30 جوان 2021 خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب من الفوضى إثر اعتداء النائب الصحبي سمارة على رئيسة كتلة الدستوري الحر بحضور النائب الأول لرئيس مجلس نواب الشعب سميرة الشواشي وبحضور وزيرة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السنّ والوفد المرافق لها مما أدخل حالة من الفوضى على قاعة الجلسة.

وقد توالت إثر ذلك البيانات والبلاغات والتصريحات المنددة بذاك الاعتداء فعبّر رئيس مجلس نواب الشعب عن كبير صدمته وعميق استنكاره للاعتداء مؤكدا على موقفه الرافض والمندّد بهذا الفعل الذي وصفه بالشنيع مشدّدا على أن ذلك التصرّف فردي ومرفوض وغير مسؤول، ولا يشرّف المؤسسة البرلمانية التي سنّت تشريعات تجرّم كافة أشكال العنف وخاصة ضد المرأة التونسية وعلى أولوية احترام كرامة الجميع مهما كانت حدّة الاختلافات وشراسة المناكفات ومجدّدا إدانته لكل أشكال العنف المادي واللفظي، وكل تعطيل لأعمال المجلس، ومؤكّدا على حق جميع النواب في التعبير عن آرائهم وفق ما يضمنه الدستور والنظام الداخلي ومكررا دعوة جميع النواب الى التمسّك بقيم الجمهورية وصون مؤسساتها وإعلاء الوحدة الوطنية، والتقيّد بمبادئ الدستور، واحترام فصول النظام الداخلي ومبادئ العيش المشترك وصون الوظيفة البرلمانية عن كل ما يمكن أن يشوبها، ومؤكدا على أن نهج الحوار هو القاعدة الأساسية في تطارح الآراء وإدارة الخلاف، خاصة وقد أثبت التونسيون قدرتهم على حلّ خلافاتهم مهما كانت حدّتها عبر الحوار الوطني، وأن مصير تونس وقوّتها تكمن في وحدة أبنائها رغم خلافاتهم واختلافاتهم على حد نص البيان.

أما رئاسة الحكومة، فقد عبرت عن إدانتها لذلك السلوك الذي يعتبر تعديا على المرأة وعلى مكتسباتها التي تحققت بفضل نضالات نساء تونس مؤكدة رفضها المطلق لكل الممارسات المخلّة بالنّظام الديمقراطي والتي تمس من استقرار الدولة ومن السير العادي لعمل مؤسّساتها، أيّا كان مأتاها، ومذكرة بأنها مثلما أدانت الاعتداء الذي لحق وزيرة التعليم العالي، فإنها تدين الاعتداء على وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن، وتؤكد بأن العنف اللفظي والمادي مرفوض مهما كانت أسبابه و مهما كان مصدره، داعية إلى الابتعاد عن تلك الممارسات التي ما فتئت تتفاقم يوما بعد يوم وإلى ضرورة الاحتكام إلى الرصانة والتعقّل في التفاعل مع اختلاف الرؤى ووجهات النظر.

بدوره ندد رئيس الدولة بأحداث العنف التي جدت بمجلس نوّاب الشعب مؤكدا على وجوب محاسبة أي شخص يلجأ للعنف.

وإذا كانت التصريحات والبيانات الصادرة عن الرئاسات الثلاثة رصينة، متفقة في مضمونها على الإدانة المسؤولة للعنف، فإن بيان الهيئة الإدارية للاتحاد العام التونسي للشغل كان أقل توازنا، محبرا بأدوات ومصطلحات وأياد وطدية مبالغة في الانحياز أدان بشدة العنف المادي واللفظي الذي مارسته ما وصفه بكتلة ” الإرهاب ” تحت قبة البرلمان ضد النائب رئيسة كتلة الدستوري الحر وضد كل من يخالفهم الرأي خالقين بذلك جوا من الرعب والترهيب محتمين بالحصانة البرلمانية مما زاد من تعميق أزمة البرلمان وعطالته وسوء إدارته وبؤس المشهد السياسي الذي تكرسه، مطالبا بتطبيق القانون على المعتدين.

أما النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين فقد تلكأت كثيرا قبل إصدار بيان إدانة للاعتداء الذي اقترفته عبير موسي على كاميرا ومصور القناة الوطنية تحت ضغط المجتمع المدني ورواد الفضاء الافتراضي، فقد أعربت في بيان لها عن إدانتها المطلقة للاعتداء بالعنف المادي الذي تعرضت له النائبة، والذي مارسته على فريق تصوير التلفزة التونسية الذي يؤمن التغطية المباشرة لأشغال المجلس مشدّدة على رفضها المطلق لكافة أشكال العنف المادي والمعنوي ومحاولات التطبيع معه مما يشرع لنشر ثقافة العنف داخل المجتمع وفض الخلافات بالقوة بدل الحوار السلمي، داعية كافة الأطراف السياسية إلى عدم إقحام الصحفيين في صراعاتهم السياسية والكف عن محاولات دفعهم نحو الاصطفاف، ومحملة المسؤولية لرئاسة مجلس النواب في توفير الحماية الضرورية لكافة الصحفيين والمصورين الصحفيين العاملين في المجلس، وتدعو إلى توفير بيئة آمنة لعمل الصحفيين والصحفيات والمصورين والمصورات داخل البرلمان معبرة عن استعدادها التام لاتخاذ كافة القرارات لحماية منظوريها في صورة تواصل الاعتداءات عليهم.

أما المنظمات والجمعيات والشخصيات الحقوقية والنسوية فقد أوجعها صفع الصحبي سمارة فانبرت تصب جام غضبها عليه وعلى كتلة ائتلاف الكرامة التي انتمى إليها عرضا قبل أن يغادرها، واصفة إياه بأقذع الصفات، في حين أنها كانت عمياء صماء بكماء أمام كل الجرائم التي ارتكبتها رئيسة الكتلة الفاشية على امتداد أكثر من سنتين.

إننا حين نشخص واقع المشهد البرلماني نجد أن “الزغراطة” وقطيعها قد مارسوا عليه عنفا ممنهجا غير مسبوق، واستفزازا وتعطيلا لا يحتملان، مما يجعل أية ردة فعل عنيفة غير محسوبة العواقب متوقعة في أي لحظة. ومن المفروض أن يسارع المجلس إلى تغيير قانونه الداخلي حتى يضع حدا للعبث والتعطيل والترذيل، ويجعل الكتلة الفاشية تحت طائلة القانون.

وإذا كان القانون ضعيفا عاجزا في مكان ما، فإن العنف لا يمكن أن يردعه إلا عنف آخر يكون أكثر منه شراسة، على أننا نتمنى أن يعيش مشهدنا السياسي حالة وعي تمكنه من عزل الكائنات الطفيلية فيه، محصنا البلاد من كل مداخل العنف الذي لا يكافئه ولا يردعه إلا عنف آخر مواز له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق