راي رئيسي

ماذا يريد رئيس الجمهورية؟

سيدي رئيس الجمهورية، في هذا الظرف العصيب والدقيق الذي يعيشه بلدنا وكل مواطن تونسي الغني والفقير، رب العمل والموظف البسيط، صاحب الشركات والعامل اليومي، المواطن العادي والمسؤول، في هذا الظرف القاسي والغائم والمخيف الذي نمر به جلسنا مرة أخرى ننتظر خروجك علينا وانت رئيس كل التونسيين ورمز دولتهم ووحدتهم وسلامة ترابهم ،لنستمع منك إلى كلمة طمأنة ورفع للمعنويات، ومؤازرة، تشد بها على أيدي المواطنين المتوجسين من حاضرهم ومستقبلهم، تبشرنا بقرب الانتصار على الوباء الذي أقضّ مضجعنا، وتقدم كلمة شكر وعرفان باسم الدولة وباسمنا جميعا للجيش الأبيض وقائده وزير الصحة الذين حملوا عنا عبأ الجائحة وخطورتها ووقفوا في الصفوف الأمامية وبذلوا كل ما يلزم ليجنبوا البلاد الكارثة.. سيدي رئيس الجمهورية انتظرناك مرة أخرى لتؤكد لنا أنك رئيس كل التونسيين ورمز وحدتهم ومجمعهم خاصة في زمن الأزمات والشدائد وأنك عنصر استقرار وأمان، وأنك ستتصدى بكل ما لديك من صلاحيات لدعوات الفوضى والعنف والتهديد بالقتل وسفك دماء التونسيين، والانقلاب على مؤسسات الدولة المنتخبة والاحتراب الأهلي، ولكنك للأسف عمقت حيرتنا وريبتنا وتوجسنا وأربكتنا من جديد..

حيرتنا يا سيادة الرئيس وعمّقت الغموض والالتباس الذي يلفّ بك وغذيت شكوكنا وتوجسنا.. خرجت علينا فحدثتنا مجددا عن مؤامرات وغرف مظلمة وعن بؤس الساسة وفشل الأحزاب، واستدعيت كالعادة قاموس الخيانة وترذيل النخب السياسية وتخوينك لهم.. حدثتنا عن سحب توكيل ممن خان الأمانة ولم تفصح لنا من هؤلاء الذين خانوا الأمانة، ولا كيف سيسحب الشعب منهم التوكيل وبأية آلية، ثم قلت لنا إن قانون منع السياحة الحزبية مرض سياسي ومرض دستوري أخطر من جائحة كورونا، ولم تقل ما قصدت بذلك ولا لما قلت ذلك، ثم قفزت لتسأل عن مليارات الانتخابات ولم نفهم في أي إطار تطرقت إليها ولا ما الذي دعاك للحديث عنها، ثم تحدثت عن البؤس الذي نعيشه الذي لا يوازيه إلّا البؤس السياسي، ولم نفهم هل تقصد بذلك الطبقة السياسية عموما أم تقصد بها أطراف معينة أم تقصد من يمثلون اليوم الإرادة الشعبية أم مؤسسات الدولة الشرعية..

سيدي رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة ضُبط 17 فصلًا في الدستور التونسي (من الفصل 72 إلى الفصل 88) مهام رئيس الجمهورية وصلاحياته وكذا شروط انتخابه، جوهر هذه الفصول جميعا يقول أنّ ساكن قرطاج رئيس الدولة، هو ورمز وحدتها، ضامن لاستقلالها واستمراريتها، والساهر على احترام الدستور.. فرئيس الجمهورية هو شخصية جامعة وموحدة للتونسيين ضامنة لاستمرارية الدولة وحامية للدستور وحامية لهيبة الدولة واستقلاليتها وسيادتها، مطمئنة لكل التونسيين بأن رئيس الدولة هو رئيسهم جميعا من انتخبه ومن لم ينتخبك، من يلتقي معه ومن يختلف معه، فلما لم نستشعر ذلك في كل خطاباتك إلى حدود الأمس؟

سيدي رئيس الجمهورية، لم لم تمارس صلاحياتك الدستورية، ولم تتقدم بأي مبادرة تشريعية يمكن أن تخدم المفقرين والمحتاجين الذين تتبنى الدفاع عنهم في كل تصريحاتك إلى حد الساعة؟ لماذا قلت لنا أن كل اشكال التعامل مع الكيان الصهيوني خيانة عظمى فإذا بك تتواصل بل وتتودد إلى النظامين العربيين الذين يجاهران بالتطبيع مع الكيان الصهيوني وتربطهما علاقات قوية وعلنية معه؟ لماذا يا سيادة الرئيس قبلت بأن يكون مستشاروك وحاشيتك المقربة منك التي تنصت إليها وتستشيرها وتتلقى منها المعلومة من أقصى اليسار الذين لفظهم الصندوق وحجب عنهم الشعب ثقته وهم اليوم لا يمثلون إلا أنفسهم؟؟

سيادة الرئيس لماذا أمعنت في ترذيل وتخوين الطبقة السياسية والسلطة التشريعية ولم تدن مطلقا دعوات الانقلاب على مؤسسات الدولة والفوضى والعنف والقتل ولو بكلمة؟ أما علمت أنك بصمتك المطبق أمام هذه الدعوات المريبة ومنها صفحات تتحدث باسمك مقابل غمزك ولمزك المتكرر ضد نواب الشعب، وضعت نفسك في قلب الاستراتيجية الانقلابية على دستور الثورة ومنجزها السياسي ولو من دون قصد منك؟؟ سيدي رئيس الجمهورية لماذا لم تحرك ساكنا أمام الدعاية السوداء الممنهجة والمكثفة ضد رئيس مجلس نواب الشعب رمز السلطة التشريعية والرأس الثالثة للسلطة وعضو مجلس الأمن القومي، من التشويه والكذب المفضوح إلى الدعوة المباشرة والصريحة للاغتيال والتصفية؟ كيف تريدنا أن نفهم صمتك، هل نفهمه على أنه موافقة أم لا مبالاة أم سهو؟؟

سيادة الرئيس ماذا قصدت بقولتك الحرية هي أن يقدر الشعب على سحب الوكالة ممن خان الأمانة؟ من قصدت بخان الأمانة؟ وبأي آلية سيسحبون هذه الوكالة، أليست الانتخابات التي لها مواقيتها هي الآلية الديمقراطية الوحيدة التي يجدد بها الشعب أو يسحب وكالته ممن انتخبهم سواء كان مجلس نيابي أو رئيس دولة؟؟

عفوا سيدي الرئيس نحن للأسف لا نستطيع فهمك ولا الوصول إلى ما ترمي إليه ولا نفقه ما تتحدث فيه، ولا نستطيع التقاط رسائلك التي تبدو لنا وكأنها مشفرة أو تائهة أو مرتبكة.. عفوا نحن لم نعد نفهم ماذا تريد تحديدا ولا إلى ماذا تصبو، هل تريد حلّ البرلمان والأحزاب، أم تريد تغيير النظام السياسي؟ هل تريد أن تحمي الدستور كما أقسمت على ذلك يوم تنصيبك، أم تريد نسفه؟ هل تريد أن تمضي على خطى عمر ابن الخطاب أم على خطى جوزيف ستالين؟ هل تريد أن تعين الشعب المسحوق أم تريد أن تعين عليه؟ هل تعتبر المؤسسة التشريعية شريكا في الحكم أم تعتبرها خصما؟

سيدي الرئيس وقد رفعت شعار “الشعب يريد” خلال حملتك الانتخابية، ألا علمت أن الشعب يأمل من رئيس الدولة القائد الأعلى للقوات المسلحة أن يعمل على إماطة اللثام عن لغز أجهزة حكم غير منتخبة، أو جماعات ضغط ومصالح، فسادها له قلاع كثيرة تحصنه وترعاه وتحفظه من المهالك، فينمو ويترعرع وتتقوى شوكته ويحكم بقبضته على الدولة ويزرع بذور الاستدامة والمكوث الأبدي، وتملك قدرة خارقة للاستقطاب والاستدراج إلى مدارجها ومسالكها ومهالكها.

الشعب يريد فكّ ألغاز وطلاسم مافيات الفساد والاحتكار والارهاب والسلاح التي لم تُفك ولم تُحلّ شيفراتها ومازالت صندوقا أسودا مطبق بإحكام شديد أمام من ينشدون الحقيقة من التونسيين..

الشعب الذي التبس عليه المشهد وأربكه يريد أن يفهم هل يعيش في ظل دولة مؤسسات ذات سيادة أم في ظل دولة مخترقة ومستباحة..

الشعب سيدي الرئيس يريد أن يعرف من يحرك أذرع الفساد ويمارس البلطجة الاقتصادية من احتكار ومضاربة وتلاعب بالسلع والأسعار ويحاربه في قوته..

الشعب يريد أن يتعامل رئيس مجلس الأمن القومي بجدية مع كل معلومات مهما كان مصدرها خاصة التي تمس بأمن البلاد والعباد، وتفتح تحقيقات جدية بخصوصها.. سيادة الرئيس، إنّ سياسة الصمت اللامبرر وسياسة اللاموقف من دعوات الفوضى والانقلاب على مؤسسات الدولة وتهديد كيانها، ودعوات التطاحن وحكم الشارع والبطاح والتهديد بالتصفيات الجسدية التي تزكّم الأنوف، سياسة لم يعد لها أي معنى أو حجة، والمفروض أن يحظى هذا الموضوع بصدارة أولوياتك، وأن يكون لك قول فصل فيه تسجل من خلاله موقفا واضحا وحاسما ولا لبس فيه فكل الرغبات والنزعات الشخصية تؤجل أمام معركة أمن الدولة واستقرارها وسلامة شعبها..

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق