راي رئيسي

ماذا لو تم حقن السياسيين التونسيين بمصل الحقيقة؟

(1)

لا يرد يوم غرّة أفريل في أذهاننا دون أن يقترن بالحذر والتحذير من الوقوع في شرك حيلة أو كذبة تربكنا وتدخل الخوف إلى قلوبنا الوجلة بطبيعتها من الحاضر والمستقبل، من المعلوم والمجهول، وغرة أفريل مناسبة تقليدية تترافق دوما مع صوغ الخدع والإشاعات والأكاذيب والمقالب بغاية الضحك والسخرية والتهكم على الآخر، حتى أن بعضهم يطلق عليه يوم الحمقى.

ووفق بعض الأساطير، يعود الاحتفال بهذا اليوم إمبراطور اليونان قسطنطين الذي سمح لكوجيل المهرج الأشهر في زمانه بأن يصبح ملكا ليوم واحد أصدر خلاله مرسوما يدعو الشعب إلى إحياء كامل ذلك اليوم بالسخرية والتهكم.

والحقيقة أن الفكرة جذابة، خاصة حين يكون الجميع مستعدون للتجرّد من الوقار المزيف، ومن الفوارق الاجتماعية المصطنعة، ومن الجديّة المفرطة، ومن الحذر والحسابات الضيقة لينخرطوا في موجة من الضحك والسخرية من أنفسهم، ومن عقدهم وتابوهاتهم ومن فوارقهم و خوفهم. يتجرّدون ويضحكون ملء قلوبهم، ينزعون عنها رداء غليظا من الران الذي غمرها وأفسد عليها إحساسها بكل قيم المحبة والجمال والرومانسية ومكارم الأخلاق وحسن المعاملة.

لكن شيئا واحدا يكاد يعكر علينا تلك الفكرة الجذابة، ويتمثل في الحجم الأسطوري من الأكاذيب والجيل والمقالب التي نعيشها في بلادنا آناء الليل وأطراف النهار، لا نكاد ننتهي من بلاء كذبة حتى نقع في أخرى تليها أشد مكرا ودهاء وأشد حبكة وعبثا وتلاعبا بالعقول، ولا نكاد ننجو من مقلب ولا مكيدة حتى نقع في غيرهما حتى بتنا نشك في كل شيء، وفي كل خبر، وفي كل مبادرة، وفي كل تحرك سياسي أو اجتماعي، بل اننا بسبب الحجم الأسطوري من الأفاعيل والكوارث والحملات الممنهجة لترذيل العمل السياسي والسياسيين أصبحنا نشك في كل الفاعلين السياسيين، ولا نصدق أحدا منهم، خاصة منهم من تواترت أكاذيبهم وأفاعيلهم وانخراطهم في مؤامرات تعويق المسار والبلاد.

 

(2)

خلال الأيام القليلة الماضية نشر المحامي والكرونيكور الصديق شكيب الدرويش تدوينة قال فيها : ” تخيلوا معي ما الذي يمكن أن يحدث لو تناول سياسيو بلادي مصل الحقيقة المركب كيميائيا ليجعلهم يبوحون بجميع مكنوناتهم؟”.

ومصل الحقيقة أو دواء الحقيقة دواء نفسي يستخدم لإيقاف إمكانية الكذب لدى الإنسان ويجعله بمجرد تناوله يعترف بالحقيقة كاملة غير منقوصة شاء أم أبى دون حاجة إلى الضغط أو استعمال أساليب التعذيب، وهو يلغي القدرة على الابتكار والتأليف والكذب، ويستخدم خاصة في أعمال المخابرات والتحقيقات البوليسية.

تخيلوا معنا لو تم حقن قيس سعيد وعبير موسي وراشد الغنوشي ومحمد عمار والصافي سعيد ومنجي الرحوي وحمة الهمامي وبسمة بلعيد وسامية عبو وهشام المشيشي ويوسف الشاهد ومحسن مرزوق ومحمد الغنوشي ومحمد الناصر وعبد الفتاح مورو ونور الدين الطبوبي ورئيس القطب القضائي لمكافحة الإرهاب ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ورئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري وغيرهم من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمدنيين والهيئات المستقلة والقضائية ببلادنا مصل الحقيقة.

الخيال الخصب يمكن أن يمضي بنا بعيدا، ولكنه حتما يمكن أن يسعفنا بحقائق نتطلع بكل شغف لمعرفتها.

“افرض مثلا، مثلا يعني” كما يقول الفنان المصري “حكيم” أننا حقنّا الرئيس قيس سعيد بمصل الحقيقة ووضعناه أمام كاميرا نسجّل بها بوحه بكل أسراره، كاميرا كشف الحقيقة التي يتطلع الجميع لمشاهدة مضمونها ومحتوياتها، لا كاميرا قصر قرطاج التي يأمر بإحضارها كلما زاره ضيف لتسجيل بطولاته وخطاباته المطولة واستعراضه لعضلاته اللغوية الإنشائية المملة.

أمام كاميرا الحقيقة، وبعد تناول جرعة من مصل الحقيقة لا ريب أن الرئيس سيجد نفسه مرغما على إجابتنا بشأن الجهات الداخلية والأجنبية التي دعمته ماليا أثناء حملته الانتخابية من تكون، وما حجم دعمها )دع عنك حكاية الكابوسان ومقهى المنيهلة، والحملة التفسيرية التي لا برنامج فيها سوى بعض الشعارات الجوفاء والأفكار الهلاميّة(، كما أنه سيجد نفسه مضطرا لشرح موقفه الحقيقي من الدستور الذي أكله الحمار تارة، والذي خطه الشباب على الجدران خلال الثورة طورا، والذي يتمسّك بروحه وأحكامه ويقوم بتأويله وفق رؤيته طورا آخر.

سيجد الرئيس نفسه، بحكم تأثير مصل الحقيقة، يعرض على التونسيين قائمة المستشارين الحقيقيين الذين يخططون له ويحددون له التوجهات والمواقف ويبين دور كل من نادية عكاشة المرأة القويّة في القصر الرئاسي، ورضا لينين ونوفل سعيد في كل ما يحدث، وماهي خططهم للبلاد؟ وما نصيب إشاعة تفكير هؤلاء في الانقلاب على المسار؟ وما سر العلاقة الحميمية التي تجمع الرئيس بتيّار عائلة عبو؟ ما الذي جعل قيس سعيد يعادي الأحزاب ويسعى لتحجيم دورها؟ من الذي كان وراء اختيار إلياس الفخفاخ لرئاسة الحكومة؟ ولماذا دفع باستقالته قبل تمرير عريضة سحب الثقة منه على البرلمان؟ من الذي جعله يختار هشام المشيشي رئيسا للحكومة رغم عدم وجود إجماع حوله وعدم ورود اسمه ضمن قائمة الأسماء التي اقترحتها الأحزاب؟ لماذا لم يحتفل الرئيس بذكرى الثورة ولا بعيد الاستقلال؟ لماذا يعطل الحوار الوطني؟ ولماذا لا يرغب في حضور رئيسي البرلمان والحكومة؟ ولماذا لم يرد على رسالة الغنوشي التي دعا فيها إلى حوار يجمع الرؤساء الثلاثة الأصل فيه أن يكون دوريا؟ لماذا لم يتقدّم بأي مبادرة تشريعية لخدمة الشعب الذي يريد، وهو يعلم أن الشعب يريد الشغل والكرامة والتنمية الحقيقية؟ لماذا لم يفكر في إجراء أي حوار تلفزي يوضح فيه للتونسيين مواقفه التي لا يفهمها جلّهم؟ ولماذا يحقد الرئيس على السياسيين والأحزاب ويصفهم بكل النعوت المسيئة والفساد بمبرر أو دون مبرر.

 

(3)

لو تم حقن عبير موسي مصل الحقيقة لتمكنّا من فهم مصادر تمويلها وعلاقاتها ببعض القنوات الخليجية ذات الأجندات المعادية للثورة التونسية على غرار العربية وسكاي نيوز عربية والتي تنقل كل أفاعيلها على الهواء مباشرة بتنسيق مسبق؟ ومن أين تأتيها التعليمات؟ وما هي القوى التي تستند إليها داخليا وخارجيا حتى تجد الجرأة لممارسة أسوإ أنواع العبث السياسي؟ وماهي الجهة التي ترسم لها خطط تحركاتها المجنونة التي ما إن تفشل في إحداها حتى تمضي إلى أخرى أشد عبثا ووقاحة منها؟

لو تم حقن الغنوشي مصل الحقيقة لتمكنا من فهم أسباب صبره على ما يحاك له من مكائد لاستبعاده من رئاسة البرلمان، وسعة صدره إزاء ما يتعرّض له من إساءات من سفهاء السياسة والإعلام، ومن المؤكد أيضا أن يكشف لنا عن تصوّره لما ستكون عليه حركة النهضة بعد مؤتمرها القادم وموقعه فيها، وأسرارا أخرى عن فترة حكم الترويكا. سيخبرنا حتما عن الدور الأجنبي في الاغتيالات السياسية وفي قبول النهضة بالتخلّي عن الحكم، وعن أسرار لقاء باريس وما تمّ خلاله من حديث ثنائي جمعه بالرئيس الباجي رحمه الله.

لو تم حقن محمد عبّو بمصل الحقيقة لأخبرنا عن السبب الحقيقي لاستقالته من حكومة حمادي الجبالي، وعن ليلة الانقلاب على حكومة الجملي ومن يقف وراء تغيير موقف التيّار منها رغم قبول كل شروطه وتمكينه من كل الوزارات والضمانات التي طلبها وعن علاقة التيّار بالرئيس قيس سعيد وعن مدى صحة التسريبات التي تورّط فيها صانعه محمد عمار وعن العلاقات المريبة التي تجمع التيّار بالكتلة الفاشية.

لو تم حقن منجي الرحوي مصل الحقيقة لأخبرنا عن الأسرار الحقيقة التي يعلمها قياديو الوطد عن جريمة اغتيال بلعيد، وعن مكوّنات عصابة صناعة الأكاذيب المتعلقة بالجهاز السري والغرفة السوداء وأذرعها الإعلامية، وعن المخططات الحقيقية التي تم إفشالها لإسقاط مختلف الحكومات التي تلت الثورة، بل وعن تورّط الوطد في الاندساس في جهاز البوليس السياسي في عهد بن علي، وبلوغ عناصره مواقع متقدمة جعلها تمارس التعذيب الممنهج والاغتيال من موقع الحقد والكراهية التي يكنونه للإسلاميين.

لو تم حقن محمد الغنوشي وفؤاد المبزع مصل الحقيقة لقدّما لنا حقائق ظلت مخفية عنا في علاقة بهروب بن علي وتسلمهما السلطة وعن الجهات التي هندست المشهد الذي حكم البلاد مباشرة بعد الثورة.

لو تم حقن قاضي القطب القضائي لمكافحة الإرهاب لكشف لنا حقيقة الجماعات الإرهابية ومخططاتها ومصادر تمويلها وعن علاقتها ببعض الأحزاب السياسية الموجودة في الساحة وعن العلاقة بين بعض عملياتها النوعية والأحداث السياسية بالبلاد.

إن الحقائق المغيبة وسط حقول الأكاذيب والمؤامرات والألاعيب السياسية التي توشك أن تودي بالبلاد وتجربتها المتعثرة، تحتاج أجهزة لكشف الحقائق وأمصالا تمكن عموم التونسيين من فهم الوقائع فهما دقيقا صادقا يجعلهم لا يغترون بما يسوقه أهم الفاعلين السياسيّين بدعم من أذرع إعلامية مأجورة تقتات من رداءة الأوضاع وتصوغ توجهات الرأي العام بالأوهام والأكاذيب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق