راي رئيسي

كيف يمكن تجاوز محنة “تأدية اليمين” و”ختم القوانين”؟

محجوب لطفي بلهاديباحث في القانون العام والتفكير الاستراتيجي

 

عندما يشتعل البيت، لا نذهب إلى القاضي لنطلب منه ترخيصا قصد إرسال رجال المطافئ”

 

بعد أن توقفت لغة التواصل المؤسّسي بين “قرطاج” و”القصبة” بفعل امتناع رئيس الجمهورية عن القيام بالتزاماته الدستورية الدنيا وذلك برفضه أداء الوزراء الجدد لليمين الدستورية والتلميح المعلن بعدم ختم قانون المحكمة الدستورية المٌعدّل بتعلّة انقضاء أجل السنة المنصوص عليها بالفقرة الخامسة من الفصل 148 من الدستور والبقية تأتى…

وبالنظر إلى الهزّات الارتدادية العنيفة المرتقبة لمثل هذه التصرفات التي من شأنها إن استمرت أن تنسف البناء الدستوري لسنة 2014 وأن تقحمنا عنوة، نخبا وعامة، في منطقة من “العتمة المجتمعية” المخيفة، يتوجّب على النخب – على الأقل من تبقّى منها – محاولة البحث عن مخارج قانونية يٌعتدّ بها في النظم القانونية المقارنة – وليس تخريجات ميكيافلية – تٌوازن بين مقتضيات “دولة القانون” و”الظروف الاستثنائية” غير المسبوقة التي لم تعد خافية على الأحد، تكون منبثقة من داخل المنظومة الدستورية وليس من خارجها، تعمل على تأمين الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة للدولة في سياق عام موبوء صحيا، اجتماعيا واقتصاديا انضافت إليها “متلازمة قرطاج” القديمة-الجديدة بأعراضها  الخطيرة التي تحفظها الذاكرة على مرّ ست عقود…

في هذا الصدد، يمكن “لنظرية الضرورة” الدستورية Théorie d’état de nécessité الحاضرة بقوة في مختلف التشريعات والنظم السياسية المقارنة والمتأصّلة في الدستور التونسي لسنة 59 و2014 أن تٌشكّل قاعدة فقهية بديلة لاختراق حالة احتجاز “قرطاج” “للقصبة”.

 

ما المقصود “بنظرية الضرورة”؟

في السياقات العادية “لدولة القانون” تخضع الأعمال القانونية الصادرة عن السلطة التنفيذية بشكل مطلق الى مبادئ “المشروعية” من جهة و”الفصل بين السلط” من جهة ثانية، إلا أنه في لحظة ما قد تمرّ الدولة بظروف استثنائية قاهرة عالية المخاطر قد تهددها في كينونتها ووجودها  – سواء كانت مخاطر طبيعية، وبائية أو مؤسساتية – مما يقتضى اتخاذ حزمة من الإجراءات ذات طابع استثنائي ومؤقت من قبل ممثل السلطة التنفيذية لمواجهة مثل هذه الأوضاع الخاصة المستجدة.

لغة، “الضرورة” من الاضطرار، يٌقال اضطر فلان إلى فعل كذا وكذا، أمّا اصطلاحا فإنه يوجد نوع من الاتفاق بين فقهاء القانون الدستوري على معنى الضرورة “التي يقصد بها تلك الحالة من الخطر الذي يهدد الدولة ويتعذر مواجهته بالوسائل القانونية العادية، فيمتدّ نطاق المشروعية نحو مشروعية استثنائية في إطار منظم لمواجهة الخطر”.

تقوم “نظرية الضرورة” على عنصرين أساسين:

– العنصر الموضوعي: يتمثل في جسامة الخطر الذي يستدعي اللجوء لوسائل غير عادية لمواجهته، ويتم تقدير جسامة الخطر من قبل رئيس السلطة التنفيذية الذي يختلف من نظام سياسي إلى آخر (في الدستور التونسي يتوزع بشكل غير متساو بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة )، وقد استقر رأى عدد من الفقهاء أن حالات الضرورة قد تكون: “الظروف الماسة بأمن الدولة واستقلالها، والأزمة الداخلية التي تهدد وحدة الدولة، أو تلك الظروف الطبيعية التي توّلد أوضاع استثنائية تتطلب تدخل عاجل مثل الزلازل والفيضانات، كما يرى قسم آخر من الفقهاء أن كل وضع غير مألوف يمس بالمصلحة العامة ولا يمكن مواجهته بالوسائل العادية يشكل في حد ذاته قيام حالة الضرورة”.

– العنصر الشخصي: الذي يتجسم “في التصرف الذي تتخذه الدولة ممثلة في أحد أجهزتها لدرء الخطر ودفعه…”.

كما تخضع “نظرية الضرورة” على خلاف “نظرية أعمال السيادة” (الأعمال الصادرة عن السلطة التنفيذية التي لا تخضع للرقابة القضائية لارتباطها الوثيق بسيادة الدولة في الداخل والخارج والمتسمة بالديمومة والاستمرار من حيث نطاقها الزمني) إلى رقابة مزدوجة قضائية وتشريعية لاحقة للتدقيق في مدى مشروعيتها الاستثنائية من عدمها كما هي محددة بسقف زمني مرتبط بقيام حالة الضرورة وتزول بزوالها.

للإشارة، فإن نطاق “نظرية الضرورة” لا يقتصر فقط على القانون الدستوري بل يشمل أيضا القانون الجزائي والقانون الإداري والقانون الدولي الخ مما بوأها مكانة خاصة داخل منظومة “النظريات العامة للقانون” خاصة في أزمنة الأزمات والجوائح.

 

مدى ملاءمتها مع خصائص الأزمة  والمنظومة القانونية الراهنة؟

من المعلوم أن فكرة الالتجاء إلى “نظرية الضرورة” و”نظرية الظروف الاستثنائية” – وجهان لعملة واحدة – كانت ولا زالت حاضرة بقوة في حقبات مختلفة من تاريخنا المعاصر ومتأصّلة أيضا في دستور 1959 (الفصل 46) ودستور  2014 (الفصول 70 و80 ).

فقانون الطوارئ لسنة 1978 الذي لا زال نافذا إلى اليوم يعتبر من أبرز النماذج التطبيقية “لنظرية الضرورة” بمقتضاه تتمتع السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الجمهورية في دستور 59 ورئيس الحكومة في دستور 2014 بصلاحيات واسعة في ممارسة الضبط الإداري العام عبر وزراء الداخلية والولاة…

كما اقتضت “الضرورة” في بدايات مواجهة جائحة الكورونا إحالة جزءا من الصلاحيات التشريعية المسندة لمجلس نواب الشعب إلى رئيس الحكومة عبر ألية التفويض طبقا لمنطوق الفصل 70 من الدستور الذي ينص صراحة في فقرته الثانية ” يمكن لمجلس نواب الشعب بثلاثة أخماس أعضائه أن يٌفوّض بقانون لمدة محدودة لا تتجاوز الشهرين ولغرض معين الى رئيس الحكومة إصدار مراسيم تدخل في مجال القانون تعرض حال انقضاء المدة المذكورة على مصادقة المجلس…”.

إلا أن المسألة الجوهرية والمغيبة تماما عن قراءات وفتاوى أبرز أساتذة القانون الدستوري – بقصد أو عن غير قصد – حجم الصلاحيات الدستورية المكثف المسندة لرئيس الحكومة في الأوضاع الاستثنائية (الفصل 70) والعادية بصفته المهندس الحقيقي للسياسات العامة للدولة والساهر على تنفيذها (الفصل 91) والجهة المخولة حصرا لممارسة السلطة الترتيبية العامة بمقتضى الفصل 94 من الدستور، والتركيز الممنهج فقط على الفصل 80 الذي تنتفى فيه أصلا شروط تحقيق “نظرية الضرورة” باعتبار أن مصدر الأزمة المؤسساتية الراهنة ومنطلقها معلوما لدى الجميع.

فإن كانت السلطة التنفيذية في بلادنا تتمظهر في شكل ذراعين فإن ذراعها الطولى والحاسمة مستقرّة في القصبة، ورئيس الحكومة بصفته تلك يمثل السلطة التنفيذية في قسمها الكبير، وبالتالي فإن قصة الأذرع التنفيذية المتساوية الأضلاع والأحجام لا تجد طريقا لها في دستور 2014 الذي تأسس على قاعدة “نظام برلماني معدّل” لا لبس فيه.

 

كيفية الاستفادة من “نظرية الضرورة” للخروج من المأزق؟

مما لا ريب فيه، أن إمعان رئيس الجمهورية على الإخلال بواجباته الدستورية الأساسية وامتناعه المتوقع لختم مشروع قانون المحكمة الدستورية المٌعدّل يٌشكّل خطرا حقيقيا على السير الطبيعي لمختلف أجهزة الدولة في ظل سياق عام ترتفع فيه عدد الوفيات والإصابات من جراء جائحة الكورونا وتستمر فيه حالة الطوارئ إلى أجل غير مسمى.

فالثالوث (حالة الطوارئ – جائحة الكورونا – والأزمة المؤسساتية المفتعلة) يٌخوّل لرئيس الحكومة بصفته الرئيس الأول للسلطة التنفيذية الالتجاء إلى “نظرية الضرورة” من خلال التوجه “لمجلس نواب الشعب” كسلطة أصلية في “نظام برلماني مٌعدّل” بغرض:

– الاستعجال بتعليق العمل بإجراءات أداء اليمين والختم المنصوص عليهما بالفصول 81 و89  بفعل عامل الاستحالة المادية لتحققهما

– الحصول على تفويض خاص ومؤقت على غرار ما وقع في بداية انتشار وباء الكورونا ببلادنا للإذن هذه المرة بالمباشرة والختم وفق مراسيم حكومية تخضع لرقابة تشريعية وقضائية لاحقة من قبل “مجلس نواب الشعب” طبق الفصل 70 من الدستور ومن “الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين” بصفتها الجهة القضائية الدستورية الوحيدة المنتصبة اليوم في ظل غياب المحكمة الدستورية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق