الافتتاحية

ما الذي يجري داخل القضاء؟؟
صراع بين شخصين أم نحن في قلب الحرب على الفساد والمعركة من أجل استقلالية مرفق العدالة؟

1

قرر مجلس القضاء العدلي مساء الثلاثاء 24 نوفمبر الجاري رفع الحصانة القضائية عن الرئيس الأول لمحكمة التعقيب الطيب راشد. وجاء القرار استجابة لطلب توجه به وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بشير العكرمي في شهر سبتمبر الماضي، بسبب وجود شبهة تلاعب في بعض القضايا التي تعهدت بها محكمة التعقيب سنة 2019..

وجاء القرار على خلفية الجدل الذي تصاعد مؤخرا بين السيد رئيس محكمة التعقيب والوكيل السابق للجمهورية البشير العكرمي، وتبادل الاتهامات والتسريبات، الأمر الذي حول الجدل الذي كان خافتا في القضاء إلى قضية رأي عام وبات يهدد صورة واستقلالية ونزاهة مرفق العدالة.

وبغض النظر عن التفاصيل، ودون الخوض في خفايا الأمور، ولأن الأمر متروك للقضاء وهو الجهة الوحيدة المخولة للبت في الاتهامات الموجهة من الطرفين.. وهي شبهات.. وتظل كذلك، ونحن نبرئ الجميع حتى تصدر الأحكام القضائية الباتة والجازمة فيها..

ما يهمنا هنا ليس توجيه الاتهامات ولا الوقوف إلى جانب دون آخر، ولا نعتقد أن نقل المعركة إلى الإعلام، هو الطريق الأسلم للبت في هذه القضايا.. ما يعنينا هو فهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، حتى يتبين الرأي العام في بلادنا أصل المشكلة والخصومة..

 

2

تجمع أغلب القراءات، على أن المشكل الأخير بدأ سنة 2019، حين أصدرت الدائرة الصيفية لمحكمة التعقيب قرارات تم بموجبها تبرئة رجلي أعمال متهمين في قضايا تهريب من الحجم الثقيل، وهو ما أثار شكوكا شابت قرارات الدائرة القضائية التي بتّت في تلك القضايا. وهو ما دفع التفقدية العامة بوزارة العدل إلى إحالة أعضاء الدائرة التي أصدرت هذه القرارات على أنظار مجلس القضاء العدلي.. المجلس قرر اتخاذ إجراءات تأديبية ضد أعضاء الدائرة.. وسلط عقوبة العزل على إثنين منهم وإحالة ملفيهما على النيابة العمومية بتونس للاشتباه في وجود فساد مالي وراء هذه القرارات.

ويبدو أن الأبحاث انتهت بوكيل الجمهورية بشير العكرمي إلى شكوك نحو رئيس محكمة التعقيب فطلب رفع الحصانة عنه.. ويبدو أيضا أن بعض أعضاء مجلس القضاء العدلي لم يتقبلوا هذا الطلب واعتبروه ردّا على تنحية العكرمي من خطته كوكيل للجمهورية وهو ما أدّى إلى صراع داخل المجلس بين أنصار الطيب راشد الذين يتمسّكون برفض طلب رفع الحصانة عنه وآخرين تمسكوا برفع الحصانة ويعتبرون أن ما كشفت عنه الوثائق من وقائع يبرّر الاعتراف بالخطأ في تنحية العكرمي من خطته.

وكان من نتائج هذا الصراع داخل مجلس القضاء العدلي وظهور تسريبات عن شبهات فساد، انتقال الحديث عن الموضوع إلى مجلس النواب والمنابر الإعلامية… وفي هذا السياق جاء الخروج الإعلامي الأخير لرئيس محكمة التعقيب وتوجيهه بدوره اتهامات للبشير العكرمي بالقيام بتجاوزات في ملفات تتعلق بالإرهاب وخاصة ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي..

وهو ما نفاه العكرمي وطالب برفع التحفظ عنه حتى يستطيع الردّ على الاتهامات بوجود تقصير منه الذي كانت فندته أبحاث سابقة أجرتها التفقدية العامة لوزارة العدل، حسب ما تقول مصادر قضائية قريبة من الملف.

في نفس السياق طالب مجلس القضاء العدلي التفقدية العامة، بمدّه بنتائج الأبحاث التي أجرتها في الشكاوى المرفوعة ضد البشير العكرمي وكلفت النيابة العامة بالتحرّي في التسريبات المتعلقة بقضايا الشهيدين شكري بالعيد ومحمد البراهمي.

 

3

هذه تفاصيل تطور الأحداث وفق أغلب المصادر التي أمكننا الاطلاع عليها، وبغض النظر عن صدق ادعاءات كل طرف باتجاه الآخر، واحترام قرينة البراءة في انتظار إصدار الهيئات القضائية المعنية قرارتها، ونتمنى أن تتكشف من وراء غبار هذه المعركة كل الحقيقة في علاقة بحماية الفاسدين، أو ما يقال عن تلاعب في قضايا الاغتيالات السياسية حتى يتوقف الاستثمار السياسي فيها..

لأن ما يختفي وراء هذه التفاصيل، واحدة من أهم المعارك التي تعني ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي، وهي الحرب على الفساد، واستقلالية القضاء..  المعركة هنا، وهذا مربط الفرس.

أمّا بخصوص الحرب على الفساد، وعكس المنهجية التي اتبعتها بعض الأطراف السياسية التي ركبت هذا الملف، فإن الحرب على الفساد لا يقوم بها سياسيون فاسدون، ولا يستعملها طرف ليقوم من خلالها بـ “تكوين الملفات” لتصفية حسابات سياسية مع أطراف أخرى.. الحرب على الفساد ستكون مسيسة وفاسدة إذا ما أديرت بعقل سياسي ينشد الاقصاء ويرمي إلى تحقيق ما عجز عنه في الصندوق عبر تلفيق القضايا وتشويه الخصوم..

الحرب على الفساد تقوم بها أجهزة الدولة الأمنية والديوانية والقضائية، بكل استقلالية عن المسؤول السياسي، وذلك عبر تقوية هذه الأجهزة وإعطائها من الإمكانات والصلاحيات ما يجعلها قادرة على القيام بدورها في تتبع لوبيات الفساد والتهريب. والحرب على الفساد لا يمكن أن (تقوم لها قائمة) والطرف المخول بالبت في القضايا تحوم حوله هو نفسه شبهات فساد، فمن يصلح الملح إذا لملح فسد كما يقال..  إضافة إلى أن للفساد شبكات تمتد من السياسي إلى الأمني إلى القضائي الخ …، والإدعاء بمحاربة الفساد دون الأخذ في الاعتبار الامتداد الشبكي للفساد واختراقه لجل مؤسسات الدولة، كلام لا يستقيم وقد أثبتت التطورات الأخيرة ذلك..

للأسف وكما يقال سمعنا جعجعة من بعض رؤوس الحرب على الفساد ولم نر طحينا، ولم نر حربا حقيقية على الفساد، بل تبريرا لبعض الفاسدين والدفاع عنهم، مقابل افتعال أو محاولة افتعال ملفات على المقاس للخصوم السياسيين.. وفي هذا السياق رأينا إدّعاءات ولم نر دليلا واحدا عليها..

 

4

على غرار الحرب على الفساد فإن غبار المعركة الأخيرة في القضاء، يخفي وراءه معركة أخرى، هي معركة استقلالية القضاء، خاصة وقد بدا واضحا في الآونة الأخيرة محاولة بعض الأطراف وضع يدها على المنظومة الأمنية عبر بعض التحويلات والنقلات على رأس بعض الأجهزة والمناصب الحساسة للغاية بوزارة الداخلية..  ونفس الشيء وقع ويقع في القضاء، بعد النقل التعسفية التي تعرض لها بعض القضاة والذين يشتغلون على ملفات حساسة كالفساد والاغتيالات السياسية..  الهدف منها واضح، وهو وضع اليد على القضاء بهدف غلق بعض الملفات وتصفية حسابات سياسية ضيقة مع خصم لم تسطع بعض القوى هزمه في الصندوق، ولم تفلح محاولات ربطه بالإرهاب، وربطه بالاغتيالات السياسية..

وكان الحلّ الأسهل هو محاولة التحكم والسيطرة على بعض المواقع المفصلية في القضاء، لتوجيه التحقيقات والاتهامات بما يخدم مواقف بعض الأطراف..

ولتبرير بعض النقل، وقع الاشتغال على توجيه تهم لبعض القضاة بالتلاعب في بعض الملفات والتغطية على ملفات الإرهاب، وهو ما يصعب تصديقه خاصة وأن التفقدية العامة بوزارة العدل قامت بأكثر من تحقيق في هذا الشأن وبحثت في أكثر من شكاية بهذا الخصوص ولم تصل إلى إخلالات في الموضوع..

إذا المعركة سياسية في جوهرها، ومحورها، بعد الفشل في إسقاط حكومة الترويكا يوم دفن الشهيد بلعيد، هو إلصاق تهمة الإرهاب ببعض الخصوم السياسيين تمهيدا لإقصائهم بالقضاء والأمن ربما بعد أن فشل البعض في إقصائهم بالصندوق..  نفس المنهج الذي اعتمدته منظومة الاستبداد من قبل، حملات إعلامية مركزة وموجهة، حملات أمنية، ومحاكمات صورية..

اليوم يتكرّر نفس السيناريو ولكن بأقل حبكة وبارتجال كبير لأننا في عصر الحرية وأغلب المؤسسات الأمنية والقضائية مستقلة ولا يمكن التحكم بقرارها.. وهي تناضل اليوم حتى لا تقع إعادتها إلى نفس المربعات..

للأسف ومنذ الانتخابات الأخيرة تصاعدت محاولات وضع اليد على بعض الوزارات والمناصب الحساسة، بهدف استغلالها فيما بعد في تصفية الخصوم، وهو ما يمثل خطورة كبيرة على الاستقرار الهش الذي تعيشه بلادنا وعلى التجربة الوليدة في الانتقال الديمقراطي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق