الافتتاحية

لا يرافق سعيد وزراء ولا رجال أعمال..
الديبلوماسية الرئاسية..
سياحة وطرائف وتعطيل لمصالح تونس!

أكدت زيارة الرئيس قيس سعيد إلى مصر والتي دامت 3 أيام أن رئيس الجمهورية لا يمتلك أي رؤية للعمل الديبلوماسي باستثناء الترويج للمدينة الصحية وسوق الخضار ومحاصرة حكومة هشام المشيشي وعزل تونس عن محيطها الخارجي. 

زيارة مصر سبقتها زيارات أخرى إلى فرنسا والجزائر وقطر وليبيا وسلطنة عمان للتعزية في وفاة قابوس… ولكل زيارة زلة لسان أو طرفة أو بالدراجة “تجلطيمة”.

في زيارته لفرنسا حوّل سعيد الاستعمار إلى حماية، وحرص فيما تلاها على إحراج الفرنسيين حتى لا يتعاملوا مع حكومة المشيشي، وبلغ الضغط مداه بعدم استقبال المشيشي في الإيليزيه من طرف ماكرون، وتأجيل زيارة كاستكس رئيس الوزراء الفرنسي المبرمجة في مارس الماضي إلى موعد غير محدد.  

وفي زيارته لقطر التي دامت 3 أيام التقى فيها أمير قطر مرة واحدة، روج سعيد لسوق الخضار وتجنب الحديث عن أي ملف يدعم الدولة رغم علمه بأن قطر هي الدولة العربية الأكثر حرصا على دعم تونس، والوقوف على نفس المسافة من جميع الأطراف السياسية. وهو يرفض الآن التدخل لتمكين البلاد من قرض قطري بقيمة 2 مليار دولار.  

أما زيارته للجزائر فلم تخل من أخطاء ديبلوماسية أبرزها العودة في نفس اليوم، وطبعا عدم التطرق للملفات المشتركة.  

وفي ليبيا حرص على أن يسبق رئيس الحكومة في زيارة طرابلس، بل إن السفير التونسي المعتمد هناك فاجأ السلط الليبية بحرصه على التأكيد بأنه يعمل تحت إمرة الرئاسة وليس الحكومة وأغلق هاتفه في وجه القصبة كما فعل وزير الخارجية الجارندي أثناء زيارة المشيشي لفرنسا.

 أما في زيارته إلى مصر فقد خرج سعيد عن العقل والمنطق حيث حول الزيارة الطويلة إلى جولة للترويج للسياحة والمعالم الأثرية والدينية المصرية، وكذلك لنموذج التنمية الذي يمثله المشير عبد الفتاح السيسي.. وتحول إلى مرشد سياحي لمصر والسيسي، وإلى تابع للسياسة الخارجية المصرية كما قال صراحة.

وهو ما يطرح أسئلة عدة عن الدعم السياسي الذي قدمه لمصر في نزاعها مع أثيوبيا وفي مصالحها في ليبيا، ما هو ثمنه بلغة المصالح؟ وهل حصل حتى على لفتة رمزية بإلغاء التأشيرة على التونسيين لزيارة مصر مثلا؟ هل حصل على دعم مصري لتونس في صعوباتها الاقتصادية؟ هل تناول مع الرئيس السيسي تشجيع المستثمرين المصريين على القدوم إلى تونس؟ هل أشار إلى الميزان التجاري المختلّ لصالح مصر وضرورة تعديله؟ طبعا هذه الأمور ليست من مشمولات سعيد، الذي ذهب إلى مصر لا ليقول إن مصر نموذج وتونس نموذج آخر، وأن التنمية دون حقوق إنسان كذبة كبرى، وأن تونس لا تحلّ صراعاتها السياسية بالتعذيب والسجون والقمع.

 سعيد ذهب إلى مصر تلميذا مجتهدا يريد الحصول على دروس من مصر، حتى يغيض جزءا من شعبه… هذا هدفه، ولم يكن من اهتماماته الدفاع عن مصالح تونس بل إزعاج النهضة.

طبعا يمكن أن يكون لسعيد مشكلة مع النظام السياسي والبرلمان والحكومة والغنوشي… ولكن ما مشكلته مع رجال الأعمال التونسيين وأصحاب المؤسسات ولماذا يتجنب اصطحابهم معه، في رحلاته؟ لماذا يرفض القيام بواجبه في الديبلوماسية الاقتصادية؟ لماذا لا يميز بين الحكومة والدولة، التي بالغ في إهانتها بشكل لم يحدث من قبل؟ كيف سينظر رئيس الاتحاد الأوروبي شارل ميشال لرئاسة جمهورية تطلب منه عدم التعامل مع رئيس الحكومة، ويبلغ الحرج مداه حين تضطر مسؤولة أوروبية مرافقة له لإغلاق هاتفها في بلدها حتى لا ترد على مكالمات القصبة؟ أي نظرة لوزيرة خارجية ليبيا وهي تضطر إلى عقد مباحثات مصورة مع مديرة الديوان الرئاسي في طرابلس وتمنع في تونس من لقاء رئيس الحكومة؟ ما هي نظرة السيسي لتونس التي كانت لها كلمتها الديبلوماسية بل كانت في صراع مع القاهرة على زعامة العالم العربي في عهدي عبد الناصر والسادات وانتهى الأمر بانتقال الجامعة العربية إلى تونس عقابا للسادات على تطبيعه مع إسرائيل، واليوم أصبحت مجرد تلميذ يتلقى الدروس من معلمه.

رئيس الجمهورية قيس سعيد يتصرف كملك غير مقيّد بقانون ولا دستور، وهو يعبث الآن بمصالح تونس في صراع غير مبرر مع الحكومة ومع النظام السياسي. هو يستفيد في ذلك من حكومة ضعيفة جدا، ومن غياب رئيسها هشام المشيشي عن الإعلام فاسحا المجال لسعيد ليتصرف بكل حرية رغم أنه مقيد بدستور واضح حتى في موضوع الديبلوماسية الذي يتم بالتشاور مع الحكومة وليس بمزاج الرئيس.

لم يعد من الممكن السكوت عن هذه المهزلة المتواصلة والتي تسيء لتونس الوطن والدولة التي تبقى الأصل والمقدمة على ما سواها. والكرة في ملعب رئيس الجمهورية الذي سيحاسبه التاريخ عن أداء خارجي مهزوز، أضعف حضور تونس في إفريقيا ويسيء لعلاقتنا التاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية، الصديق لديمقراطية تونس، حيث عمد الرئيس إلى استقبال سفير أمريكا بحضور سفير كندا، في إشارة ديبلوماسية غير ودية، لا تُجاه أمريكا فحسب بل تُجاه دول القارة الأمريكية الأخرى، ويضعف حظوظنا في إعادة الإعمار في ليبيا، والأخطر من ذلك يزج بتونس في لعبة المحاور الإقليمية بعد انتهائها. شكرا يا سيادة الرئيس على زياراتك الخارجية ولكن ما الفائدة منها إن لم تكن دفاعا عن مصالح تونس، وتحولت إلى أداة لمحاصرة حكومة المشيشي أو إزعاج النهضة والحزام السياسي للحكومة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق