أهم الأحداثاخر الأخبارراي رئيسيوطني

هل المطلوب رأس الثورة أم رأس الغنوشي؟

بوابة العين الإماراتية تكتب ” ثروة الغنوشي تحت مجهر التونسيين.. من أين لك هذا؟”
صحيفة العرب اللندنية تكتب “الطرابلسية الجدد: الغنوشي وحاشيته يراكمون الثروة وغضب الشارع التونسي”..
موقع حفريات الإماراتي يكتب: ” عريضة إلكترونية تطالب بالتدقيق في ثروة الغنوشي”..
قناة العربية تضع في أبرز عناوين نشراتها “مطالب بالتحقيق بثروة الغنوشي”..
قناة سكاي نيوز ومقرها أبو ظبي تتحدث عن “عريضة تونسية تسأل عن ثروة الغنوشي”..
أما موقع اليوم السابع المصري فيتحدث عن “مطالبات بالتحقيق في ثروة راشد الغنوشي بعد تحوله إلى أبرز أغنياء تونس”..
هذه مواقع تعوّدنا منها الاهتمام المبالغ فيه بالشأن التونسي ومحاولة تشويه عملية الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس، فكانت تنفخ تارة في الفتن، وتشوه تارات عديدة حركة النهضة تتهمها مرّة بالإرهاب ومرّة بالرجعية ومرّة بالفساد.. تغازل جماعة الثورة المضادة وتنفخ في صورتهم..
غير أن تكتيكها هذه الأيام قد تغير جذريا وبشكل ملحوظ، فقد توقفت فجأة عن نقد حركة النهضة وتشويهها، وتوقفت عن شحن الأجواء والنفخ في الانقلابيين من أزلامها في تونس، لتقود عملية قصف مكثف ومركّز على زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي.. وفي التوقيت ذاته تتلقف أذرعها الإعلامية وصفحات فايسبوكية ممولة sponsorisées الرسالة وتنخرط في الحملة الممولة ذاتها بالتوازي مع هذه المواقع الإماراتية..
المهم نحن اليوم أمام حملة مركّزة تتحدث عن الغنوشي وثرواته الطائلة وعن علاقته بالإخوان المسلمين وبشبكات المال والإرهاب.. حملة شعواء على الغنوشي من نفس الجهات ولكن بأدوات وأساليب جديدة..
وهنا من حق الانسان العادي والبسيط أن يتساءل لم أصبح رأس الغنوشي مطلوبا بهذه الحدّة؟ لم الآن تحديدا؟ والأهم لم الغنوشي بالذات هو المستهدف من دون كل قيادات حزبه؟ ولما لا يأتي استهدافه إلا من طرف قوى إقليمية وداخلية تجاهر بعدائها لثورات الربيع العربي وباصطفافها مع الأنظمة الدكتاتورية والفاشية والعسكرية التي تحكم شعوبها بالحديد والنار؟
لماذا تستهدف شخصية أثبتت قدرتها على استيعاب الآخر والمختلف، شخصية أظهرت في أكثر من محطة فارقة ومفصلية نضجا عبقريا في التفاوض وفي الواقعية وفي التعايش مع الأخر، شخصية أثبتت في أكثر من مناسبة أنّ المسار البنّاء للثورة ليس مسار التفرد بالرأي أو الاستبداد بالمواقف أو فرض الأمر الواقع؟
لماذا تستهدف شخصية تفكّر بمنطق السلطة والمعارضة في آن معا، شخصية قادرة على التنازل من دون عقد ولا حسابات مسبقة من أجل المصلحة الوطنية، لماذا تستهدف شخصية تشربت معاني المواطنة والمساواة والمدنية والحرية والعدالة والانفتاح؟
لماذا تستهدف شخصية نجحت في تمكين البلاد من مجاوزة هزات أو خلافات حادة كان يمكن أن تؤثّر سلبا على المسار الديمقراطي برمته؟؟ لماذا تستهدف شخصية قادرة بامتياز على خفض منسوب استخدام وتوظيف الأيديولوجيا في التعاطي السياسي، واستبداله بمنطق التوافق كثقافة سياسية واجتماعية؟
لماذا تستهدف شخصية اجتهدت في كل الملتقيات والمحافل الدولية التي استدعيت إليها لحشد “الاستثمار في التجربة الديمقراطية التونسية” هذا المصطلح الذي فاجأ به الدوائر الغربية وشدّ به انتباههم، وجعل الكثيرين منهم يقرّون بالتقدّم السياسي غير المسبوق الذي حققته على مستوى الديمقراطية وعلى مستوى الحقوق والحريات خلال الثلاث السنوات التي أعقبت الثورة التونسية؟
لماذا تستهدف شخصية قالت نحن لا نريد إعادة انتاج الاحقاد والكراهية ولا توريثها لأجيالنا القادمة كما ظلّ أبناء وأحفاد اليوسفيين والزواتنة يحلمون بالانتقام ممن سلّط ظلمه وطغيانه على آبائهم؟
لماذا تستهدف شخصية قالت علنا وأمام الجميع وبصوت عال إنهم لن يقبلوا أن يكونوا جزء من سيناريوهات الكراهية والبغضاء والهوس بالانتقام وإقصاء الآخر، لانّ الأحقاد والكراهية والإقصاء في تقديره تخرّب الأوطان ولا تبنيها وتنحدر بالشعوب ولا ترتقي بها. وذكّر بالدولة العظيمة التي أسسها الرسول الأكرم وحكمت العالم لقرون، دولة لم يؤسسها على إقصاء المشركين الذين حاربوه وحاربوا دينه ولا على التنكيل بهم والانتقام منهم. ولما فتح مكة لم يلجأ إلى الانتقام ممن أذوه وأهله وشردوهم وأخرجوهم من أرضهم وديارهم، ولم يعاملهم بالمثل ولم يحوّل منطقة الجزيرة العربية إلى مستنقع من الأحقاد تتوارثها الأجيال، بل فتح لهم أبواب العفو والسماح وتركهم آمنين على أعراضهم وأموالهم وذويهم؟؟
في الحقيقة الإجابة عن كل هذه التساؤلات بسيطة جدا لمن يريد أن يعمل عقله ولا يبقى مجرد متلقي لما يضخ أمامه من مغالطات وأراجيف وفبركات مكشوفة إلى درجة الحمق والغباء..
فعندما يحمل الغنوشي زعيم حركة النهضة فكرا نقيضا للدكتاتورية والاستبداد السياسي، نقيضا للعنف بجميع مسمياته، نقيضا لمنهج الإقصاء والاستئصال والقمع، نقيضا للتخلف الحضاري وانعدام الشفافية وغياب العدالة الاجتماعية، نقيضا للفساد المالي والإداري، أكيد سيكون مصدر ازعاج وتهديد للقوى النقيضة للديمقراطية، هنا تبدأ العداوة مع الغنوشي.
عندما ينجح الغنوشي في التسويق لمشروع الإسلام الديمقراطي مقابل الإسلام المتطرف ومشروع البناء بدل مشروع الهدم، وثقافة الحياة بدل ثقافة الموت، وعندما يستميت من أجل ترسيخ التعددية والحريات العامة والخاصة، نفهم حينها لماذا يخشى هؤلاء الغنوشي..
عندما نراه يدفع بقوة نحو مشروع مستنير يقوم على العلم والعمل والعدالة الاجتماعية والانصاف والحرية والحياة والبناء والتعمير، ونراه يجتهد من أجل إنجاح المسار الديمقراطي والتجربة الديمقراطية الغضة في تونس، وترسيخ التداول السلمي على السلطة وسد الطريق أمام الانتكاس عن مناخ الديمقراطية والحريات والعودة إلى مناخ الدكتاتورية والاستبداد، نتفهم جيدا ما الذي يخيفهم في الغنوشي إلى حد محاربته بكل ثقلهم..
عندما نرى أنّ مقبولية الغنوشي بعد مسار سياسي كامل قاده بثبات وذكاء وحكمة طيلة الثماني سنوات الماضية، هي اليوم في أعلى مؤشراتها خارجيا، ندرك جيدا لما يقودون هذه الحملة المستعرة ضد الرجل..
وعندما ندرك أنّ ترشح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان هو مؤشر استراتيجي هام على تجاوز علة وعقدة الديمقراطية التونسية نهائيا والتسليم لإرادة الناخب والالتزام بها، نتفهم جيدا خوفهم وخشيتهم من هذه الحقيقة واجتهادهم من أجل ان يحولوها إلى كابوس مزعج للغنوشي ولحزبه ولكل من سولت له نفسه أن يرسخ هذا المسار الديمقراطي اللعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق