الافتتاحية

كورونا..
من يتحمل مسؤولية الكارثة؟

لم تخرج الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة، للحدّ من جائحة كورونا، عن السياق العام للإجراءات السابقة، والتي اتسمت بالاعتباطية والتردّد. وفي الوقت الذي كان الجميع ينتظر فيه قرارات أكثر حسما وإجراءات أكثر صرامة، انتهت اللجنة الوطنية لمواجهة وباء كورونا إلى إقرار إجراء بسيط ولا يكاد يكون له معنى يتمثل في تقديم توقيت حظر الجولان من العاشرة إلى الثامنة مساء ليتواصل بعد ذلك إلى الخامسة صباحا.

ورغم أن اللّجنة العلمية، طالبت بضرورة إقرار حجر شامل لمدّة 6 أسابيع على الأقل، قرّرت اللجنة الوطنية، لأسباب واعتبارات لم تفصح عنها، عدم تطبيق هذا الإجراء، في حين أن كل الخبراء وكل التجارب التي سبقتنا بها دول أخرى أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الحلّ الوحيد لكسر سلسلة العدوى هو إقرار حجر صحّي شامل مع تشديد إجراءات المراقبة والتسريع في نفس الوقت في عملية التلاقيح.

للأسف أن القرارات لم تكن في المستوى، والأوضاع الصحيّة في تدهور مستمر، والبلاد تفقد المزيد من الأرواح مع ارتفاع اعداد الإصابات لتصل إلى أكثر من 5000 إصابة يوم أول أمس..  وهو ما يطرح أسئلة مشروعة عمّن يتحمل مسؤولية الكارثة؟

والحقيقة أن طرح هذا السؤال ومحاولة البحث عن إجابة له في هذا الظرف ليس محاولة للتفصّي من المسؤولية، ولكنه سؤال نطرحه كي تتحمّل كل جهة مسؤولياتها وحتى لا يتواصل هذا العبث وسوء الإدارة لأزمة بهذه الخطورة، تكاد تكون غير مسبوقة في بلادنا..

في سياق البحث عن إجابة لهذه الأسئلة، هناك من يُحمّل المواطن المسؤولية، وهذا صحيح ولكن هذا الحكم يحتاج إلى شيء من التنسيب، وهناك من يحمّل حكومة إلياس الفخفاخ وما ارتكبته من أخطاء في علاقة بالجائحة، المسؤولية، وهذا صحيح أيضا، ولكن لا هذا ولا ذاك يمكن أن يغطّي عن سوء إدارة الحكومة الحالية للأزمة وهو ما يجعلها المسؤول الأكبر عن الكارثة..

أما عن المواطن، فصحيح أنه ربما غير ملتزم بالتباعد، ولا بإجراءات الوقاية من لبس للكمامة واستعمال المعقمات، ولكن هذا المواطن أثبت في السابق، أنه التزم بالحجر الصحّي وطبق التعليمات بحذافيرها تقريبا، لما كانت هناك إدارة حكيمة وقويّة للأزمة في وزارة الصحة. واليوم إذا رأينا أي تساهل للمواطنين في التعامل مع الجائحة فلأنهم لم يلمسوا جديّة وقوّة في إنفاذ القرارات والإجراءات من قبل الجهات المسؤولة، ولم تتوفر لهم الحملات الارشادية الكافية للتحسيس بمخاطر المرحلة التي نمرّ بها بسبب الوباء.

وأما عن حكومة الفخفاخ، فصحيح أيضا أن ما أتته من إقالة لوزير الصحة عبد اللطيف المكّي في أوج الأزمة، وافتخار محمد عبّو بأنه يقف وراء الإقالة، وقوله إن وزارة الصحة لا تتطلب وزيرا لتسييرها، وهو ما أثبتت التجربة تهافته ونتائجه الكارثية على البلاد والعباد، صحيح أن هذه الأخطاء تحمّلها جزءا كبيرا من المسؤولية ولكن..

ولكن الأخطر من هذا وذاك، في التعامل مع الجائحة، هو التردّد وغياب الحرفية من قبل الحكومة الحالية التي تتحمل – وعلينا أن نقر بذلك – الجزء الأكبر من المسؤولية ويبرز ذلك خاصة في:

– التردّد، مثل إقرار بعض الاجراءات ثم التراجع عنها تحت ضغط بعض القطاعات أو اللوبيات.. كإقرار غلق المقاهي ثم التراجع عنه.

– العبثيّة، وخاصة فيما تعلق ببعض القرارات مثل قرار غلق الأسواق الأسبوعية التي تجري في الهواء الطلق، والسماح بالمقابل للمقاهي والمطاعم بالعمل.. أو كمنع جولان السيارات، وكأن المشكلة هي منع جولان العربات وليس الأشخاص، خاصة في الأحياء الشعبية، حيث تزدحم المقاهي وحيث يقل الالتزام بمواعيد الحظر وضرورات التباعد..

– الرخوانية، كعدم الجديّة في تطبيق الاجراءات فبعض المقاهي تواصل عملها حتى منتصف الليل وربما أكثر، ولا تحترم أي ضوابط للتباعد.. وكالتساهل الكبير في التنقل للذين لا يحملون ترخيصا، عكس ما كان معمول به في بداية الأزمة، وما كنا نراه من حواجز أمنية كثيفة وصارمة وصلت حدّ سحب أعداد كبيرة من رخص السياقة بسبب مخالفة تدابير منع الجولان..

اليوم على الحكومة – وهي التي تقود المعركة ضد كورونا على الأرض – أن تتحمّل مسؤولياتها تجاه الأزمة وتداعياتها وتجاه الأعزاء الذين نفقدهم يوميا..  وعلى السيد هشام المشيشي أن يقوم بانتفاضة حقيقية في القصبة ويستنفر كل طاقاته وقواه في هذه المعركة بدل الانشغال بمعارك التموقع التي تقودها بعض الأطراف المحيطة به..

وهو يعلم أنه لا مجال للمجاملة لمّا يكون مصير الوطن والمواطنين على المحك، وحتى حزامه السياسي أو جزء منه كما اعتقد ليس راضيا على إدارة حكومته للأزمة، وجزء من الغضب الذي يرتفع صداه داخل بعض هذه الأحزاب ومنها حركة النهضة سببه عدم الرضا على الأداء الحكومي..

ولا أعتقد أن التضامن الحكومي، يسمح اليوم بغض الطرف عمّا يجري، والسكوت عن وفاة آلاف التونسيين بسبب أخطاء في إدارة المعركة ضد هذا الوباء اللعين.. وإذا كان هناك من تضامن، فيجب أن يكون مع المواطنين (ونحن منهم) الذين يموتون على عتبات المستشفيات ولا يجدون هواء يتنفسونه…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق