أهم الأحداثاخر الأخبارتقاريررأيمدوّنات حرّة

لماذا يستهدف الغنوشي ؟

محمد الحمروني

في الجغرافيا لا يمكنك بلوغ القمة الا اذا مررت بالسهول  وفي التحليل السياسي لا يمكنك فهم الحدث الا اذا مررت له عبر دوائره المحيطة به  وهو منطلقنا في الإجابة عن السؤال المطروح فقد تزامن استهداف الغنوشي مع تراجع قواة حفتر في ليبيا وهو حدث اقليمي ودولى له ما بعده، وعلى الرغم من اهمية هذا الحدث الا انه لا يعد الوحيد في خارطة الإقليم،  فسوريا الأسد تتلقى ضربات موجعة و بالرغم من الدعاية الإعلامية الا ان بشار لم يبسط نفوذه بعد ولن يبسطه الا ضمن تسوية سياسية شاملة تخرج النظام القائم من مربعاته الاسمنتية المسلحة بما يسمح بشق الطريق نحو الحرية وغرس معاني المواطنة داخل دولة مدنية تتخلص من عقلية العصور الوسطى التي يقودها العسكر  ، وغير بعيد عن سوريا ينتفض لبنان ضد دولة الكهنوت التي يريدها نصر الله وتدعمها ايران وقد راينا الشباب الثائر يرفع شعارات تناهض حزب الله وزعامته، وفي العراق تتراخي القبضة الشيعية ومعها سلطة ولاية الفقيه ليعود التوازن الى بلاد الرافدين والذي ستراكمه الأيام نحو دولة مبنية على المواطنة ورافضة للطائفية التى يريد ان يغرسها نظام الملالي . قريبا من السعودية تتراجع قوى الجنجويد في السودان بالرغم من سخاء العطايا والهبات فالامر لم يستقر ولن يستقر لبقايا اليسار الباسط يديه في كل الاتجاهات،   اما اليمن الجريح فهو الاخر يرفض الانصياع لابناء زايد او الخضوع لبن سلمان

في الضفة الاخرى يشق المغرب العربي طريقه المضطرب نحو الحرية فمن المغرب الاقصى الى تونس مرورا بالجزائر تبدو الخطوات حثيثة نحو قيم المواطنة ودولة الحرية والقانون وهو ما تريده حكومة الوفاق في ليبيا مما يجعل انتصار القوات الشرعية ضربة موجعة في الإقليم تحاصر مصر السيسي وتزيده إرباكا على إرباكه وتجعل من المغرب العربي كتلة موحدة في اتجاه الحرية وتحقيق الفعل التاريخي لان موريتانيا هي الاخرى تهب عليها رياح التغيير الهادئة بالرغم من رهانات الإمارات وسخائها المالي هناك.

هذه الخارطة تجعلنا نسجل ولأول مرة منذ سنة 2013  تغير الرياح لصالح القوى الثورية فالانكماش الثورى الذي فرض من وقتها يتراجع وجائت الانتصارات في ليبيا لتبرزه واضحا للعيان ولتؤكد لدولة العصور الوسطى المستندة الى الكهنوت الشيعي والسني او دولة العسكر ان الاستئناف الثوري قائم و يهدد عروشهم.

دوليا هناك صفقة القرن والتي لم تعد خافية على احد فقد انخرطت فيها القوى المضادة للتحرر العربي ووصَل انخراطهم الى المسلسلات الرمضانية، وتعلم اسرائيل جيدا كما يعلم من يدعمها ان السير على درب التحرر وبناء دولة المواطنة هو الخطر الاستراتيجي على وجودها. ففلسطين حية في وجدان وضمير الشعوب العربية وتحررها يعنى الخطوة الثابتة نحو فرض حق الشعب الفلسطيني ولذلك تلتقي أهداف الثورة المضادة مع أهداف اسرائيل ومن يسندها في العلن مرة وفي الخفاء مرات.

ما هو موقع تونس من كل ذلك ؟ و لماذا يستهدف الغنوشي ؟

تونس هي من افتتح بارادة شبابها طريق الحرية  ولذلك هي مستهدفة وستظل ما دام الحسم لم يتحقق بعد ولكن من يستهدفونها يذهبون الى الدائرة الصلبة داخلها فيوجهون سهامهم للنهضة بزعامة الغنوشي ويرد ذلك الى ستة دوافع محددة:

الاولى : الغنوشي هو زعيم حركة النهضة ذات المرجعية الاسلامية وهي الحزب الحاصل على الأغلبية في اغلب المحطات الانتخابية وآخرها البلديات والتشريعية  تمتلك من العمق الشعبي والامتداد ما يجعلها تتصدر المشهد وهي التي تصدت لكل العمليات الانقلابية على الثورة منذ اندلاعها الى جانب قوى وطنية اخرى ولذلك هي الكتلة التاريخية وفق لغة الفيلسوف الايطالي غرامشي  التى ترسخ أهداف الثورة وقيمها انها الحامل التاريخي والقوة الصلبة التي تواجه سيولة القوى الاخرى المتنطعة او المتلونة ولذلك فان استهداف التجربة الديمقراطية ومن ورائها تونس – شرارة التحرر الإقليمي – يمر ضرورة عن طريق استهداف النهضة واستهداف هذه الاخيرة يكون اكثر نجاعة وتركيزا من خلال استهداف زعيمها خاصة وانه يترأس البرلمان احد عناوين الإرادة الشعبية التي يمقتها العسكر والكهنوت.

الثانية : الغنوشي رجل التوافق بامتياز وهو يريد ان يعبد هذا الطريق ليرسخه  ثقافة وسياسية ويسعى هذه الأيام ان يمضي به الى غاياته القصوى بفرض مصالحة وطنية شاملة. فالتوافق ليس من الاحداث العارضة في تجربة المد الثورى بل هو عمودها الفقري لتحقق أهدافها ومعلوم ان التجارب التي ابتعدت عن التوافق تحولت الى فوضى وحروب مكلفة للأوطان والشعوب ولذلك لم تعد شخصية الغنوشي  قائدة للحامل التاريخي فحسب بل هي منتجة لشروط استمراره وتوسيع مجالاته افقيا وعموديا . فالرجعية المناهضة للثورة يسهل عليها الاختراق في الاستقطاب الحاد اما في حالات التوافق وقيم العيش المشترك تتعطل فعاليتها وتتراجع  فهي مثل الفطر لا تتمدد الا في المستنقعات.

الثالثة : الغنوشي يؤصل   لللإسلام الديموقراطي  متجاوزا في ذلك حدود الاسلام السياسي بما يحمله هذا المفهوم من ثقل تاريخي ومن دلالات قدحية وقد سلك في هذا الطريق مسلكا يجمع بين النظر والعمل فانتصاره للحرية وللدولة المدنية المبنية على الحق والمواطنة ونهله من الكلي الحضارى الذي استقرت عليه الانسانية جعله يقلق اعدائه الذين انحصر وعيهم في العصور الوسطى و تقوقعوا عند الحد الشكلي للحداثة والدين معا. يرهقهم الغنوشي الذي ينهل من روح العصر دون قطيعة مع روح شعبه فهو اكثر حداثة منهم وتجذرا في قيمها ورفضا  لممضوغاتها وهو اكثر أصالة منهم تشبثا بروحها و تجاوزا لشكلانيتهم . ان  تتحول الثورة الى رهان قيمي وحضاري يلتقى مع الكوني ذاك ما يؤرقهم ويهدد عروشهم.

الرابعة : الغنوشي المنتصر للحرية والدولة المدنية يجعل من العدالة الاجتماعية القاعدة المادية لللإسلام الديموقراطي فقد ادرك ان الحرية في غياب رافعتها الاجتماعية والاقتصادية مطلب أجوف وحالة مفارقة تنتمي لحدود الميتافيزيقي فكانت خطاباته الاخيرة تؤكد ان العدالة الاجتماعية ملازمة للديموقراطية في واقعنا الراهن . لقد مثل هذا الحدث تحولا عميقا في الخطاب والممارسة للحامل التاريخي الذي اثبت انه يسعى لبناء دولة الشعب لا شعب الدولة.

الخامسة : الغنوشي تحول الى رمز اقليمي بالرغم من الحصار الذي تحاول القوى الرجعية فرضه عليه في كل الاتجاهات فكل الحركات المتجهة في طريق الحرية والمواطنية تستلهم من الغنوشي مقولاتها وتقتدي  به في الممارسة.. كتبه مراجع للعديد منهم و قد تجاوزت تأثيراتها الإقليم ويكفي الاطلاع على الترجمات.. وسلوكه السياسي ملهم لمن يبحث عن وطن يتعايش فيه الجميع دون إقصاء او تنكيل.

السادسة : الغنوشي القيادي والمنظر يعترف به العالم شرقه وغربه يحاضر في الصين وداخل مؤتمرات الحزب الشيوعي و يُدعى في الغرب من دافوس الى كرنس -مونتانا  ومن برلين الى واشنطن مرورا بالمملكة المتحدة وباريس وروما . يحاوره من تجذر في اليسار ويجالسه من مال نحو اليمين ويستمع له من اتخذ له من الوسط موطنا. فبالرغم من تشويههم له يغيبون ويحضر ويحتفي به و يهمش اعدائه وهي حجة كافية للتفريق بين من كان منتميا للتاريخ وبين من يعيش على فتاته .

ليس غريبا اذا ان تكون الهجمة بهذه الشراسة على الغنوشي ولو سكتو لأخذنا العجب من صمتهم ولكن سينفقون جهدهم و اموالهم  ثم تنقلب عليهم حسرات . فالشعوب في هذه المنطقة حسمت امرها وتوكلت  ولن تتراجع مهما كانت المؤامرات والدسائس. اما الغنوشي فقد خبرته السنين وخبرها رهانه في المعركة  شعبه  الذي أراد الحياة والذي لن يتنازل عن ارادته حتى تتحقق قيما وحضارة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق