أهم الأحداثاخر الأخباركوروناوطني

كورونا: توصيات هيئة حماية المعطيات الشخصية

أكّدت الهيئة الوطنية لحماية البيانات الشخصية أن التحديات التي تواجهها تونس خلال جائحة كورونا غير مسبوقة، وأنّ التصدّي لهذا الفيروس يقتضي تجميع المعلومات وتبادلها بسرعة وتحيين طرق عملها على ضوء المستجدات.

وأشارت إلى أنّ الهدف الرئيسي المشترك بين جميع هذه الاطراف و كذلك الدول هو ايقاف انتشار هذا الفيروس وإيجاد طرق علاج مثلى للأشخاص المصابين ولمزيد التوقي من إنتشار العدوى. وعليه ومن حيث المبدأ، فإن الهيئة لا تمانع في تبادل المعطيات الشخصية المتعلقة بالصحة في هذا الإطار.

وشددت على أهمية إحترام مبدإ التناسب المنصوص عليه بالفصل 49 من دستور سنة 2014، الذي يقر بوجوب احترام الموازنة بين ممارسة الدولة لصلاحيات السلطة العمومية مقابل العمل على احترام حقوق الأفراد. ويجب أن يحصل الوعي للجميع بأنه إذا بدت التدابير المتخذة من السلطة العمومية مفرطة من وجهة نظر الأفراد، فمن الأرجح أن ذلك هو الحال، ولئن توفرت أسباب مبررة لاتخاذها.
وتأسيسا على ما سبق بيانه، فإنه يجب على الدولة أن تواجه هذا التهديد مع السهر على ضمان احترام مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في ضمان الحياة الخاصة وحماية المعطيات الشخصية. وبهذا المعنى لا يمكن تعليق ممارسة حقوق الإنسان، كما لا يجوز التنازل عنها أو الحدّ منها إلا بالقانون، وفي الحدود التي تقتضيه الوضعية، مع الحرص دوما على احترام جوهر الحقوق والحريات الأساسية، وفقًا للفصل 49 من الدستور.

وفي هذا الإطار يكون من المهم أن تذكر الهيئة أن حماية المعطيات الشخصية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تشكل عقبة أمام إنقاذ أرواح الأشخاص وأن المبادئ المعمول بها تسمح دائمًا بتحقيق التوازن الصائب بين مختلف هذه التحديات.

لقد أكد العديد من خبراء الأمم المتحدة، بما في ذلك جو كاناتاسي، المقرر الخاص المكلف بالحق في الحياة الخاصة، في “بيان جنيف” الصادر بتاريخ 16 مارس 2020 ” بإن إعلان حالة الطوارئ بسبب وباء الكوفيد 19 … لا ينبغي أن يستخدم لاتخاذ تدابير قمعية تحت ذريعة حماية صحة السكان أو استغلاله للتصدي للمدافعين عن حقوق الإنسان … و يجب أن تكون الغاية من القيود المفروضة لمكافحة الفيروس هي خدمة الصالح العام في إطار المشروعية … ولمنع مثل هذه السلطات من الافراط في اعتماد سياسات أو منظومات قانونية في هذا الخصوص بدعوى الاستجابة لحتمية الاستعجال، يتوجب اعتماد تدابير نضمن بها حماية الصحة العامة بوضع أقل ما يمكن من القيود …. كما يجب، في الدول أين تمت معاينة تراجع الجائحة، أن تعمل السلطات على إعادة إرجاع الحالة طبيعية ويجب تجنب استخدام هذه السلطات الاستثنائية بشكل مفرط لتنظيم الحياة اليومية إلى أجل غير مسمى “.

ومن جهة أخرى فقد أكدت منظمة اليونسكو في بيانها الصادر في 26 مارس 2020، حول الكوفيد 19 بعنوان “الاعتبارات الأخلاقية من منظور عالمي” على أن “التقنيات الرقمية مثل الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في المعركة ضد الأوبئة، من خلال مراقبة انتشار الفيروس وتأثير ذلك على سلوك الاشخاص. وأنه من الأهمية بمكان التأكد من أن المسائل الأخلاقية والاجتماعية والسياسية المتعلقة باستخدام هذه التقنيات، يتم معالجتها بطريقة ملائمة. كما يجب دائمًا احترام حقوق الإنسان، ويجب تحقيق الموازنة بين قيم الحياة الخاصة والاستقلالية مع قيم السلامة والأمن “.

و في تونس، فإن القانون الأساسي المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، قد خفف في فصله 62 من المنع المبدئي لمعالجة المعطيات المتعلقة بالصحة. إذ سمح بذلك “… إذا كانت المعالجة ضرورية لتطوير الصحة العمومية وحمايتها بما في ذلك البحث عن الأمراض…”. في هذا الإطار، يجيز القانون بعض الاستثناءات، على أنه في جميع الحالات يجب أن يقع استيفاء متطلبات واضحة، حتى أثناء حالة الطوارئ، لضمان استمرار احترام الموازنة بين صلاحيات الدولة في هذه الظروف طبقا لما يقتضيه القانون وضرورة احترام الحقوق الأساسية للأشخاص.
وتقتضي الضرورة في هذا الخصوص أولا، أن السلطات الحكومية الصحية ، تظل في اتصال مستمر مع الأشخاص المصابين وهي تعد مسالة أولوية في أداء عملها، إلا أنه يتوجب عليها تجنب نشر البيانات الصحية الحساسة المتعلقة بهؤلاء الأشخاص بما يجعلهم معرفين أو قابلين للتعريف. وهو نفس الشأن بالنسبة إلى وسائل الإعلام، سواء مكتوبة أو مسموعة أو مرءية أو الرقمية.

وفي إطار إعتماد آلية العمل عن بعد، التي التجأت إليها عديد الهياكل العمومية والخاصة كطريقة عمل بديلة خلال فترة الحجر الصحي، فهي تساعد حقيقة على إبقاء الاشخاص بمنازلهم وتمنع انتشار الفيروس، إذ يقع خلالها استغلال الوسائل الرقمية مثل البريد الالكتروني، والاجتماعات عن بعد، أو المهاتفة عبر بروتوكول الإنترنت. وهي ولئن كانت تعد حلولاً مناسبة لاستمرار تلك الهياكل في القيام بمهامها إلا أنها يمكن أن تشكل مساسا بالمعطيات الشخصية للأشخاص المتعاملين بها، خاصة إذا تعلقت بمعالجة معطيات صحية بالنظر إلى حساسيتها. وكذلك الشأن إذا ما وقع اللجوء إلى المنصات والخدمات التي توفرها مجانًا بعض الشركات الدولية الكبيرة. ويعد اللجوء إلى هذه الخدمات والمنصات غير صائب، باعتبار أن في ذلك مساس بالمعطيات الشخصية للأشخاص لافتقادها للحد المطلوب من الحماية. بل ويمكن أن تشكل كذلك مساسا من السيادة الوطنية للدولة من خلال إتاحة معطيات استراتيجية لمواطنيها لقوى أجنبية. لذلك يتعين إعتماد الخدمات الوطنية في هذا المجال، التي طورتها الهياكل العامة أو الخاصة، والتي تضمن احترام المعطيات الشخصية. ويجب كذلك العمل على تخزين وإيواء المعطيات المتعلقة بالصحة على التراب التونسي.
في ظل الظروف الحالية، ينبغي على المشغلين معالجة المعطيات الشخصية لنظرائهم و حرفاءهم بما لا يتجاوز ما هو ضروري لتحديد الموظفين المعرضين للخطر. وإذا طلبت منها السلطات العمومية بموجب القانون، الإفصاح عن معطيات شخصية معينة لأسباب تتعلق بالصحة العامة مثل تلك المتعلقة بتموقع الأفراد، فإنها مدعوة للقيام بذلك مع الامتثال الصارم للالتزام القانوني ذي الصلة في تأمين سلامة عملية إحالة تلك المعطيات، مع اتخاذ التدابير اللازمة للعودة تدريجيا إلى المعالجة “العادية” لتلك المعطيات، عند رفع حالة الطوارئ.

ومن البديهي أن تشارك شركات الاتصالات ومسدو خدمات الإنترنت والمنصات على الخط في مكافحة انتشار الكوفيد 19. وتكون مختلف هذه الأطراف مطالبة بشكل متزايد بإحالة المعطيات الشخصية لمشتركيها إلى السلط العمومية، بغاية المساهمة في المراقبة الوبائية. بما في ذلك مثلا معالجة المعطيات المتعلقة بتحديد موقع الأشخاص المصابين بالكوفيد 19. كما يمكن للهياكل العامة والخاصة تطوير تطبيقات تكنولوجية لرصد الوباء. وتجدر الإشارة في هذا الصدد أنه لا يمكن معالجة المعطيات الشخصية على نطاق واسع إلا إذا ثبت بدقة تحقيق فوائد للصحة العامة بالمراقبة الرقمية للأوبئة، لا تحققها حلول بديلة أخرى وذلك دائما في إطار مبادئ التوقي والتناسب. وينبغي أيضًا في هذا الصدد، التوصية بإجراء اختبار سلامة مسبق للتطبيقات التي سيقع استغلالها، كما هو الحال حاليًا للبروتوكولات المعتمدة في التجارب السريرية للأدوية التي يتم اختبارها قبل تعميمها. ذلك أنه ولئن كانت المعطيات الحينية عن انتشار الفيروس يمكن أن تساعد في عزله والتوقي منه، إلا أنه يجب التأكيد من ضرورة إعتماد الحلول الأقل تطفلاً على المعطيات الشخصية للأفراد.
وأكدت الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية للعموم، على أن الاعلانات في وسائل الإعلام حول موافقتها على إجراء اختبارات أو المصادقة على مطابقة تطبيقات لقواعد حماية المعطيات الشخصية لا يمكن الاعتداد بها بأي وجه، ما لم تكن موضوع بيان صحفي رسمي من الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية أو وقع التنصيص عليها على صفحتها الرسمية أو على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي مجال آخر، فإن عديد المدارس والجامعات العامة والخاصة تبذل قصارى جهدها لضمان استمرارية المسار التعليمي، للتلاميذ والطلبة. و للغرض تلجأ الى تطبيقات للدراسة عن بعد وللتواصل مع منظوريها. إلا أنها يجب أن تحرص على حماية معطياتهم الشخصية، بحيث لا ينتهك استخدام التطبيقات والبرامج حقوق الأشخاص المعنيين. ويجب تجنب معالجة كم من المعطيات أكثر مما هو ضروري لتحقيق الهدف المشروع وهو ضمان إستمرارية التعليم. ومن الضروري كذلك، ضمان أقصى قدر من الشفافية في التواصل مع الوالدين فيما يتعلق بمعالجة معطيات أطفالهم القصر. وأخيرًا، من المهم إعطاء الأولوية لاستخدام الحلول الوطنية وتجنب سهولة استخدام المنصات الأجنبية الجاهزة مسبقا، التي لا نتحكم في تقنيات استغلالها ولا نعرف مآل المعطيات الشخصية التي تمر عبرها، والتي يمكن أن تمثل بالتالي مساسا بحقوق الأفراد وسيادة الدولة التونسية في ضمان حماية معطيات مواطنيها.

ولا يفوت الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية أن تذكر بأن المعطيات الشخصية المتعلقة بالصحة لا يمكن نشرها بأي حال من الأحوال على شبكات التواصل الاجتماعي الراجعة بالملكية إلى شركات أجنبية. وهي شركات تمكن من استغلال خدمات، دون توفير حماية كافية للمعطيات الشخصية، ولعل فضيحة كانبريدج أناليتيكا وتسريبات معطيات مستعملي فايسبوك لدليلين مؤكدين على ذلك. وتدعو الهيئة المواطنين وكذلك السلطة العمومية بوصفها صاحبة القرار، للحد من استخدام وسائل الاتصال الحديثة هذه، في عمليات نقل المعطيات الشخصية للمواطنين، أو عند تقديم المعلومة حول البيانات المتعلقة بالصحة خاصة وأنهاه بإمكانها اللجوء الى مواقعها الرسمية على الواب، أو استعمال تطبيقات داخلية خاصة بها .
وأخيرا، لا بد من التأكيد على ضرورة أن تتولى مجمل الأطراف المتدخلة في حملة التصدي للكوفيد 19، إعدام تلك المعطيات أو جعلها غير معرّفة، بإخفاء هوية أصحابها حين الإعلان الرسمي من قبل الحكومة عن نهاية الجائحة. ويجدر التذكير في هذا الصدد بمقتضيات الفصل 26 من القانون الأساسي لسنة 2004، الذي يلزم المسؤول عن المعالجة بإبلاغ الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية بنهاية المعالجة ويسند لهذه الأخيرة صلاحية اتخاذ القرار بشأن مآل تلك المعطيات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق