راي رئيسي

“لماذا نخاف الإسلاميين ونحن بلد مسلم”؟
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون يصنع ربيع الجزائر..
الإسلاميون في تونس وتركيا أثبتوا أنهم ملتزمون بمبادئ الجمهورية ولا مانع من مشاركتهم في الحكم..

موقف الجزائر من القضية الفلسطينية لا يتغير بالتقادم ولا بالتخاذل..
لما قلنا أنّ طرابلس خط أحمر كنا نعني ذلك وقد وصلت الرسالة

كانت مواقف صادمة وقوية تلك التي عبّر عنها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون في الحوارين اللذين أجراهما مع صحيفة Le Point الفرنسية ولقناة الجزيرة القطرية، مواقف صادمة لبعض الأطراف الدولية لعلّ من أبرزها الإدارة الفرنسية ولحلف مصر الإمارات..

نقطتين يبدو أنهما كانا مزعجين لفرنسا، الاعتذار وتوابعه والعلاقة مع تركيا:

أما عن الاعتذار من فرنسا فقد بدا تبّون حاسما وقاطعا في هذه المسألة، التي كانت تبحث عن تسوية وديّة معنويّة تأتي فقط على الحقبة الممتدّة من نوفمبر 1954 تاريخ تفجير الثورة إلى جويلية 1962 تاريخ استقلال الجزائر، مع ذلك ترغب في اعتماد روايات تتحدّث عن 200 ألف قتيل في تلك المرحلة، كما ترغب في إدخال المستوطنين من الفرنسيّين، الإيطاليّين، الإسبان المالطيّين، اليهود، الذين قتلوا خلال تفخيخ المقاهي والملاعب والنوادي باعتبارهم ضحايا لهجمات جبهة التحرير خاصّة خلال حرب الجزائر العاصمة، هكذا ترغب فرنسا.

الجديد الذي صرّح به تبّون بشكل لا لبس فيه ولا مواربة هو الإبادة ونهب الخيرات والثروات، هذه العبارات عادة ما يطلقها المؤرّخون الجزائريّون وغيرهم على عمليات القتل والتجريف والحرق في المرحلة الأولى التي استهدفت إخماد المقاومة ومسح الأراضي وفتحها أمام المستوطنين، ثمّ النّهب الشامل الذي تعرضت له خزينة الدولة الجزائريّة مباشرة بعد دخول جيش الاحتلال للبلاد سنة 1830.

وجاء في حديث تبّون أنّ الجرائم الفرنسيّة شملت الإبادة ونهب الخيرات والثروات، مرورا بمجازر 8 ماي 1945، وصولا إلى “الثورة التحريريّة” إذًا فكك تبّون بدقّة، وفصل جرائم الإبادة الأولى عن إبادة 1945، ثمّ فصل عنهم ثورة المليون ونصف المليون شهيد “1954-1965”. وعليه يدور الحديث حول 180 مليار دولار نهبت من خزينة الدولة في بداية الاستعمار، مع 10 مليون شهيد ومستحقّاتهم من التعويضات “ليبيا دفعت 10 مليون دولار للضحية الواحدة في حادثة لوكربي”.

المسألة الثانية التي أزعجت البعض هو تعليق تبّون حول العلاقة مع تركيا “تركيا استثمرت 5 مليار دولار في الجزائر ومن يقلقه هذا عليه بالقدوم والاستثمار في الجزائر مثل الأتراك”، هذا الردّ يزعج بعض القوى الدولية التي تناصب تركيا العداء وتحاول أن تقطع أمامها الطريق إلى إفريقيا شمالها وجنوبها ومحاصرتها اقتصاديا وعزلها وتضييق الخناق عليها..

وبعد 20 عاما كاملة صادق الرئيس الجزائري بشكل رسمي على اتفاقية حول الملاحة والنقل البحري بين الجزائر وتركيا، والتي تشمل نقل الركاب والبضائع إلى جانب التعاون التقني في بناء السفن وإصلاحها وتشييد موانئ، وتعود الاتفاقية إلى 25 فيفري 1998، لكن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لم يوقع عليها لتظل مجمدة منذ 20 سنة.

إلى جانب الكثير من البنود المفيدة للبلدين، يلزم الاتفاق الطرفـين بتوفير نفس المعاملة لسفن الدولة الأخرى كالتي يعامل بها سفنه، فيما يتعلق بالدخـول إلى الموانئ واستعمالها وجميع التسهيلات الخاصة بالملاحة البحرية والعمليات التجارية الأخرى.

ظلت الاتفاقية حبيسة الرفوف طوال 20 عاما، ثم تم التصديق عليها من طرف رئيس الجمهورية الجزائرية وصدرت في الجريدة الرسمية الأسبوع الماضي..

صفعة أخرى تلقّاها هذه المرّة المحور الذي رفع منذ سنوات وخاصة بعد ثورات الربيع العربي راية الحرب “المقدّسة” على الإسلام السياسي والحركات السياسية الإسلامية التي صعدتها صناديق الاقتراع إلى السلطة.. فتبّون جاهر صراحة أنّ الإسلام السياسي لم  يعطّل النمو في تركيا وتونس ومصر مثلا، وأن الإسلام السياسي لا يقلقه لأنّه أثبت أنّه ملتزم بالقوانين الجمهوريّة التي تطبّق على الجميع وباللعبة الديمقراطية”، هذه أجوبة تخالف مزاج هذا المحور الذي قام بكل ما يقدر عليه لقطع دابر الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة وقطع الطريق أمام أي حزب إسلامي له حظوظ في الوصول.. هذا المحور الذي تزعّم عمليّات اجتثاث واسعة بالتنسيق مع نخب الاستئصال العربي لمساعدته في ذلك، بل أصبح يبدي قلقا واضحا من تقاعس بعض الدول الأوروبيّة في مساندة حربه المعلنة على الإسلام وعرّض خاصّة بألمانيا في أكثر من مناسبة.

عبد المجيد تبّون اعتبر أن الإسلاميين بمفهوم التسعينات ومرجعياتهم الإيديولوجية لم يعد لهم وجود في الجزائر، مشدّدا على أن الإسلام السياسي لن يكون مصدر ازعاج طالما يمتثل لقوانين الجمهورية ويلتزم بتطبيقها حرفيا. وقال لماذا نخشى من الإسلاميين ونحن بلد مسلم، وأضاف أن الأحزاب الإسلامية الجزائرية ملتزمة بمبادئ الجمهورية ولديهم تصور خاص على المستوى الاقتصادي والمالي والصيرفة الإسلامية أكدت نجاعتها في بلادنا..

الصفعة الرابعة كانت لمحور التطبيع العربي، فالرئيس الجزائري جدّد التأكيد على موقف بلاده تجاه القضية الفلسطينية ومسار بعض الدول العربية في التطبيع مع إسرائيل، مشيرا إلى أن الجزائر لن تطبع أبدا مع الكيان الصهيوني ولن تفعله ما دامت لا توجد هناك لا دولة ولا حقوق فلسطينية. وشدد على أن موقف بلاده من القضية الفلسطينية لا يتغير بالتقادم ولا بالتخاذل.

وأضاف أن هناك اتفاقا عربيا على مبدأ الأرض مقابل السلام، وأن الجزائر ملتزمة بهذا الموقف، مستدركا بالقول “لكن اليوم لا نرى لا سلما ولا أرضا فلِمَ التطبيع؟”.

وهذا بالطبع موقف يزعج كثيرا محور التطبيع وعرّابيه في العالم العربي ويحرجهم كثيرا خاصة عندما يصدر عن دولة بحجم الجزائر وثقلها الجغراستراتيجي في المنطقة..

والصفعة الخامسة وجهها الرئيس الجزائري تبّون إلى المحور الذي كان يستهدف العاصة الليبية طرابلس وخطط لإسقاطها بأيد المرتزقة كما قال..  وأشار إلى أن بلاده رفضت أن تكون طرابلس أول عاصمة عربية ومغاربية يحتلها من سماهم المرتزقة.

وقال إن الجزائر كانت على استعداد لتتدخل بصفة أو بأخرى لمنع سقوط طرابلس، وأنها حين أعلنت أن طرابلس خط أحمر كانت تقصد ذلك جيّدا، معتبرا أن الرسالة وصلت لمن يهمّه الأمر.

وهذه رسالة واضحة من الجزائر أنها لم لن تقبل بتقديم طرابلس للمرتزقة والمتآمرين وسقوطها في أيدي القوى الإقليمية المتصارعة على بسط نفوذها عليها ولا الطامعين فيها.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون بمواقفه الأخيرة والتي عبر عنها بوضوح ومن دون مواربة أو ارتباك أو تردد، إنما أثبت مدى انفتاحه على الربيع العربي، واصطفافه في جبهة الدول التي باركت هذه الانتفاضات السلمية ووقفت إلى جانب الانتقال الديمقراطي ودعمت ربيع الشعوب الذي أزهر في الجزائر عن طريق ما وصفه هو بـ”الحراك الأصلي والمبارك” الذي أنقذ الدولة الجزائرية من عصابات الفساد وانتصر بسلميّته، على حدّ قوله..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق