راي رئيسي

قيس سعيد: أنا الرئيس

– نور الدين الختروشي –

لا يمكن فهم إسراع الشاهد بزيارة الرئيس يوم طرح ناشطون إمكانيّة سحب الثقة من الشاهد إلا بما يروج من علاقة خاصة نجح الشاهد في بناءها مع، “سيادة الرئيس” حتى أصبح ملجأه المكين كلما أحسّ بما يخشاه أو بما لا يرضيه.

استدعى الرئيس راشد الغنوشي على عجل وقرأ عليه الرئيس زبوره الدستوري بلهجة مدرسية آمرة وحاسمة ولم يقصّر رئيس البرلمان في الانضباط لجلسة التلميذ النجيب. فاستمع في أدب وخرج لا فرحا ولا مسرورا.

بعد يوم فقط من “واقعة الدرس الدستوري” سلّم السيد الرئيس كتاب التكليف لرئيس الوزراء الأنيق  وذكّره بحسم وحزم والكلام للقصبة والمعنى للجار في باردو “أنا الرئيس” فقال في ما قال لا وجود لرئاسات ثلاث هناك رئيس واحد.

لم يكن الباجي قايد السبسي مرتاحا في جبة “ربع الرئيس”  وهو الذي تغذّى مخياله السياسي من صورة الرئيس/الزعيم إبّان حكم بورقيبة والرئيس/الملك سنوات حكم المخلوع، وقد حاول أكثر من مرّة بدالة المناورة السياسية المشروعة أن يتجاوز حد “الربع” فكلّفته آخر محاولاته في ما يعرف بمبادرة قرطاج 2، عزلة سياسية قاتلة أنهته في صورة الرئيس العاجز.

قيس سعيد مدرّس القانون الدستوري لم يتلحّف بجبّة الأناقة في التعبير عن رغبته الشبقية في الاعتداء بالفاحشة على الدستور، الذي لم يترك فرصة تمرّ منذ توليه الرئاسة على حصان الشعبوية المقيتة دون أن يرذّل الدستور الذي جاء به رئيسا ذات يوم من سخرية أقدار السياسة.

اللهجة  الحاسمة التي قال بها جملته الشهيرة وهو يسلّم مرسوم التكليف لم تعكس ثقة بالنفس بل أحالت على رغبة طفوليّة جامحة في المرور إلى الخطّة ب في برنامجه الرئاسي المعلن والذي اختزلته جملة سياسية شعبوية ومخاتلة رمت بمقدس الجمهورية الثانية فوق مزابل الأحياء الشعبية ودعتنا للبحث عن دستورنا الجديد على جدران المزابل.

لا أحد من المراقبين أخذ “فرازيولوجيا” الرئيس/الغريب بمحمل الجدّ، فالرئيس البكّاء من المؤامرات التي تحاك له صباحا مساء ويوم الأحد، كلّما نطق صغر وكلما بادر تقزّم ولم تكن شطحاته الشعبوية سوى الوجه الأكثر بؤسا لمحنة السياسة في فضاءنا الوطني بعد ثورة الحريّة والكرامة.

التأويل الشكلاني البسيط للدستور خطورته في الاستتباع السياسي الذي تخفيه رغبة قيس سعيد في احتكار السلطة وإعادة مركزتها في قرطاج، وبقطع النظر عن عدم جديّة وعبثية المنطوق الرئاسي فإن المسألة في تقديري أعمق بكثير من قراءة سطح الخطاب وظاهر الأداء في مسلك الرئيس الغريب. المسألة تتصل بثقافة سياسية رئاسوية راسخة ومتجذرة لدى الرئيس قيس سعيد الذي يستبطن صورة الرئيس/الزعيم/البطل في عقود ما بعد الاستقلال في المشهد فضاء العربي حيث الشعوب مجرّد دهماء تصفّق ببلاهة للزعيم الملهم المتكأ على عصى موسى السحرية وحيث جموع العبيد تسبح باسم أحذية المستبدّين الوسخة التي داست على أحلامها وأشواقها في بناء أوطان الحريّة والكرامة.

قيس سعيّد ومن خلال جملته السياسية السائبة ولهجته الخطابية الممجوجة يستعيد بقصد مقصود صورة نمطية بائسة في الزمن الخطأ للرئيس المحتكر للتحكّم في المصير العام، وهو على هذا لا يشطب تراكمات نضالنا الوطني الذي لم يشارك فيه يوما من أجل وطن يسع الجميع ونصاب ديمقراطي حر تحكمه دولة المواطنة والعقد.

وإذا أضفنا لهذا العقل الباطن المشدود لزمن الاستبداد بالسلطة ما يسمّى بمشروعه المجالسي الذي ليس إلا استعادة لمحاميل الكتاب الأخضر في ليبيا ملك ملوك إفريقيا، إذا أضفنا هذا لذلك تتوضّح صورة الشعبوية الزاحفة على مركب شرعيّته الانتخابية الوهمية التي فاقت ثلاثة أرباع عدد الناخبين ذات يوم من انتقام من منافسه الفاسد نبيل القروي.

لا أدري لماذا قبل الفخفاخ بخيانة الدستور يوم التحف جبّة الوزير الأوّل وهو يتلو علينا قصيدة مدحه المنافق لرئيس الدولة، ربما كان يعمل بالمثل الشعبي الشهير “تمسكن حتى تتمكن”، كما فعل رئيس الحكومة الحالي مع ولّي نعمته المرحوم الباجي قايد السبسي، وربما لم يصدّق يومها أن نجوم الحظ قد اختارته صدفة من دون تأهيل سياسي ولا شرعية شعبية ليحكم البلاد.

مركز الحكم في نظامنا السياسي في البرلمان وصلوحياته الأكبر في القصبة وجزءه المرجعي في قرطاج، هذا النظام الهجين نتأكد مع مرور السنوات أنّه بدعة تونسية كان مقصدها ضرب مبدأ المركزية واحتكار السلطة ويتبيّن لنا بالمحصول والتجربة هشاشة معموديّة نظامنا الدستورية ومحدودية قدرته على الاستمرار وخاصة عند امتحان معالجة الأوضاع الاستثنائية كما وقع مع عدم مرور حكومة الأغلبيّة البرلمانية والعودة لمبادرة الرئيس وقابلية الفصول المعنية بمثل هذه الفرضيات للتأويل المفتوح على عودة الأمر كلّه للرئيس في قفز دستوري مخاتل على كل الفلسفة السياسية أو فقه الدستور الذي حبّر على أساسه دستور الثورة.

ينسى قيس سعيد حقيقة صلوحياته المحدودة ولكن الخطيرة كالأمن القومي والعلاقات الخارجية  وتمادى منذ تكليفه لحكومة الفخفاخ في تجاوز صلوحياته حتى أنّه اشترط ضم الأمن الداخلي للجيش باشتراطه تولّى شخصيّة من تابعيه على رأس وزارة الداخلية في سابقة خطيرة أوّلها المراقبون على أنّها أهم مؤشر على منزع الرئيس للاستبداد بالسلطة وتغيير المحصول الدستوري والسياسي للثورة على ما بشّر به مشروع “الشعب يريد ” الذي يسوّق له الرئيس.

تونس الجديدة لا تتحمل رغبات الرئيس المشبوهة والأيّام والأشهر القادمة ربما ستكون فصولا لمسرحيّة ركيكة يلعب فيها قيس سعيد دور الصيّاد منكود الحظ الذي لا يطلق رصاصة إلا لإحداث الضجيج فيما لا يعنى التونسيين المهمومين بمفردات الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعانيها البلاد.

قيس سعيد الذي أسّس شرعيته على نظافة اليد وطهورية الموقف يغرق في كل يوم أكثر في نجاسة المبادرة السياسية السائبة والمراهقة وكل هذا على حساب أولويّات وطنيّة حارقة يعلمها الجميع ويناور عليها الكل بإثارة معارك داحس والغبراء في ناقة وصاع شعير.

قيس الذي رأت فيه الجمهوريّة الثانية ضميرها يتحوّل مع الوقت إلى عقدة عقد الجمهورية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق