راي رئيسي

ماذا بعد 25 جويلية ..
عودة العقل أم الهروب إلى الأمام ومزيد تعقيد الوضع؟

مرّ شهر ونصف منذ إقرار الرئيس عن إجراءاته الاستثنائية يوم 25 جويلية الماضي، التي أقال خلالها حكومة المشيشي وجمّد اختصاصات البرلمان، وجمع كل السلط في شخصه.. مرّ شهر ونصف ونحن من دون حكومة ولا برلمان.. مرّ شهر ونصف وتونس بلا رؤية اقتصادية أو سياسية أو أفق واضح لما بعد 25 جويلية غير وقف مؤسسات الدولة الشرعية وشبه العطالة في الإدارة التونسية.. إجراءات قيل أنها اتخذت لمجابهة خطر داهم، أدّى إليه وضع سياسي واجتماعي واقتصادي متأزم يهدد بانهيار الدولة ووقف اشتغال سيرها الطبيعي.. والمفروض أن هذه الإجراءات ستكون فيها رؤية واضحة للخروج من هذه الأزمة بأقصى السرعة التي يقتضيها الخطر الداهم..

ولكن ماذا لدينا بعد شهر ونصف؟ ما الذي تحقق؟

ما تحقق بعد هذه المدة هو وضع اقتصادي ومالي بلغ أسوأ حالاته، وقد بلغنا مرحلة قمة الخطر.. فمن الناحية الاقتصادية كل المؤشرات سلبية وتؤكد خطورة الظرف..

من الناحية الاجتماعية نسبة البطالة فاقت 17،9 %، نسبة فقر مرتفعة تجاوزت 20 % حسب الدوائر الرسمية، وضع مخيف على مستوى المالية العمومية، فخلال سنة 2021 وقع إعداد قانون مالية يقوم على فرضيات لم تعد صالحة، مثلا سعر البرميل الذي وقع اعتماده في قانون المالية كان تقريبا 45 دولار الآن قارب 70 دولار وغيرها من الفرضيات.. وعندما نطلع على تقرير تنفيذ الميزانية لسنة 2021 نجده يقول أنه خلال الأربع أشهر القادمة لسنة 2021 (سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر 2021) نفقات الدولة ستكون تقريبا في حدود 19 مليار دينار بما في ذلك خدمة دين داخلي بـ 5 مليار دينار وخدمة دين خارجي بـ2 مليار دينار وستكون الموارد الذاتية للدولة أكثر بقليل من 9 مليار دينار.. يعني هناك عجز خلال الأربع أشهر القادمة في حدود 10 مليار دينار، مع التذكير أن العجز المتوقع لكامل سنة 2021 لن يكون أقل من 23 مليار دينار، إذا السؤال المطروح هو ماذا ننتظر لإعداد قانون المالية التكميلي؟ والسؤال الأهم كيف سيقع تمويل هذا العجز؟

وقد كان من المفروض أن ملامح قانون مالية 2022 بدأت تتوضح على الأقل وتوضحت معها كيفية تمويل العجز لسنة 2022 الذي سيكون مرتفعا لأن الوضعية لم تتحسن..

عادة هناك آليتين لتمويل العجز، الآلية الأولى بالتداين الداخلي والآلية الثانية بالتداين الخارجي، بالنسبة للتداين الداخلي، وحسب ما أكده خبراء في الاقتصاد والمالية، فقد بدأنا نستنفذ قدراتنا على المستوى الداخلي فالتداين الداخلي المبرمج لهذه السنة، كان في حدود 2 مليار دولار وقد بدأنا نستنفذ إمكانية اللّجوء إليه خاصة وأن المحفظة المالية للبنوك التونسية التي تعتبر الممول الأول على المستوى الداخلي لميزانية الدولة نجد أنه أكثر من 20 في المائة منها هي متكونة من رقاع الخزينة التي تصدرها الدولة لتمويل العجز وهذا الرقم فيه خطورة على الصلابة المالية للبنوك وعلى قواعد التصرف الحذر التي تعتمدها المؤسسات المالية العالمية.. وفيه تأثير سلبي على تمويل الاستثمار..

أما اللّجوء إلى البنك المركزي لتمويل الخزينة عن طريق التسبيقات فهو غير واضح في تونس لأن قانون 2016 يمنع ذلك، وتغييره يتطلب قوانين لمراجعة قانون استقلاليته، بما يمكنه من تمويل خزينة الدولة في حدود يضبطها القانون مثلما هو الحال في المغرب ومصر.. المهم أننا اليوم لا يمكننا الاعتماد على البنك المركزي بدرجة كبرى لتمويل الخزينة وللقيام بتسبيقات مالية للخزينة..

أما في خصوص التداين الخارجي، فغالبية خبراء الاقتصاد أجمعوا على أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي متوقفة إلى أن يأتي ما يخالف ذلك، وتوقف المفاوضات يعني أن فرص اللجوء للمؤسسات المالية العالمية وحتى للسوق المالية العالمية تتضاءل تدريجيا يوما بعد يوم.. وللتذكير فإنه في سنة 2021 وقعت برمجة تداين خارجي في حدود 4.5 مليار دولار (13 مليار دينار) وهذا لم يتحقق في البداية بسبب التراجع الكبير لترقيمنا السيادي، أي أنه حتى وإن تم خروجنا للسوق المالية العالمية فسيكون بكلفة عالية جدا نظرا لارتفاع المخاطر على الوجهة التونسية وعلى التهديدات المتواصلة بعدم قدرتنا على سداد ديوننا خاصة الخارجية، وثانيا بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه تونس والذي تعمق اليوم بسبب غياب حكومة تتفاوض مع الصناديق المانحة وتعطيها تطمينات، إلى جانب غياب مؤسسة تشريعية للمصادقة على القروض ومشارع القوانين..

وفضلا عن كل ذلك فقد سجلت خدمة الدين ارتفاعا مشطا بالتوازي مع ضعف إمكانية اللجوء للتداين الخارجي ووصول التداين الداخلي إلى مستويات مخيفة وضعف قدرة الاقتصاد على خلق النمو ودعم القطاعات المصدر وهو ما يعني ضعف مواردنا من العملة الصعبة وضعف مواردنا الجبائية..

كل هذا يزيده تأزيما الارتفاع المشط والمفاجئ في الأسعار عما كانت عليه قبل 25 جويلية، فقد شهد شهر أوت 2021 ارتفاعا هائلا في أسعار الدواجن بنسبة 21 %، وأسعار الخضر الطازجة بنسبة 21.3 %، وأسعار الزيوت الغذائية بنسبة 17,5% ‏، وخاصة زيت الزيتون بنسبة 19.2 %، إلى جانب ارتفاع كبير في سعر البيض والفواكه الطازجة والخضر التي هي في موسمها.

وبعد مرور شهر ونصف على إجراءات الرئيس الاستثنائية أيضا، لدينا على المستوى السياسي الذي كان قبل 25 جويلية سمته الأساسي التشتت والمناكفات التي أدّت إلى الانسداد، هو اليوم أكثر تمزقا وتعفنا، خاصة في ظل إصرار رئيس الجمهورية الضامن لوحدة التونسيين، على تقسيم التونسيين وتعميق الفرقة والتشتت بينهم وعزل نفسه وغلق بابه في وجه الجميع فلا إلى أحزاب يتحدث ولا إلى منظمات ولا إلى مجتمع مدني، وحالة التوتر والاحتقان التي كانت تميز المشهد السياسي قبل 25 جويلية زادها رئيس الجمهورية احتقانا..

وما نراه اليوم هو الارهاصات الأولى لانفراط عقد مؤسسات الدولة الحديثة، التي يصبح النظام السياسي فيها لا يقوم على المؤسسات الثلاث المتعارف عليها وهي السلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة التشريعية، وأصبحت حالتها تعكس التداخل والتنازع والتفتت فيما بين هذه السلطات، الأمر الذي من شأنه أن يقضي حتما على مفهوم السيادة في الدولة.. ومن شأنه أن يجرّ البلاد إلى هوة سحيقة تنتفي معها انتماءات هذا الوطن لعصر المؤسسات والدول، والتي عملية إصلاحها وتقويم ما فسد وانحرف منها لا يكون بإلغائها وإسقاطها وإنهائها وانهيار المؤسسات..

كيان الدولة اليوم وبما نراه من تعسف على مؤسساتها، ومن فوضى ومن شعبوية مدمّرة ومن إطلاق يد للغوغائية لتحل محلّ أجهزة الدولة في خطر كبير، وإن لم يبادر أهل العقل والحكمة بالحفاظ على هذه الكيانات، فإن أصحاب المصالح الدولية من كبار الدول سيلجؤون إلى فرض أوضاع تحفظ لهم مصالحهم وأطماعهم في بلدنا دون التفات لمصالح الغالبية العظمى من أهلها الذين عانوا كثيرا ومازالوا يعانون..

إذا ماذا بعد كل هذا؟ إلى أين نحن ماضون بمزيد تعفين الأوضاع وتأزيمها، أوضاع بلغت حافة الهاوية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ووبائيا؟ إلى متى الإصرار على الضبابية والغموض الذي لا يوحي بأي أفق؟ إلى متى ستتواصل هذه العزلة وسنظل نغلق جميع منافذ وأبواب الحوار والتواصل فيما بيننا؟ إلى متى تتواصل هذه الفرقة والقطيعة بين أبناء الشعب الواحد؟ هل علينا أن نصطدم بالحائط حتى نستفيق إلى أن أممانا هوة سحيقة قد يسقط فيها الجميع وتتهاوى معها أحلامنا جميعا؟ إلى متى سنستمر دون حكومة ناجزة ودون سلطة تشريعية، ودون رؤية ولا برنامج انقاذ واضح تلتقي حوله الأغلبية؟ إلى متى سنظل نشيح بأبصارنا ونصم آذاننا عن حقيقة وضعنا المالي الخطير الذي لم يعد يحتمل لا إنكار اولا مكابرة ولا مماطلة ولا تسويفا؟

بعد هذه المدة أعتقد جازمة أنه لم يعد هناك الكثير من الخيارات أمامنا أو الكثير من السناريوهات الممكنة، فإما العودة إلى العقل أو الهروب إلى الأمام ومزيد تعقيد الوضع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق