راي رئيسي

قيس سعيّد في شهره الأول في رئاسة الجمهوريّة: مؤشرات أوّليّة

– لطفي هرماسي –

تمر هذا الأسبوع أربعون يوما على موعد الدور الثاني للانتخابات الرئاسية الذي عاشت البلاد خلاله ملحمة ولّى فيها التونسيون وجوههم قبل صناديق الاقتراع بحماس وعزيمة ليس فقط دفاعا عن قيم الحرية والكرامة وعلويّة القانون ومحاربة الفساد، ومنافحة على شعار الثورة المركزي: “الشعب يريد” بل أيضا للتّوقي من أية انتكاسة محتملة أو عودة إلى أحضان المنظومة التي قامت عليها الثورة بما فيها من صلف وغطرسة ونهم للسلطة وسعي محموم للاستحواذ على إرادة المجموعة الوطنية ومواردها.

وإذا كانت هذه المدة في مقياس الزمن وفي حياة الشعوب يسيرة، فإنها في بلادنا كانت حبلى بالأحداث والوقائع، إذ شهدنا خلالها موجة ما اصطلح على تسميته بـ “حالة الوعي” التي اكتسحت الشوارع تنظيفا وتزويقا، وكان من المؤمل أيضا أن تتحول الفضاءات العامة والمقاهي والحدائق والساحات بموجب هذه الحملة إلى فضاءات للمطالعة والقراءة والحوار والتّثاقف ولكن الحملة كما توقع الجميع سرعان ما خبت وسرعان ما انطفأت جذوتها لتخلّف تحت الرماد قبسا من أمل نرجو أن تستنهضه بلادنا كلما احتاجته.

الموجة الثانية كانت رحلة الحج إلى قرطاج التي دعي لها رؤساء الأحزاب والائتلافات الفائزة في الانتخابات التّشريعية من قبل الرئيس قيس سعيد والتي لم يستثن منها أحدا إلا من استثنى نفسه.

وكان سقف الانتظارات من هذه اللقاءات عاليا توقعنا خلاله أن يلعب الرئيس المنتخب بما اكتسبه من إجماع وطني دورا هاما في التقريب بين مختلف وجهات النظر المتباينة حد التناقض في ملف تشكيل الحكومة، وأن يكون أحد ضماناتها ولكنّه أبان على حالة من الحياد السلبي الذي نتمنّى أن يغادرها في أقرب الآجال حتى يساهم في إعطاء معان لنتائج الانتخابات واحترام الدستور وتخليق الحياة السياسية بشكل يجعلها تتجاوز حالة التجاذب المرضي إلى حالة من نكران الذات والانخراط في عمليّة البناء والإنجاز التي ينتظرها التونسيون من نخبتهم التي أودعها ثقته لإدارة الخماسيّة الحاليّة (2019/2024) خاصة بعد اختيار حركة النهضة على رئيس حكومة من خارجها تفاعلا مع الدعوات الغريبة والإصرار العجيب الذي أجمع خلاله الطيف السياسي المشكل للمشهد البرلماني على ليّ عنق العرف والدستور وذلك بحرمان الفائز في الانتخابات من تشكيل الحكومة وتكليف رئيسه أو أحد قيادييه من ترؤسها.

المشاورات التي انطلقت مطلع الأسبوع الحالي والتي ستمتد لفترة حتى تشكيل الحكومة قبل عرضها على المجلس النيابي تحتمل النجاح والفشل، فلا أحد بوسعه أن يضمن التوصل إلى التوليفة السحرية التي تضمن التركيبة المثالية (حركة النهضة + ائتلاف الكرامة * التيار الديمقراطي + حركة الشعب) والبرنامج المثالي (محاربة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والشروع في الإصلاحات الكبرى) مما يجعل من الحكمة التحوّط لإمكانية مرور فترة الشهرين دون تشكيل الحكومة وهو ما يحتّم على الرئيس التعجيل بختم تنقيحات القانون الانتخابي التي صادق عليها المجلس النيابي، وأجازتها الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين، والتي يعتقد جميع متابعي المشهد السياسي أن عصابة القصر قد حجبته عن الرئيس الباجي رحمه الله مستغلة حالته الصحية الحرجة خلال أيامه الأخيرة.

إن ختم تعديلات القانون الانتخابي بما يعنيه من إقرار العتبة ومحاصرة الأحزاب التي تحوم حولها شبهات الفساد، وتلك التي تخلط بين العمل الجمعياتي الإغاثي ومقتضيات العمل السياسي، من شأنه أن ينظم الحياة السياسية ويعطي رسائل واضحة للكتل والأحزاب والأفراد الذين نجحوا بالإسعاف في انتخابات المجلس النيابي الحالي، بأنهم سيجدون أنفسهم على حواشي الهوامش، وفي غياهب النسيان مما سيعيد بوصلة الرؤوس إلى مواضعها وينهي حالة الابتزاز والمقايضة والعرقلة والتعويق والتعطيل.

في الأثناء كانت موجة التعيينات والإعفاءات في الديوان الرئاسي رسالة جد إيجابية أراحت التونسيين من فريق صنّاع القرارات المخاتلة المعادية لتيّار الثورة على امتداد عهد الرئيس الباجي رحمه الله، وجاءت بفريق جديد يجمع المتابعون على أن نظافة اليد والخبرة هما القاسمان المشتركان لعناصره، فضلا عن أنه لا ينتمي إلى ذلك الخليط اللغز الذي قيل أنه يقف وراء الحملة الناجحة التي أوصلت الرئيس قيس سعيد للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية قبل أن يلتف حوله الصف الثوري بجميع مكوناته السياسية.

ومن الأنشطة الدالة على اعتزام الرئيس سعيد نفض الغبار عن رموز الفكر والثقافة الوطنية دعوته للمفكر المناضل والكاتب والناشط السياسي اليساري جلبار نقاش الذي يقول عنه الباحث الجامعي زهير إسماعيل في مقال نشر له مؤخرا بأحد المواقع الإلكترونية: (حين يكون الموضوعُ السياسةَ وأطوارَها في تونس وتمرّ بي عبارة “يسار” لا يذهب الذهن بي إلاّ إلى شخصيّة واحدة هو المناضل جلبار نقّاش حتّى لكأنّ اليسار دالٌّ وجلبار نقّاش مدلوله، وأقول في مبالغة ليست من فراغ: يُعرف اليسار بجلبار ولا يُعرف جلبار باليسار).

وجلبار الذي كان أحد ضحايا عهد بورقيبة بسبب أفكاره وآرائه هو أحد الكافرين بأسطورة البورقيبية التي لاذ بها “يسار عقاب زمان” حين امتزجت شعاراتهم الجوفاء ببورجوازية السلطة والمال الفاسد وباتوا شوكة في خاصرة الوطن وعمودا من أعمدة نظام بن علي قبل أن يكونوا أبرز عرابي الثورة المضادة.

في سياق آخر، استقبل الرئيس قيس سعيّد وفدين شبابيّين أقبلا على قيس قرطاج سيرا على الأقدام من كل من قفصة والقصرين، فأكرم وفادتهما واستمع إلى مشاغلهما بكل انتباه وتحدث فيهما بخطاب يتضمن شحنة عاطفية ومشاركة صادقة للهموم والمشاغل التي عبروا عنها قبل أن يختتم اللقاءان بعناق ومصافحة بين الرئيس وزواره الذين عادوا بشحنة عاطفية لا تسمن ولا تغني من جوع، ونعتقد أنه إذا كان من الإيجابي أن لا يغلق الرئيس أبواب قصره في وجوه المواطنين، فإن عليه أيضا أن يكون واضحا ودقيقا في رسائله لزوّاره وخاصة في علاقة بتوفير مواطن الشغل وحلّ المشاكل الشخصية لأنه أن توّرط في ذلك مرّة واحدة سيورط نفسه في مسلسل لا نهاية له.

ويظل لغز التنسيقيات التي انطلق البعض باحتشام في تأسيسها بشعارات حملة قيس سعيد الانتخابية مثيرا للتساؤل حول علاقتها به وعلاقته بها وهو الذي يحرص دوما على التأكيد أنه غير متحزب وأنه لا ينوي تأسيس حزب سياسي، وحريّ الآن بالرئيس أن يعلن بوضوح تام عن موقفه من هذه التنسيقيات العشوائية التي تقتات من اسمه وشعاراته ومشروعيته.

وفي نطاق صلاحياته المتعلقة بالأمن القومي، انتقل الرئيس سعيد إلى الوردانين ليقف على حقيقة التصريحات المتضاربة حول انتشار أسلحة تهدد أمن البلاد والعباد، ذكرت خلالها أسماء شخصيات أمنية على علاقة بسياسيين نافذين وإعلاميين معروفين بانتمائهم إلى لوبيات الثورة المضادة، ولكننا لم نشهد قرارات او تقارير استخباراتية دقيقة تشيع الطمأنينة في نفوس المواطنين الذين ماتزال الريبة والحيرة والتساؤلات تمور في وجدانهم جراء تلك التصريحات.

هو شهر أول مضى منذ أداء الرئيس قيس سعيد لليمين الدستورية واستلام مهامه بقصر قرطاج قام خلاله بعديد اللقاءات والأنشطة والزيارات والتعيينات التي أمدتنا بمؤشرات أولية حول فترة تربصه وملامسته الأولى لخطة رئيس الدولة التي اتسمت بالجدية والحضور وإرسال الإشارات الذكية رغم الاحتشام والحذر المفرط إزاء الملفات السياسية الحارقة، ومن المؤكد ان الفترة القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت السارة التي علق عليها الشعب آماله حين اختار قيس سعيد رئيسا للبلاد للخماسية الحالية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق