أهم الأحداثتقاريرثقافة

ماذا تريد الوزيرة هويمل لتونس.. بالانضمام إلى اتفاقية اسطنبول ؟

تابع بعض التونسيين بقليل من الانتباه الانباء التي تتحدث عن جلسة العمل  جمعت وزيرة المرأة والأسرة وكبار السن إيمان الزهواني هويمل، يوم الثلاثاء، برئيس مكتب مجلس أوروبا بتونس تيم كارترايت، للتباحث في إجراءات انضمام تونس لاتفاقية منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي (اتفاقية اسطنبول)، وفق بلاغ صادر عن الوزارة.
وتمت إحالة إجراءات انضمام تونس لهذه الاتفاقية على أنظار مجلس النواب، وبرمجة أول جلسة استماع عقدتها لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية، أمس الاثنين، مع ممثلات عن الوزارة.
ووقع الاتفاق، خلال جلسة العمل، على متابعة الإجراءات الفنية لتنفيذ محاور البرامج المشتركة المتعلقة بتبادل الخبرات، وتعزيز قدرات المتدخلين في مجال مناهضة العنف، ودعم التنسيقيات الجهوية لمقاومة العنف ضد المرأة، إلى جانب تنفيذ تعهدات تونس باتفاقية مجلس أوروبا بشأن حماية الأطفال من الاستغلال والاعتداء الجنسي (لانزاروت)، والتسريع في الانضمام لاتفاقية اسطنبول.
كما تم التأكيد على تكثيف العمل المشترك خلال هذه المرحلة، على تنفيذ بنود اتفاقية  لانزاروت ، التي انضمت إليها الجمهورية التونسية بتاريخ 15 أكتوبر 2019، ودخلت حيز التنفيذ منذ غرة فيفري 2020، لتكون بذلك الدولة رقم 45 وأول دولة من خارج دول مجلس أوروبا تنضم إلى هذه الاتفاقية.
يشار إلى أنه حضر جلسة العمل عدد من إطارات الوزارة، بمشاركة عن بعد لممثلي مجلس أوروبا بستراسبورغ.

إلى حد ما سلف الامور على أحسن ما يرام ، ومن لا يرفض العنف ضد المرأة و الأطفال ؟ ولكن في الأمر مغالطات كبرى فهذه الاتفاقية لا تقف عند ما تم ذكره وهو ما يجب على مجلس نواب الشعب الانتباه له 

خطر يهدد الاسرة 

اتفاقية إسطنبول، هي اتفاقية أصدرها المجلس الأوروبي، وحملت عنوان: «اتفاقية مجلس أوروبا للوقاية من العنف ضد النساء، والعنف المنزلي ومكافحتهما»، وقد تمّ عقد مؤتمر إطلاقها في إسطنبول بتركيا، بتاريخ 11 مايو عام 2011م؛ لهذا اشتهرت باسم اتفاقية إسطنبول.

وهي اتفاقية دوليّة وقّعت عليها 45 دولة أعضاء في المجلس الأوروبي[2]، فضلاً عن توقيع الاتحاد الأوروبي أيضًا كمنظمة دولية، ودخلت حيّز التنفيذ في 1 أغسطس 2014م. وكانت تركيا من أوائل الدول التي وقعت عليها في 11 مايو/ أيار 2011م. وفي 12 مارس/آذار 2012م، أصبحت تركيا أول دولة تصدق على الاتفاقية.[3]

وبعد عدة سنوات من الانضمام للاتفاقية، بدأت بعض الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي بالانسحاب منها، لما سببته من آثار سلبية خطيرة على الأسرة والمجتمع. فقد انسحبت بولندا في يوليو/ تموز 2020م، بعد أن انضمت إليها في عام 2015م، حيث أعلن وزير العدل البولندي زبيغنيو زيوبرو أن تلك الاتفاقية قد انتهكت حقوق الوالدين وأنها تحتوي على عناصر ذات طبيعة أيديولوجية، ولها أضرار على الأطفال، حيث تفرض عليهم تعلم النوع الاجتماعي.[4]

ثم أعلنت تركيا الانسحاب منها، في مارس 2021م (وذلك وفقًا للمادة (80) من الاتفاقية، التي نصت على أنه “يمكن لأي طرف، وفي أي وقت كان، الانسحاب من هذه الاتفاقية بإشعار موجه إلى الأمين العام للمجلس الأوروبي”)

وليست فقط بولندا و تركيا من لديهما هواجس كبيرة بشأن الاتفاقية، فهناك عدد من الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي، رفض بعضها التوقيع على الاتفاقية مثل آذربيجان، والبعض الآخر وقع ولكن لم يصدق عليها[5]، مثل: آرمينيا، وبلغاريا، والمجر، والتشيك، ولاتفيا، وليتوانيا، ومولودوفا، وروسيا، وسلوفاكيا، وأوكرانيا، وبريطانيا.[6]

ما هي التهديدات التي تحملها «اتفاقية إسطنبول» للأسرة؟

تتكون اتفاقية إسطنبول من 81 مادة، مقسمة إلى 12 فصلاً.

وتعتبر اللغة الفرنسيّة والانجليزيّة هي اللغة المعتمدة رسميًا لتلك الاتفاقية من قبل المجلس الأوروبي.

وتحتوي الاتفاقية على كثير من البنود التي تشكل خطرًا حقيقيًا على الأسرة وعلى الأخلاق الأساسية في المجتمعات الإنسانية، من أهمها ما يأتي:

أولاً: المطاطية والاتساع الشديدين في تعريف «العنف ضد المرأة» و«العنف الأسري» في المادة (3):

  • عرفت المادة (3/أ) «العنف ضد المرأة» بأنه: “انتهاك لحقوق الإنسان، وشكل من أشكال التمييز ضد المرأة، وأنه يعني كافة أعمال العنف القائمة على الجندر «gender-based violence» التي ينتج، أو قد ينتج عنها ضرر أو معاناة بدنية، أو جنسية، أو نفسية، أو اقتصادية، بما فيها التهديد بهذه الأعمال، أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.[7]
  • كما عرفت المادة (3/ب) «العنف الأسري» بأنه: “يعني جميع أعمال العنف الجسدي أو الجنسي أو النفسي أو الاقتصادي التي تحدث داخل الأسرة أو الوحدة المنزلية أو بين الأزواج أو الشركاء السابقين أو الحاليين، سواء كان الجاني -أو لم يكن- يشارك الضحية، أو شاركها سابقًا في نفس مكان الإقامة”.[8]

ويكمن الخطر هنا في أن تعريف «العنف ضد المرأة» و«العنف الأسري» تعريفًا واسعًا جداً، حيث أنه يمكن أن تدخل تحت هذا التعريف قائمة طويلة من صور السلوك التي يُتصور أن يمارسها الزوج في علاقته مع زوجته، والأب في علاقته مع أبنائه، من منطلق مسؤوليته في القوامة على الأسرة والولاية على الأبناء، وواجبه في الحفاظ عليهم، وبموجب هذا النص يمكن أن يُسأل الزوج أو الأب ويعاقب على جريمة «عنف أسري» إذا ما منع زوجته أو أبناءه من القيام بكل ما يتماشى مع رغباتهم وأهوائهم، وإن خالف القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية أو شكَّل ضررًا على الأسرة، كما أن أي إجراء تربوي أو تأديبي يتخذه الأب مع أبنائه يمكن أن يعتبر جريمة ضدهم.

ولما كان الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة بين الأزواج وبين الآباء والأبناء وسائر أفراد الأسرة هو المودة والرحمة، فإن ذلك يتطلب أن يتم السعي لرأب الصدع والإصلاح في حال وجود أي خلافات أسرية، وليس فتح الباب على مصراعيه لخيار اللجوء إلى القضاء في مواجهة أبسط هذه الخلافات، وهو أمر يوسع رقعة الخلاف، كما أنه يفتح الباب للدعاوى الكيدية بين الأزواج وغيرهم من أفراد الأسرة.

وهذا التعريف الفضفاض والمبهم «للعنف الأسري» يفتح الباب أمام التأويل وأمام اجتهاد القضاء، وهو ما يسمح لقاضي الغدّ بأن يغيّر أحكام الأحوال الشخصيّة بدون أن يتغيّر النصّ القانونيّ.

أما «العنف القائم على الجندر ضد النساء»، فقد عرفته المادة (3-د) كما يلي: “يقصد بتعبير «العنف القائم على الجندر ضد المرأة» العنف الموجه ضد المرأة لأنها امرأة أو الذي يؤثر على المرأة بشكل غير متناسب”[9].

وبناء عليه يتم توظيف مصطلح «العنف المبني على الجندر ضد النساء» في المجالات التالية:

  • إعطاء الزوجة سلطة شكاية الزوج بتهمة استحدثتها الاتفاقيات الدولية، ألا وهي “الاغتصاب الزوجي”، أو “التحرش الجنسي”؛ لتتم معاقبة الزوج وفقًا لتلك الشكوى. (وهذا ما ورد في المواد 36، 40، 43، 46).
  • كل من يعامل المرأة الشاذة جنسيًا بشكل مختلف عن المرأة السويّة، يكون قد ارتكب «عنفاً مبنياً على الجندر ضد النساء»، باعتبار أن «الجندر» يشمل الشواذ جنسيًا.

ثانيًا: إعطاء الشواذ جنسيًا كافة الحقوق ومساواتهم بالأسوياء:

 عرفت المادة (3/ج) مصطلح «الجندر Gender» بأنه: “يعني أن الأدوار roles، والسلوكيات behaviours، والأنشطة activities والخصائص والسماتattributes  هي مؤسَّسة اجتماعيًا socially constructed ، والتي يعتبرها مجتمع معيّن مناسبة للنساء والرجال”.[10]

ويعني هذا التعريف: أن سمات الإنسان وخصائصه ليست ثابتة، وليست مبنية على الفطرة التي خلقه الله عليها، بل هي متغيرة؛ لأنها –وفق التعريف- يؤسسها المجتمع ويتحكم فيها، وأن الأدوار والأنشطة التي يقوم بها الإنسان، والتي تشمل الأدوار داخل الأسرة «مثل الأمومة، والأبوة ومسؤوليات كل منهما»، وكذلك طبيعة العلاقات بين البشر «الذكر والأنثى، أو بين الذكر والذكر، أو بين الأنثى والأنثى» لا تحكمها الفطرة ومبادئ الدين، وإنما تحكمها التنشئة المجتمعية، التي يقبلها المجتمع، ويراها مناسبة للرجال والنساء.

ثم أكدت الاتفاقية على ضرورة إدماج «منظور الجندر» في كافة سياسات الدولة؛ لضمان تطبيقه تطبيقًا كاملاً، حيث نصت المادة (6) على ما يلي: “تتعهد الدول الأطراف بإدراج المنظور الجندري في تنفيذ وتقييم أثر أحكام هذه الاتفاقية، وتعزيز وتنفيذ سياسات المساواة بين المرأة والرجل واستقواء المرأة على نحو فعال”.

كما نصت المادة (4-3) على ما يلي: “حماية حقوق الضحايا، دون أي تمييز، خاصة التمييز القائم على الجنس sex أو النوع gender أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو غيرها من الآراء، أو الأصول القومية أو الاجتماعية، أو الانتماء إلى أقلية قومية، أو الثروة أو الميلاد أو الميول الجنسية sexual orientation أو الهوية الجندرية gender identity ، أو العمر أو الحالة الصحية أو الإعاقة أو الوضع العائلي أو وضع المهاجر أو اللاجئ، أو أي وضع آخر”.[11]

تعطي هذه المادة كل الحقوق للشواذ جنسيًا، وذلك من خلال استخدام مصطلحات: «الجندر Gender» و «الميول الجنسيةsexual orientation » و «الهوية الجندرية gender identity». فعبارة «الحماية من التمييز القائم على الميول الجنسيةsexual orientation » تعني إعطاء الشخص حرية أن يختار نوع الشريك الذي يقيم معه العلاقة الجنسية، وعبارة «الحماية من التمييز القائم على الهوية الجندرية gender identity»، تعني إعطاء الشخص حرية اختيار نوعه، والهوية التي يرغب أن يظهر بها أمام الناس. ومن ثم يصبح الشذوذ الجنسي -وفقًا لتلك المادة- حقًا من حقوق الإنسان، يحميه القانون، بل ويعاقب من يعامِل الشواذ جنسيًا معاملة مختلفة عن غيرهم.

كما تضمنت المادة (60) المعنونة بــ«طلبات اللجوء المبنية على أساس الجندر» إعطاء المرأة الشاذة الحق في الحصول على اللجوء السياسي، من خلال اعتبار «العنف القائم على الجندر ضد النساء» من الأسباب المجيزة للحصول على هذا اللجوء.

ثالثًا: المساواة التطابقية بين الرجل والمرأة، واعتبار كافة الفوارق بينهما «تمييزًا» يجب محاربته:

تتجاوز الاتفاقية كافة الفوارق التي أسستها الفطرة التي خلق الله الناس عليها، والتي توزعت بناء عليها الأدوار بين الرجل والمرأة داخل الأسرة والمجتمع. فالزوج له القوامة داخل الأسرة، والتي تفرض عليه تحمل مسؤولية الإنفاق، والولاية، والتأديب، وقيادة الأسرة وما يترتب عليها من أحكام. والزوجة عليها أن تطيع زوجها ما لم يأمرها بمعصية، وترعى أطفالها وتربيهم على القيم والأخلاق الأصيلة، وهي ليست مكلفة بالعمل والإنفاق على نفسها أو أولادها مثل الرجل.

أما الاتفاقية، فقد اعتبرت تلك الفوارق جميعًا «تمييزًا ضد المرأة» يجب محاربته، وتدخلت في المنظومة التشريعية، حيث نصت المادة (4-2) على ما يلي: “إلغاء كافة القوانين والممارسات التمييزية ضد المرأة”.[12]

ولضمان تغيير فطرة المجتمعات وثقافتها المبنية على التوزيع الفطري للأدوار داخل الأسرة، فرضت الاتفاقية على الدول الأطراف مجموعة من «الالتزامات العامة» التي تجبرها على الإسراع في التغيير، حيث نصت المادة (12-1) على ما يلي: “تتخذ الأطراف التدابير الضرورية لتغيير أنماط السلوك الاجتماعية والثقافية عند النساء والرجال؛ من أجل استئصال الآراء المسبقة والعادات والتقاليد وكل ممارسة أخرى قائمة على فكرة دونية المرأة أو على دور نمطي للنساء والرجال”.[13]

وهنا يأتي دور اللعب بالمصطلحات، وقلب معانيها، حيث يتم وصف قوامة الرجل وطاعة الزوجة له بـ«دونية المرأة»، ووصف الأدوار الفطرية لكل من الرجل والمرأة بـ «الأدوار النمطية للنساء والرجال»، وذلك حتى يسهل تقبل فكرة إلغاء ريادة الرجل للأسرة، واختصاص المرأة بدور الأمومة، وتوحيد الأدوار بين الرجل والمرأة، لدى الشعوب المختلفة.

ومن المعلوم بأن عددًا لابأس به من الدول الأعضاء في المجلس الأوروبي هي دول يحكمها الدين، سواء كان الدين الإسلامي أو الدين المسيحي، وكلاهما يوكل مهمة قيادة الأسرة إلى الرجل، ورغم ذلك تتحدى الاتفاقية كل الأديان والتقاليد بكل وضوح، حيث نصت المادة (12- 5) على: “عدم اعتبار الثقافة أو العادات أو الدين أو التقاليد أو الشرف مبررًا لأعمال العنف المشمولة بنطاق تطبيق هذه الاتفاقية”[14]. مع الأخذ في الاعتبار الاتساع الشديد لمفهوم العنف في الاتفاقية كما أوضحنا آنفًا.

رابعًا: تغيير مناهج التعليم لبث «منظور الجندر» في عقول الأطفال منذ الصغر:

ولضمان تغلغل الفكر الذي تطرحه الاتفاقية في عقول الأطفال منذ الصغر، نصت المادة (14-1) على اتخاذ الحكومات “الخطوات الضرورية لإدراج مواد تعليمية في البرامج الدراسية الرسمية وعلى كافة مستويات التعليم”، وأن تتناول “موضوعات كالمساواة بين المرأة والرجل، والأدوار الجندرية غير النمطية للرجال والنساء non-stereotyped gender roles … والعنف القائم على الجندر ضد النساء gender-based violence against women .. “[15].

أي أن يدمج داخل المناهج التعليمية موضوع التساوي التام بين الرجل والمرأة، وإلغاء أي فوارق بينهما، مع التركيز على أن الأدوار داخل الأسرة يجب أن تكون واحدة، أي أن يتقاسما معًا كل الأدوار «الإنفاق، الرعاية، الأمومة، …إلخ». كما يتم إدماج موضوع الشذوذ الجنسي في المدارس، وتربيتهم على تقبل الشواذ جنسيًا، ومعاملتهم بشكل متساو مع الأسوياء، وأن اختيار الجنس هو حق من حقوق الإنسان.

خامسًا: الحيلولة دون تسوية النزاعات، والإصرار على توقيع العقوبات:

نصت المادة (43) على ما يلي: “حظر إلزامية الإجراءات البديلة لتسوية النزاعات، بما فيها الوساطة والتوفيق، فيما يتعلق بكافة أشكال العنف المشمولة بنطاق تطبيق هذه الاتفاقية”.

وبناء على تلك المادة، فإن الزوجة إذا اتهمت زوجها بممارسة العنف “البدني أو النفسي أو الاقتصادي أو التهديد بأي منها”، وقامت بشكايته إلى الجهات المختصة، لا يجوز لها التراجع عن تلك الشكوى، وأصبح توقيع العقوبات على الزوج لازماً وفورياً وفقًا للمادة 50.  ثم يُمنع ذلك الزوج -وفقًا للمادة 52- من دخول المنزل لفترة من الوقت.

سادسًا: تحقيق “استقواء المرأة Women empowerment”:

أشار تمهيد الاتفاقية والمادة (1/ب) إلى أن «استقواء المرأة» هو الوسيلة لتطبيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة، والادعاء بأن تلك المساواة هي السبيل لحماية المرأة من العنف.

والهدف من «استقواء المرأة Women Empowerment» هو تحقيق «استقلال المرأة» عن الرجل والأسرة، وتحكمها التام في جسدها وخصوبتها؛ حيث نص الدليل الصادر عن الأمم المتحدة حول «استقواء النساء Women Empowerment» أنه يتحقق بخمسة أمور؛ من بينها: “الحق في الحصول على القوة للتحكم في حياتهن control their own lives، سواء في داخل المنزل أو خارجه”[16].

ويتم الربط بين المصطلحات الثلات المحورية التي ترتكز عليها اتفاقيات ومواثيق المرأة الدولية، ألا وهي: مصطلح «استقواء المرأة Women empowerment» ومصطلح «الجندر» ومصطلح «العنف ضد المرأة» في منظومة متكاملة للوصول إلى تحقيق “برامج الأمم المتحدة المتصلة بالسكان”، والتي تهدف إلى تحديد النسل في الدول “النامية”، ويظهر ذلك واضحًا في وثيقة السكان والتنمية (1994م) التي نصت على ما يلي: “إن تعزيز المساواة والإنصاف بين الجنسين Gender equality وتمكين المرأة[17] Women empowerment، والقضاء على العنف ضد المرأة بجميع أشكاله، وكفالة قدرة المرأة على السيطرة على خصوبتها، أمور تمثل حجر الزاوية في البرامج المتصلة بالسكان والتنمية”.[18]

سابعًا: التمويل:

فرضت الاتفاقية على الحكومات أن تقوم بتمويل كل البرامج والسياسات التي تترتب على تلك الاتفاقية، كما فرضت عليها تقديم كل الدعم بما فيه التمويل للجمعيات ومنظمات المجتمع المدني التي ستعمل على تطبيق الاتفاقية. حيث نصت المادة (8) على: “تخصص الأطراف موارد مالية وبشرية تتناسب مع التطبيق الملائم للسياسات المتكاملة والتدابير والبرامج الهادفة إلى الوقاية من كافة أشكال العنف المشمولة بنطاق تطبيق هذه الاتفاقية ومكافحتها، بما فيها السياسات والتدابير والبرامج الخاصة بالمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني”[19].

كما تدفع الاتفاقية الدول الأعضاء باتجاه ربط المساعدات التنموية التي يقدمونها للدول المحتاجة بدمج قضية «منع العنف ضد المرأة» و «العنف المنزلي» الواردة بالاتفاقية، فقد نص البند (4) من المادة (62) على مايلي: “تسعى الأطراف، كلما كان ذلك مناسبًا، إلى دمج منع العنف ضد المرأة والعنف المنزلي ومكافحتهما في برامج المساعدة على التنمية المقدمة لصالح دول أغيار”.[20]

ثامنًا: المتابعة والرصد:

وضع المجلس الأوروبي نظامًا محكمًا لمتابعة الدول الأطراف في تطبيقها للاتفاقية، تلخص في الخطوات الآتية:

  • نصت المادة (66) على تكليف “فريق خبراء لمكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي”، يطلق عليهGREVIO ، يتكون من 10 أعضاء على الأقل و15 عضوًا على الأكثر، يقوم برصد تنفيذ الدول الأطراف للاتفاقية، وهو ما يشكل ضغطًا متواصلاً من المجلس الأوروبي على الدول الأطراف للتطبيق الكامل للاتفاقية. ويشترط أن يتكون ذلك الفريق من أشخاص لهم خبرة مهنية في مجال «مساواة الجندر gender equality»، ويتمتع ذلك الفريق بحصانة خاصة نصت عليها الاتفاقية، حتى يتمكن من المتابعة والرصد.
  • ووفقًا للمادة (68)، تقوم الدول الأطراف برفع تقارير حول تطبيق الاتفاقية، يعرض على فريق الخبراء للنظر فيه وتقييمه. ويمكن أن يقوم بزيارة الدول الأطراف لاستكمال ما يشاء من المعلومات.
  • تشجع المادة (68-5) منظمات المجتمع المدني على رفع معلومات وتقارير للمجلس الأوروبي حول تطبيق الاتفاقية، وهو دور خطير جدا، يمثل اختراق من قبل المجلس الأوروبي لبنية المجتمعات، من خلال تلك المنظمات.
  • تؤكد المادة (68-12) على قيام «لجنة الأطراف» -بناءً على تقرير فريق الخبراء- بإصدار توصيات للدول الأطراف باتخاذ تدابير معينة، مع تحديد تواريخ لتنفيذ هذه التدابير؛ تسريعًا لتطبيق الاتفاقية.
  • تشجع المادة (70) البرلمانات على المشاركة في رصد التدابير المتخذة لتطبيق الاتفاقية.

مما سبق، يتضح النظام المحكم الذي وضعه المجلس الأوروبي لمتابعة الحكومات في تطبيقها للاتفاقية، ولعلنا نلمس أثر تلك الاتفاقية -وغيرها من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة والطفل- في تفكك الأسرة، وانهيار منظومة الأخلاق، وانتشار الشذوذ الجنسي، واستقواء الشواذ على مستوى العالم الغربي.

وبعد خمس سنوات من اعتماد الاتفاقية، تم فتح الباب ليتم دعوة دول غير أعضاء في المجلس الأوروبي للانضمام إليها.[21]

وعلى الرغم من انسحاب تركيا وبولندا من الاتفاقية، ورفض العديد من برلمانات الدول أعضاء المجلس الأوروبي التصديق عليها، إلا أن الحكومة التونسية طلبت من المجلس الأوروبي أن يوجه إليها الدعوة للانضمام إلى الاتفاقية، وباتت تونس تواجه فعلياً خطر الانضمام إلى تلك الاتفاقية.

ونوجه الدعوة إلى سائر الدول والحكومات، أن تستمد قوانينها الوطنية من دينها وقيمها، وأن تحترم إرادات شعوبها وتقاليدها، وتتخذ قرارها بالانسحاب من اتفاقيات دولية تسببت في تدمير الأسرة والقيم والأخلاق.  لعل من أخطرها اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو  CEDAW)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC)، التي أصدرتها هيئة الأمم المتحدة، ووقعت عليها معظم حكومات العالم، وتسببت في إحداث تغييرات خطيرة في المنظومة القيمية والأسرية على مستوى العالم كله.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومستشار المعهد العالمي للأسرة في اسطنبول، ومتخصصة في قضايا الأسرة والمواثيق الدولية.

[2] – المجلس الأوروبي هو منظمة دولية تأسست عام 1949، ويضم 47 دولة، وهو منظمة مختلفة عن الاتحاد الأوروبي المؤلف من 27 دولة.

[3]– COUNCIL OF EUROPE, Council of Europe Convention on preventing and combating violence against women and domestic violence, Details of Treaty No.210, https://www.coe.int/en/web/conventions/full-list/-/conventions/treaty/210

[4]– BBC عربي، اتفاقية إسطنبول: بولندا تنسحب من المعاهدة المناهضة للعنف ضد المرأة، https://www.bbc.com/arabic/world-53541190

[5]– التوقيع يتم في الأمم المتحدة، والتصديق يتم في البرلمانات الوطنية؛ لذا يمكن أن توقع دولة ولكن برلمانها لا يصدق على الاتفاقية.

[6]– Chart of signatures and ratifications of Treaty 210, Status as of 27/03/2021, https://www.coe.int/en/web/conventions/full-list/-/conventions/treaty/210/signatures?p_auth=OmwOpoJz

[7]– Council of Europe Convention on preventing and combating violence against women and domestic violence, https://rm.coe.int/CoERMPublicCommonSearchServices/DisplayDCTMContent?documentId=090000168008482e , Article (3 – a).

[8]– Ibid, Article (3 – b).

[9]– وقد نشر المجلس الأوروبي إيضاحًا لذلك المصطلح بأنه: “يرتبط أكثر بالجندر، وهناك الأشخاص المثليون ومزدوجو الميل الجنسي ومغايرو الهوية الجنسانية (LGBT +) يعانون أيضًا من العنف الذي يستند إلى توجههم الجنسي أو الهوية الجندرية؛ لهذا السبب ، يقع العنف ضد هؤلاء الأشخاص في نطاق العنف القائم على الجندر. (انظر: What is gender-based violence?، Council of Europe، https://www.coe.int/en/web/gender-matters/what-is-gender-based-violence )

[10]– Council of Europe Convention on preventing and combating violence against women and domestic violence, op. cit, Article (3– c).

[11]– Ibid, Article (4– 3).

[12]-Ibid, Article (4– 2).

[13]-Ibid, Article (12– 1).

[14]-Ibid, Article (12– 5).

[15]– Ibid, Article (14– 1).

[16]– UNITED NATIONS POPULATION INFORMATION NETWORK (POPIN( UN Population Division, Department of Economic and Social Affairs, with support from the UN Population Fund (UNFPA), Guidelines on Women’s Empowerment.

[17]– في المواثيق الدولية تتم ترجمة مصطلح «Women empowerment» إلى “تمكين المرأة”، وهي ترجمة خاطئة؛ لأن تمكين المرأة تعني Women enablement. أما Women empowerment فيعني «استقواء المرأة» والهدف منه تحقيق «استقلال المرأة» عن الرجل والأسرة، وتحكمها التام في جسدها وخصوبتها.

[18]-Report of the International Conference on Population and Development, Cairo, September 1994, Chapter II, Principle 4, http://www.un.org/popin/icpd/conference/offeng/poa.html .

[19]– Council of Europe Convention on preventing and combating violence against women and domestic violence, op. cit, Articles (8,9).

[20]-Ibid, Articles (62-4).

[21]– COUNCIL OF EUROPE, Council of Europe Convention on preventing and combating violence against women and domestic violence, Details of Treaty No.210, https://www.coe.int/en/web/conventions/full-list/-/conventions/treaty/210

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق