الافتتاحية

ليبيا وقطر..
زيارتان ناجحتان لرئيس الحكومة..
تونس ومعركة النهوض الاقتصادي بين محاولات الهدم ومساعي البناء..

أدى رئيس الحكومة هشام المشيشي يوم السبت الماضي زيارة عمل إلى دولة قطر دامت 3 أيام رفقة وفد وزاري رفيع المستوى، التقى خلالها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ورئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية القطري ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. زيارة رئيس الحكومة لدولة قطر كانت ناجحة ومثمرة بكل المقاييس في مناخ اقتصادي واجتماعي صعب تمر به تونس.. وتمحورت نتائجها حول الدفع بمستوى العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى آفاق أرحب وبما يخدم مصلحة الشعبين الشقيقين.. ترسانة هامة من الاتفاقات عاد بها المشيشي من الدوحة على رأسها مضاعفة الاستثمارات القطرية المباشرة، تم الاتفاق عليها خلال اللقاءات التي تمت مع ممثلي عدد من كبرى المؤسسات القطرية المالية والاستثمارية والبنكية وجهاز قطر للاستثمار. كما التقى المشيشي والوفد المرافق له بالرئيس التنفيذي لجهاز قطر للاستثمار منصور بن إبراهيم آل محمود، والرئيس التنفيذي لمجموعة البنك الوطني القطري QNB عبد الله مبارك آل خليفة والنائب العام لدولة قطر علي بن فطيس المري..  وتم الاتفاق على تنظيم منتدى اقتصادي قطري تونسي برعاية قطرية، يجمع عددا من الأشقاء والأصدقاء والشركاء الاقتصاديين والماليين لدعم تونس وتمكينها من تجاوز الصعوبات الاقتصادية الراهنة. وينتظر أن يوفر المنتدى استثمارات بنحو 25 مليار دولار على مدى خمس سنوات.  وستشرع قطر في الاستثمار في العديد من المجالات وعلى رأسها مجال الطاقة المتجددة والقطاعات المالية والبنكية والتعليم العالي..  ولا تقل زيارة قطر أهمية ونجاحا عن زيارة الوفد الحكومي التونسي إلى ليبيا الشقيقة التي عاد منها محملا بترسانة من الاتفاقات والتعهدات المثمرة بين البلدين.. ومنها وديعة مالية بقيمة مليار يورو سيتم إيداعها بالبنك المركزي التونسي مما سيعزز احتياطات تونس من العملة الصعبة في هذه الظروف القاسية، واتفاق بين وزير الصناعة والمعادن الليبي أحمد أبو عيسى والوكالة العقارية الصناعية التونسية على تولي الوكالة إنجاز مناطق صناعية كبرى في ليبيا، وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات في مجالات النقل البري والبحري والجوي، والاتفاق على تسوية وضعية العاملين التونسيين في ليبيا، ورفع القيود على البضائع التونسية القادمة إلى التراب الليبي برا، والاتفاق على تسهيل الإجراءات اللازمة لانسياب الحركة في البوابات الحدودية بين الجانبين.. هذا فضلا عن توقيع أكثر من 12 اتفاقية شراكة تجارية تم عقدها نهاية الأسبوع الماضي بين رجال أعمال تونسيين ورجال أعمل ليبيين خلال أشغال الملتقى التونسي – الليبي لرجال الأعمال بجزيرة جربة..

للأسف، ورغم هذه الحصيلة الهامة فإن زيارات رئيس الحكومة رافقتها في الداخل التونسي حملة من التشكيك الهائلة في نتائج ومخرجات هذه الزيارات. هذا التشكيك لا يعكس الأجندات الهدامة التي تقود بعض القوى والجهات في بلادنا، بل تعكس أيضا رعبها من أي إمكانية لنجاح الحكومة ومن ورائها البلاد في تخطي المرحلة الاقتصادية والمالية الصعبة التي تمر بها. الحملة التي قادتها جملة من المنابر ووسائل الإعلام في بلادنا، والتي تطالب بنتائج فورية لزيارة المشيشي إلى كل من ليبيا وقطر، لم يكن الهدف منها معرفة حصيلة الزيارتين، وهي حصيلة معلومة كما أسلفنا، وإنما الهدف منها إرسال رسالة إلى التونسيين بأن حصيلة هذه الزيارات صفر، وأن الأوضاع لن تتغير. وهذا هو الهدف الحقيقي، وهو قتل أي إمكانية لزرع شيء من الأمل في قلوب التونسيين بأن الأوضاع ستتحسن وأن الخروج من عنق الزجاجة ممكن وأن تونس ستتجاوز رغم كل الصعوبات وكل المعوقات الوضع الحرج الذي تمر به. الهدف من حملة التشكيك في الأخير هو الإبقاء على حالة الإحباط التي يعيشها التونسيون، واليأس من إمكانية تحسن أوضاعهم، وهو الأمر الذي اشتغلت عليه لوبيات ومراكز قوى لسنوات طويلة وأنفقت في سبيله أموالا طائلة، لذلك فهي تعمل على قتل أي أمل ينبجس في بلادنا، في المهد، لأن صناعة الأمل وبث روح التفاؤل هي المضاد الحيوي لكل مؤامراتهم وتخريبهم.. تخريب الاقتصاد، وتخريب الوعي، وقتل الأمل، وهدم كل إمكانيات ومقدرات هذا الوطن، تلك هي الأجندات التي اشتغلت عليها قوى في داخل بلادنا متواطئة -في خيانة موصوفة- مع قوى إقليمية ودولية، كان ولا يزال همّها إفشال كل محاولات للتحرّر من الهيمنة وكل إمكانية للدخول في روح العصر وإنهاء ما يسمى بالاستثناء الديمقراطي الذي فُرض على منطقتنا. معركة لخصتها النائب الأول لرئيس مجلس نواب الشعب السيدة سميرة الشواشي عندما توجهت إلى إحدى النائبات بقولها “إنت هدّ .. وأنا نبني”.. وتلك هي المعركة في بلادنا منذ 2011 إلى الآن، معركة بين “الهدم” والتدمير الممنهج لكل مقدرات هذا الوطن من فوسفاط ونفط وغيرها وبين من يسعى إلى البناء..

والمعركة الأخيرة التي تفجرت حول نتائج زيارات رئيس الحكومة وما يمكن أن يتحقق لبلادنا من مكاسب بمفاعيل هذه الزيارات هي جزء من المعركة بين رؤوس الهدم ودعاة البناء.. وفي مخاتلة عجيبة غريبة، يرفع دعاة الهدم شعار البناء، وهم يعرقلون كل إمكانات النهوض والتطور في بلادنا، وفي المقابل وفي محاولة مفضوحة للتلبيس على التونسيين يشيطنون كل محاولات البناء ويقلبون الحقائق ويروجون الأكاذيب حولها.. هكذا تتحول محاولات جلب الاستثمارات إلى بلادنا إلى بيع للوطن، والدخول في شراكة اقتصادية مع بعض الجوار العربي إلى استعمار، يعني ليبيا تريد أن تستعمرنا، بعد أن حاولوا أن يلفقوا نفس التهم إلى تركيا وقطر، ويصبح الاتفاق مع صندوق النقد الدولي ارتهانا للأجيال القادمة وبيعا لمستقبل البلاد ورضوخا لاشتراطات وإملاءات القوى الاستعمارية الكبرى. رغم أن هؤلاء الذين يرددون مثل هذه الأراجيف، هم من استدانوا وهم من ذهبوا إلى صندوق النقد الدولي وهم الذين قبلوا الهبات والقروض والودائع من ليبيا وقطر في حكومات سابقة ومنها حكومة يوسف الشاهد ومن بعده حكومة إلياس الفخفاخ. صحيح أن أوضاعنا الاقتصادية والمالية صعبة وأن المديونية بلغت درجات كبيرة، ولكن ما الذي فعله الكثيرون لمواجهة ذلك لا شيء غير الإمعان في تعطيل كل دواليب الاقتصاد واستثمار ذلك لبث اليأس والإحباط..

هؤلاء الذين يصرّون على احتكارهم الدبلوماسية التونسية، ماذا فعلوا للحدّ من المديونية ولجلب الاستثمارات وتحقيق التوازنات المالية الصعبة؟ هؤلاء الذين يتساءلون عن نتائج زيارة المشيشي إلى ليبيا وقطر، لماذا لم يتساءلوا عن نتائج زيارات رئيس الجمهورية إلى فرنسا وليبيا، وغيرها؟ ما يجهله أو ربما يتجاهله هؤلاء أن اللّعبة مكشوفة، والتونسي يعلم جيدا أجندات كل الأطراف، ويدرك أن بعضا من النخب السياسية، التي فشلت في الانقلاب عبر تجييش الشارع، كانت تنتظر وتتمنى أن تعلن بلادنا إفلاسها، سواء من خلال عجزها عن دفع أجور الموظفين أو عجزها عن سداد أقساط ديونها المستحقة لهذه الفترة، كي تطيح بمنظومة الحكم ومن ورائها بالانتقال الديمقراطي.. هؤلاء لما رأوا أن زيارات رئيس الحكومة وما سبقها من زيارات وتحركات دبلوماسية لرئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي، فتحت فعليا لبلادنا إمكانات هائلة للخروج من الأزمة، ورأوا أن أملا جديدا بدا يُعمّر قلوب التونسيين انبروا إلى التشكيك وإثارة التساؤلات حول مخرجات الزيارات الأخيرة لرئيس الحكومة، ثم حاولوا أن يغرقوا البلاد في سجالات عن الدبلوماسية التونسية ومن يديرها وكيف، ومن هنا طرحت التساؤلات المغرضة عن الدور الذي لعبه رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي في التمهيد لزيارات رئيس الحكومة.. كما طرحت العديد من التساؤلات عن تنسيق رئيس الحكومة مع رئيس الجمهورية في الزيارات الأخيرة.. وينسى هؤلاء المشككون والمغرضون مبدأ مهما في الطبيعة وهو ينطبق تماما على علم العمران البشري وهو أن الطبيعة تأبى الفراغ، وإذا قرّر أي طرف أن يُخل بواجباته الدبلوماسية تجاه الوطن فلا بد أن تنبري أطراف أخرى للقيام بالواجب وملء الفراغ.. الأمر الثاني الذي وجب على هؤلاء أن يدركوه أن تونس لا ولن تنكسر، وأنها ستنجح وستخرج من الأوضاع الصعبة التي تعيشها، ولن يكون لهم شرف المساهمة في هذا النجاح.. وكان أولى بهم أن ينافسوا على أعمار البلد لا تخريبه، ولكن….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق